فهرس الكتاب

الصفحة 1035 من 2431

يعني: نريهم من هذه الدلائل مرة بعد أخرى إلى أن تزول الشبهات عن قلوبهم، ويحصل فيها الجزم والقطع بوجود الإله القادر الحكيم العليم المنزه عن المثل والضد.

فإن قيل: هذا الوجه ضعيف؛ لأن قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ} يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن، وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد كان الله أطلعهم عليها قبل ذلك. فثبت أنه تعذر حمل هذا اللفظ على هذا الوجه.

قلنا: إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء، إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب زمانًا فزمانًا، ومثاله: كل أحد رأى بعينه بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب التي أبدعها الله في تركيب هذا البدن كثيرة، وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها، فكلما ازداد وقوفًا على تلك العجائب والغرائب، فصح بهذا الطريق قوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} .

والقول الثاني: أن المراد بآيات الآفاق فتح البلاد المحيطة بمكة، وبآيات أنفسهم فتح مكة.

والقائلون بهذا القول رجحوه على القول الأول؛ لأجل أن قوله: {سَنُرِيهِمْ} يليق بهذا الوجه، ولا يليق بالأول، إلا أنا أجبنا عنه بأن قوله: {سَنُرِيهِمْ} لائقٌ بالوجه الأول، كما قررناه.

فإن قيل: حمل الآية على هذا الوجه بعيد؛ لأن أقصى ما في الباب أن محمدًا صلى الله عليه وسلم استولى على بعض البلاد المحيطة بمكة، ثم استولى على مكة، إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقًا، فإنا نرى أن الكفار قد يحصل لهم استيلاء على بلاد الإسلام وعلى ملوكهم، وذلك لا يدل على كونهم محقين.

ولهذا السبب قلنا: إن حمل الآية على الوجه الأول أولى، ثم نقول: إن أردنا تصحيح هذا الوجه، قلنا: إنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد صلى الله عليه وسلم على تلك البلاد على كونه محقًا في ادعاء النبوة، بل نستدل به من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن مكة أنه يستولي عليها، ويقهر أهلها، ويصير أصحابه قاهرين للأعداء، فهذا إخبارٌ عن الغيب، وقد وقع مُخْبَرُه مطابقًا لخبره، فيكون هذا إخبارًا صدقًا عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجزة، فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقًا» 56.

أي: أن الله سبحانه وتعالى سيكشف لعباده بعضًا من آياته؛ ليتبين لهم أن هذا القرآن هو الحق،.وكيف يتبين لهم أنه الحق؟ ذلك أن حقائق الكون التي سيصلون إليها بعد مئات السنين، أو آلاف السنين بنشاطات الذهن، سيجدون القرآن قد أشار إليها، وحينئذ يتبين لهم أن هذا القرآن هو الحق؛ لأن الذي قال هو الله، والذي خلق هو الله 57.

وتدل الدلائل على أن العلماء الذين درسوا الآيات الكونية في القرآن فيما بعد، وطبقوها على ما وصل إليه العلم في زمانهم؛ في الفلك، أو الطب، أو الطبيعة، أو الكيمياء، أو الأحياء، وغيرها من العلوم، وجدوا تطابقًا وتوافقًا علميًا رائعًا، أكد لهم أن القرآن كتاب الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

لذلك كان علماء الفلك وعلماء الطب أكثر الناس إيمانًا بعظمة الخالق المبدع، وأسبقهم إقرارًا بألوهيته؛ لما رأوه رأى العين من أن القرآن الكريم الذي نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، كان هو نهاية العلم الذي يصلون إليه، كلما جَدَ جديدٌ في بحثهم، وهذا هو العلم الذي جاء به النبي الأمي محمد، الذي لم يكن هو ولا قومه ولا عصره يعرف شيئًا من فلك، أو جيولوجيا، أو كيمياء، أو طب، أو غير ذلك 58.

أولًا: الأمر الصريح:

-من أساليب القرآن في الحث على التفكر في الكون الأمر الصريح، ومن ذلك قوله تعالى: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) [يونس:101] .

قال الإمام أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك، السائليك الآيات على صحة ما تدعوهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان: انظروا، أيها القوم، ماذا في السماوات من الآيات الدالة على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله، من شمسها وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها، ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها وفي الأرض من جبالها، وتصدعها بنباتها، وأقوات أهلها، وسائر صنوف عجائبها، فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة ومعتبرًا، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك، ولا له على تدبيره وحفظه ظهير يغنيكم عما سواه من الآيات» 59.

وهذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع وغير ذلك من آيات السماوات وأفلاكها وكواكبها وسحابها ونحو ذلك، والأرض ونباتها ومعادنها وغير ذلك 60.

أي: انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في السماوات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته ونفاذ قدرته كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل هذا يقتضي خالقًا مدبرًا سبحانه 61.

قال الإمام الرازي: «والدلائل إما أن تكون من عالم السماوات أو من عالم الأرض، فالدلائل السماوية هي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب، وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد، والدلائل الأرضية هي: النظر في أحوال العناصر العلوية، وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها. ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح بعوضة، لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد، ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد، فلهذا السبب ذكر قوله: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ولم يذكر التفصيل، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية، حتى إن العاقل يتنبه لأقسامها، وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بَيَنَ بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى عليه في الأزل بالشقاء والضلال» 62.

وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } [العنكبوت:20] .

«يقول تعالى مخبرًا عن الخليل عليه السلام أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، ثم وجدوا وصاروا أناسًا سامعين مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهلٌ عليه، يسيرٌ لديه.

ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السماوات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيَارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبراري وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء: (كن) فيكون» 63.

وإنما أمر بالسير في الأرض؛ لأن السير يدني إلى الرائي مشاهدات جمة من مختلف الأرضين بجبالها وأنهارها ومحوياتها، ويمر به على منازل الأمم حاضرها وبائدها، فيرى كثيرًا من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها، فإذا شاهد ذلك جَالَ نظر فكره في تكوينها بعد العدم، جولانًا لم يكن يخطر له ببال حينما كان يشاهد أمثال تلك المخلوقات في ديار قومه؛ لأنه لما نشأ فيها من زمن الطفولة فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله، اعتاد أن يمر ببصره عليها دون استنتاج من دلائلها، حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائبًا عن بصره، جالت في نفسه فكرة الاستدلال، فالسير في الأرض وسيلة جامعة لمختلف الدلائل، فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة.

وجيء في جانب بدء الخلق بالفعل الماضي؛ لأن السائر ليس له من قرار في طريقه، فندر أن يشهد حدوث بدء مخلوقات، ولكنه يشهد مخلوقات مبدوءة من قبل، فيفطن إلى أن الذي أوجدها إنما أوجدها بعد أن لم تكن، وأنه قادرٌ على إيجاد أمثالها، فهو بالأحرى قادرٌ على إعادتها بعد عدمها 64.

قال محمد إسماعيل إبراهيم: «وها هو القرآن يدعونا إلى التفكر في بدء الخلق منذ أن تصلبت قشرة الأرض الخارجية وتكونت عليها القارات والمحيطات، لذلك اجتهد علماء الجيولوجيا أن يقرأوا تاريخ الأرض من طبقات الصخور الرسوبية التي تراكمت عليها، وفي طياتها الكثير من بقايا الكائنات الحية التي عاشت عليها، سواء كانت لحيوان أو نبات، وهذه البقايا المتحجرة هي ما نسميه اليوم بالحفريات، وهي في واقعها سجل حافل بتاريخ الخليقة منذ بدايتها، وقد استطاع العلم بوسائله المتقدمة أن يقرأ كثيرًا من صفحات هذا السجل، ويعرف حقائق كثيرة عن نشأة الأرض وتطوراتها خلال الأزمنة الجيولوجية» 65.

كما أمر الله تعالى بالسير في الأرض لمعرفة الآيات الكونية التي حلت بالأمم السابقة.

قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) } [الأنعام:11 - 13] .

والمعنى: سيروا في الأرض لتعرفوا أحوال أولئك الأمم، وتفكروا في أنهم كيف أهلكوا لما كذبوا الرسل وعاندوا، فتعرفوا صحة ما توعظون به، وفي السير في الأرض، والسفر في البلاد، ومشاهدة تلك الآثار الخاوية على عروشها تكملة للاعتبار، وتقوية للاستبصار 66.

ثانيًا: التعقيب على الآيات الكونية بما يقتضي استنهاض العقول وتوجيه الأفهام:

عقب القرآن الكريم على الآيات الكونية بما يقتضي استنهاض العقول وتوجيه الأفهام نحو النظر والبحث في الآيات الكونية التي ذكرها.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) } [يونس:5 - 6] .

ويلاحظ أن الله ختم هذه الآيات الكونية بقوله: {يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: ما يبين لهم، ويفقهون ما يميز لهم 67.

وختم الآيات الكونية الثانية بقوله: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} أي: لأدلة وحججًا وأعلامًا واضحة لقوم يتقون الله، فيخافون وعيده ويخشون عقابه على إخلاص العبادة لربهم 68.

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } [البقرة:164] .

وكذلك قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) } [آل عمران:189 - 190] .

وختم هذه الآيات المذكورة بما يستنهض العقول للتفكير فيها بقوله: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وقوله تعالى: {لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} وهي العقول، أي: لمن عقل مواضع الحجج، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته.

فأعلم تعالى ذكره عباده، بأن الأدلة والحجج إنما وضعت معتبرًا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي، والمكلفين بالطاعة والعبادة، ولهم الثواب، وعليهم العقاب 69.

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) } [الأنعام:95 - 99] .

وزاد سبحانه في ختم هذه الآيات على ما ختم به الآيات السابقات بقوله: {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} .

يقول تعالى: قد بينا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ، مواقع الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه 70.

{إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} والمعنى: «إن في إنزال الله من السماء الماء الذي أخرج به نبات كل شيء، والخضر الذي أخرج منه الحب المتراكب، وسائر ما عدد في هذه الآية من صنوف خلقه لآيات، يقول: في ذلكم، أيها الناس، إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموه، علمتم أن له مدبرًا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد، وكان فيه حجج وبرهان وبيان لقوم يؤمنون» 71.

وقوله تعالى: {يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) } [النحل:11 - 13] .

وقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [النحل:65 - 69] .

وقوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) } [الروم:19 - 24] .

وفي ختم هذه الآيات الكونية دعوة للتفكير فيها.

قال الإمام ابن جرير في تفسير الآية: «إن فيما وصفت وذكرت من عجائب خلق الله وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء، لدلالات وحججًا وعظات، لقوم يتفكرون فيها، فيستدلون ويعتبرون بها، فيعلمون أن العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا لمن خلقها ودبرها دون غيره من الآلهة والأصنام التي لا تقدر على ضر ولا نفع ولا لشيء غيرها، إلا لمن أنشأ ذلك فأحدثه من غير شيء تبارك وتعالى وأن القدرة التي أبدع بها ذلك، هي القدرة التي لا يتعذر عليه إحياء من هلك من خلقه، وإعادة ما فني منه وابتداع ما شاء ابتداعه بها» 72.

وقال الإمام ابن جرير في قوله تعالى: « {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} ؛ لأن المراد منه: الذين يسمعون هذه الحجج ويتفكرون فيها، فيعتبرون بها ويتعظون. ولم يرد به: الذين يسمعون بآذانهم، ثم يعرضون عن عبره وعظاته» 73.

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) } [الجاثية:3 - 6] .

وختم الله تعالى هذه الآيات بما يستنهض العقول نحو اليقين، والمعنى: إن في خلق الله إياكم أيها الناس، وخلقه ما تفرق في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يعني: حججًا وأدلة لقوم يوقنون بحقائق الأشياء، فيقرون بها، ويعلمون صحتها 74.

قال الإمام الرازي: «إنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع أولها: يؤمنون، وثانيها: يوقنون، وثالثها: يعقلون، وأظن أن سبب هذا الترتيب أنه قيل: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين، بل أنتم من طلاب الحق واليقين، فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين، فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل» 75.

وفي الجملة إن الله تعالى ختم هذه الآيات الكونية بما يدعو إلى العلم واليقين، واستخدام العقول والتفكر في هذه الآيات الكونية بما يؤدي إلى الإيمان بالله وتوحيده، وإخلاص العبادة له سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت