فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 2431

يقول ذكره: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل، احتجاجًا بذلك كله عليهم، وتذكيرا لهم، وتنبيها على الحق ليتبعوه ويعملوا به، (فَأَبَى? أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) ، فأبى أكثر الناس إلا جحودًا للحق، وإنكارا لحجج الله وأدلته 85.

قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ?8?) [البقرة: 8] .

النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب، والمنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه، ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار، أن يظن بأهل الفجور خير 86.

قال تعالى: (ٹ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ? مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) [الروم: 8] .

اللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون بلقاء ربهم، على التقديم والتأخير؛ أي: لكافرون بالبعث بعد الموت 87، ولقاء الله تعالى يكون بالبعث بعد الموت، فالكفر بلقاء الله تعالى إنكارًا للبعث.

ثانيًا: الفسق:

قال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ?49?) [المائدة: 49] .

يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) ، وإن كثيرًا من اليهود لتاركو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته 88.

والفاسقون أي: المتمردون في الكفر المصرون عليه الخارجون عن الحدود المعهودة 89.

ولا تعارض هنا في قوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) وبين تفسير الإمام الطبري بأن الناس هنا اليهود، وذلك لأن اليهود صنف كبير من الناس، ذكر مرارًا وتكرارًا في القرآن الكريم، ليؤكد على حقيقتهم وطبعهم، وهو الفسق.

ثالثًا: الغفلة:

قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس: 92] .

إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده بلا روح، وعليه درعه المعروفة به على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه ... وقوله تعالى: (لَغَافِلُونَ) أي: لا يتعظون بها، ولا يعتبرون 90، وقوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) ، وهذا القول يوضح أن هناك من يغفل عن الآيات، وهناك من لا يغفل عنها، وينظر إلى تلك الآيات ويتأملها ويتدبرها، ويتساءل عن جدوى كل شيء، فيصل إلى ابتكارات واختراعات ينتفع بها الإنسان، أذن بميلادها عند البحث عنها؛ لتستبين عظمة الله في خلقه 91.

رابعًا: لا يعلمون:

إن المتدبر في كتاب الله يجد أن الله تعالى وصف الناس في بعض الآيات بعدم العلم كما في قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ومن هذه المواضع ما يلي:

قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ? قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ? لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ? ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ? يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ? قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?187?) [الأعراف: 187] .

ولم يعلموا أنك - لكمال علمك بربك، غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه 92.

يقول تعالى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى? أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ? وَكَذَ?لِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ? وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى? أَمْرِهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?21?) [يوسف: 21] .

وقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أي: «لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد» 93.

قال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ? لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ? بَلَى? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [النحل: 38] .

يقول تعالى مخبرا عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا (بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي: اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه (لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) أي: استبعدوا ذلك، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه، فقال تعالى مكذبًا لهم وردًا عليهم: (ےبَلَى) أي: بلى سيكون ذلك، (ے وَعْدًا عَلَيْهِ) أي: لا بد منه، (وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر 94.

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [سبأ: 28] .

يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا لمن أطاعك، ونذيرًا لمن كذبك (وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر 95.

قال تعالى: (ں قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [سبأ: 36] .

وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ?34?) [سبأ: 34] .

وقوله: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) [سبأ: 35] .

أي: فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيًا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك؛ لأن من أحسن إليه فلا يعذبه.

فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (ں قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ) أي: يوسعه لمن يشاء وَيَقْدِرُ) أي: إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانًا لهم، فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة، فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغني عنكم غدًا شيئًا.

لَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لا يعلمون هذا لأنهم لا يتأملون 96.

يقول تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [غافر: 57] .

يقول تعالى ذكره: لابتداع السموات والأرض، وإنشاؤها من غير شيء، أعظم أيها الناس عندكم إن كنتم مستعظمي خلق الناس وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله 97.

خامسًا: لا يشكرون:

إن الله تعالى أسبغ علينا نعمه ظاهرة، وباطنة، وحري بنا معشر الناس أن نقابل النعم بالشكر، ولقد بين القرآن أن أكثر الناس لا يشكرون في مواطن عديدة من كتاب الله تعالى منها:

قال تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) [النمل: 73] .

أي: لذو أفضال وإنعام على كافة الناس، ومن جملة نعمه تأخير عقوبة هؤلاء على ما يرتكبونه من المعاصي التي من جملتها استعجال العذاب، ولكن أكثرهم لا يشكرون لا يعرفون حق النعمة فيه فلا يشكرونه، بل يستعجلون بجهلهم وقوعه كدأب هؤلاء 98.

وينبه عباده على سعة جوده وكثرة أفضاله ويحثهم على شكرها، ومع هذا فأكثر الناس قد أعرضوا عن الشكر واشتغلوا بالنعم عن المنعم 99.

قال تعالى: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ? ذَ?لِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ?) [يوسف: 38] .

(ذَ?لِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا) إذ جعلنا أنبياء (وَعَلَى النَّاسِ) إذ جعلنا الرسل إليهم (ٹ ٹ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ?) على نعمة التوحيد والإيمان 100.

يقول تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ? إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) [غافر: 61] .

يقول تعالى ممتنًا على خلقه، بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار مبصرًا، أي: مضيئًا؛ ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ) ) أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم 101.

إن المتأمل في كتاب الله عز وجل يجد أن الناس والأقوام في اتباعهم على حالتين:

الأولى: الاتباع المحمود، وذلك باتباع الحق وأهله من الرسل والأنبياء، كذلك اتباع أوامر الله تعالى، فجميع الأنبياء والرسل أرسلوا لقومهم، وأرشدوهم لعبادة الله تعالى.

الثانية: الاتباع المذموم، وذلك باتباع الباطل وأهله من الشيطان وأعداء الإسلام، فنهج أعداء الله تعالى الصد عن دين الله ومحاربته، وسنلقي إن شاء الله الضوء على هذا المحور في هذا المبحث، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: اتباع الناس المحمود:

قال تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَ?ذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 68] يخبر الله تعالى أن أولى الناس بإبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وأتباع الخليل، قبل محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما اليهود والنصارى، والمشركون فإبراهيم بريء منهم ومن ولايتهم؛ لأن دينه الحنيفية السمحة التي فيها الإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب، وهذه خصيصة المسلمين 102.

قال تعالى: (وَأَنَّ هَ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ? وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام: 153] هذه آية عظيمة فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه 103.

قال تعالى: (قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف: 158] .

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد للناس كلهم: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل، مرسلًا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم. وأما قوله:(وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) فاهتدوا به أيها الناس، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله؛ لكي تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحق في اتباعكم إياه 104.

قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) [محمد:3]

وأما (الَّذِينَ آمَنُوا) بما أنزل الله على رسله عمومًا، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم خصوصًا كفرالله عنهم صغار الذنوب، وكبارها، وإذا كفرت سيئاتهم، نجوا من عذاب الدنيا والآخرة، (وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) ، أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم: (اتَّبَعُوا الْحَقَّ) الذي هو الصدق واليقين، وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم الصادر (مِنْ رَبِّهِمْ) الذي رباهم بنعمته، ودبرهم بلطفه فرباهم تعالى بالحق فاتبعوه، فصلحت أمورهم 105.

قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام: 155] فيه الدعوة إلى اتباع القرآن ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة 106.

ثانيًا: اتباع الناس المذموم:

لقوله تعالى: (مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) [الحج: 3] .

يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر وقد يكون المراد بذلك إبليس وجنوده ... كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار، وذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى قال: كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلًا لهذا الوعيد 107.

لقوله تعالى: (يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26] .

ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه، فتجور عن الحق (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) يقول: فيميل بك اتباعك هواك في قضائك على العدل والعمل بالحق عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله 108، وهذا الخطاب ليس لنبي الله داود وحده؛ بل هو لكل من وجد في مكانه فعليه بالعدل لا الجور.

قال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأحزاب: 67] .

أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء 109.

قال تعالى: (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ) [الشعراء: 40] .

ورجوا اتباع السحرة، أي: اتباع ما يؤيده سحر السحرة وهو إبطال دين ما جاء به موسى ... كناية عن رجاء تأييدهم في إنكار رسالة موسى فلا يتبعونه 110، واتباع السحرة ليس معناه نتبعهم في السحر إنما أراد نتبعهم في نصرة ديننا وملتنا والإبطال على معارضتنا 111، فإن اتباع السحرة فيه إعلان الحرب على الله ورسله وأوليائه، فاتباعهم فيه الهلاك والخسران.

قال تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) [الشعراء: 224] .

ومعنى (الْغَاوُونَ) جمع غاوٍ، وهو الضال، وهؤلاء يتبعون الشعراء؛ لأنهم يؤيدون مذهبهم في الحياة بما يقولون من أشعار؛ ولأنهم لا يحكم منطقهم مبدأ ولا خلق، بل هواهم هو الذي يحكم المبدأ والخلق، فإن أحبوا مدحوا، وإن كرهوا ذموا 112.

قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ? أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى? عَذَابِ السَّعِيرِ ?21?) [لقمان: 21] وإذا قيل لهؤلاء الذين يجادلون في توحيد الله جهلًا منهم بعظمة الله: اتبعوا أيها القوم ما أنزل الله على رسوله، وصدقوا به، فإنه يفرق بين المحق منا والمبطل، ويفصل بين الضال والمهتدي، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من الأديان، فإنهم كانوا أهل حق 113.

النداء من الأساليب التي استخدمها القرآن الكريم ليوصل للناس ما يريد وذلك باستخدامه حرف النداء يا، وقد استفتح القرآن الكريم بعض سوره بالنداء، وذلك في عشر سور، منها سورتين افتتحت بالنداء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ، وذلك في سورة النساء يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ?1?) [النساء:1] .

وفي سورة الحج يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ? إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: 1] 114.

أولًا: تكرار النداءات:

لقد تكرر النداء في سور متعددة من القرآن الكريم نحو عشرين مرة، منها ما تكرر في السور المكية، ومنها ما تكرر في السور المدنية، وقد جاءت على النحو الآتي:

تكرار النداء في السور المكية:

تكرر النداء بـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) في السور المكية عشر مرات في خمس سور مكية و هي:

••الأعراف مرة واحدة.

••سورة يونس تكرر النداء بـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فيها أربع مرات.

••سورة النمل مرة واحدة.

••سورة لقمان مرة واحدة.

••سورة فاطر ثلاث مرات.

تكرار النداء في السور المدنية:

تكرر النداء بـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) في السور المدنية عشر مرات في أربع سور مدنية وهي:

••سورة البقرة تكرر النداء بـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) مرتين.

••سورة النساء تكرر النداء بـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ثلاث مرات.

••سورة الحج أربع مرات.

••سورة الحجرات مرة واحدة.

ثانيًا: حكم النداءات:

إن تعدد النداء للناس، أو كثرة النداء للناس في القرآن الكريم، لم يرد إلا لحكم عظيمة، لما للنداء من أهمية في الأسلوب القرآني و صيغة النداء للناس الواردة في القرآن هي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ويا حرف نداء والمنادى أي وهو اسم مفرد مبني على الضم، وها حرف تنبيه مقحم بين المنادى وصفته 115.

وحرفا النداء والتنبيه جاءا ليلفتا الانتباه لما سيأتي بعدهما من أوامر ونواهٍ، ومن خلالها تظهر بعض الحكم، وبعد الغوص في معاني وسياقات القرآن الجليلة نقف على بعض الحكم التي تم التوصل إليها خلال هذا البحث ومنها:

حكم النداءات في السور المكية:

••الأمر بالإيمان.

قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?158?) [الأعراف: 158] يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم (قُلْ) يا محمد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة.

وقوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) أخبرهم أنه رسول الله إليهم، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به 116.

جاء النداء ليشمل جميع الناس كما بينت الآيات السابقة؛ ليدعوهم ويأمرهم بالإيمان بالله تعالى، وهذا يتفق مع خصائص السور المكية التي تدعو إلى غرس الإيمان والتوحيد والعقيدة.

••التذكير بالتقوى و اليوم الآخر.

لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ? إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ? فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ?33?) [لقمان: 33] .

يقول تعالى ذكره: أيها المشركون من قريش، اتقوا الله، وخافوا أن يحل بكم سخطه ... لأن الأمر يصير هنالك بيد من لا يغالب، ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل، إلا وسيلة من صالح الأعمال التي أسلفها في الدنيا. وقوله: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) يقول: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حق، وذلك أن الله قد وعد عباده ولا خلف لوعده 117.

••ترسيخ مفهوم التوحيد.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ? هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ) [فاطر: 3] .

ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان؛ ولهذا قال: (لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ) أي: فكيف تؤفكون (تصرفون) بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟! 118.

والمتأمل في هذه الآية يجد أنها اشتملت على أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الألوهية المتمثل في قوله تعالى: (يَلَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ) وتوحيد الربوبية المتمثل في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ? هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وقضية الخلق والرزق من قضايا توحيد الربوبية، أما توحيد الأسماء والصفات فمتمثل في قوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) .

••إظهار الإعجاز والمعجزة.

قال تعالى: (وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ? وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ? إِنَّ هَ?ذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) [النمل: 16] ، قوله تعالى: (? وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) أي: قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) أي: تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض، في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها 119، وإن علم منطق الطير من المعجزات التي أكرم الله نبيه سليمان بها.

••بيان حاجة الناس لخالقهم.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ? وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15] .

ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا فهم الفقراء إليه على الإطلاق(وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ على الإطلاق الْحَمِيدُ) أي: المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم 120.

••بيان الجزاء و العاقبة.

قال تعالى: (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى? أَنْفُسِكُمْ ? مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [يونس: 23] .

أي: غاية ما تؤملون ببغيكم، وشرودكم عن الإخلاص لله، أن تنالوا شيئًا من حطام الدنيا وجاهها النزر اليسير الذي سينقضي سريعًا، ويمضي جميعًا، ثم تنتقلون عنه بالرغم. ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ) في يوم القيامة 121.

ولما ذكر سبحانه أن هؤلاء المتقدم ذكرهم يبغون في الأرض بغير الحق ذكر عاقبة البغي وسوء مغبته 122.

حكم تكرار النداءات في السور المدنية:

••بيان أصل الخلقة والنشأة والغاية منها.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] .

يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس إنا أنشأنا خلقكم من ماء ذكر من الرجال، وماء أنثى من النساء 123.

ويخبر تعالى أنه خلق بني آدم من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله تعالى بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، وفرقهم، وجعلهم شعوبًا وقبائل أي: قبائل صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى، فأكرمهم عند الله أتقاهم 124.

••الأمر بالعبادة.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 21] .

وهذا أمر عام لكل الناس بأمر عام وهو العبادة الجامعة؛ لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له 125.

••الأمر بأكل الطيبات و النهي عن اتباع الشيطان.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [البقرة: 168] .

لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زينه لهم في جاهليتهم 126.

••التذكير بالتقوى.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ? إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: 1] ، أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم 127.

••التذكير بالبعث.

قال تعالى: (ڑ ڑيَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ? وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ? وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى? وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى? أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ? وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ?5?) [الحج: 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت