فهرس الكتاب

الصفحة 918 من 2431

يقال: وحى وأوحى، وهو الإلهام، والمراد من الإلهام: أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الأول: أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار، والثاني: أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة، أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة فإنه لا يبقى فيما بينها فرج ضائعة، فإهداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب، والثالث: أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران، وذلك أيضًا من الأعاجيب، والرابع: أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها، وهذا أيضًا حالة عجيبة، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام، وهي حالة شبيهة بالوحي، لا جرم، قال تعالى في حقها: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) } [النحل:68] 128.

النظرة العلمية: إن بعض العلماء الذين كرسوا جهودهم لدراسة حياة الحشرات وقفوا على حقائق عجيبة وألفوا مئات الكتب التى أثبتت صحة ما جاء في القرآن من أن هناك فصائل برية من النحل تسكن الجبال وتتخذ من مغاراتها مأوى لها، وأن منه سلالات تتخذ من الأشجار سكنًا بأن تلجأ إلى الثقوب الموجودة في جذوع الأشجار وتتخذ منها بيوتًا تأوي إليها، ولما أراد الإنسان أن ينتفع بعسل النحل استأنسها وصنع لها خلايا من الطين أو الخشب يعيش فيها، وهكذا تبين الآية الكريمة كيف كانت هذه الحشرات بإلهام من الله تأوى إلى مساكنها المختلفة منذ القدم إلى يومنا هذا 129.

3.بيوت النمل.

قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) } [النمل:17 - 19] .

وقد ذكر الله تعالى بيوت النمل في سياق الملك العظيم الذي وهبه لنبيه سليمان عليه السلام، والمعنى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} يعني: في بيوتكم، {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} أي: لا يهلكنكم، ويقال: لا يكسرنكم سليمان وجنوده بأن يظلموكم، وإنما خاطبهم بقوله {ادْخُلُوا} بخطاب العقلاء؛ لأنه حكى عنهم ما يحكى عن العقلاء، ثم قال: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} يعني: قوم سليمان لا يشعرون بكم، ولو كانوا يشعرون بكم، لا يحطمونكم؛ لأنهم علموا أن سليمان ملك عادل لا بغي فيه ولا جور فيه، ولئن علم بها لم توطأ، ويقال: وهم لا يشعرون يعني: جنوده خاصة؛ لأنه علم أن سليمان يعلم بمكانه ويتعاهده {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} كما يكون ضحك الأنبياء عليهم السلام، وإنما ضحك من ثنائها على سليمان بعدله في ملكه، يعني: أنه لو شعر بكم لم يحطمنكم. ويقال: فتبسم ضاحكًا أي: متعجبًا ويقال: فرحًا بما أنعم الله تعالى عليه 130.

-إن الهجرة والخروج من البيوت ابتغاء لمرضات الله تعالى يكون في أمور، منها: الهجرة، والجهاد في سبيل الله تعالى، والسفر المباح، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الهجرة:

الهجرة هي: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح: هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان، فإن بقي في دار الحرب، ولم يهاجر عصى 131.

وفي الهجرة ترك البيوت ابتغاء مرضاة الله تعالى.

قال سبحانه: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) } [النساء:100] .

أي: إن من يهاجر في سبيل الله، أي: لقصد رضاه وإقامة دينه كما يجب وكما يحب الله تعالى، يجد في الأرض سبيلًا يرغم به أنوف من كانوا مستضعفين له، ومأوى يصيب فيه الخير والسعة فوق النجاة من الاضطهاد والذل، وفي هذا وعد للمهاجرين في سبيله بتسهيل سبل العيش لهم وإرغامهم أعداءهم والظفر بهم 132.

كما وعد من يموت في الطريق قبل وصوله دار الهجرة بالأجر العظيم الذي ضمنه له عز وجل إذا كان يقصد بهجرته رضا الله ونصرة رسوله في حياته، وإقامة سننه بعد وفاته، وكان مستحقًّا لهذا الأجر ولو مات بعد أن تجاوز عتبة الباب ولو لم يصب تعبًا ولا مشقة، فإن نية الهجرة مع الإخلاص كافية لاستحقاقه له، كما في حديث عمر رضي الله عنه (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) 133.

وفى إبهام هذا الأجر وجعله حقًّا واجبًا عليه تعالى إيذان بعظم قدره وتأكيد ثبوته ووجوبه، ولله تعالى أن يوجب على نفسه ما يشاء، وليس لغيره أن يوجب عليه شيئًا، إذ لا سلطان فوق سلطانه.

{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:100] أي: وكان شأن الله الغفران أزلًا وأبدًا لأمثال هؤلاء المهاجرين الذين دعاهم إيمانهم لترك أوطانهم لإقامة دينه واتباع سبيله، والرحمة الشاملة لهم بعطفه وإحسانه 134.

واختلف المفسرون في معنى المراغم المذكورة في الآية: فقال بعضهم: هو التحول من أرض إلى أرض، وقال آخرون: مبتغى معيشة، وقال آخرون: المراغم، المهاجر 135، وقال مجاهد: المرغم: المتزحزح، وقال الكسائي: المراغم: المذهب.

قال أبو جعفر النحاس: «وهذه الأقوال متفقة المعاني فالمراغم هو المذهب والمتحول في حال هجرة، وهو اسم للموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرغام، ورغم أنف فلان، أي: لصق بالتراب، وراغمت فلانًا هجرته وعاديته» 136.

أما السعة فقال أبو جعفر بعد أن ذكر أقوال المفسرين في معنى السعة: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطربًا ومتسعًا، وقد يدخل في «السعة» ، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهم والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني (السعة) ، التي هي بمعنى الروح والفرج من مكروه ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظهري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دلالة على أنه عنى بقوله: (وسعة) ، بعض معاني (السعة) التي وصفنا، فكل معاني (السعة) التي هي بمعنى الروح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخل في ذلك» 137.

والهجرة ابتغاء مرضات الله تعالى هي سنة النبيين عليهم، فقد هاجر نبي الله إبراهيم ولوط عليهما السلام.

قال تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) } [العنكبوت:26] .

فقد خرج إبراهيم عليه السلام من أرض العراق مهاجرًا إلى ربه، وخرج معه لوط عليه السلام وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة الله حتى نزل حران من دمشق، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجرًا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام ونزل بلاد السبع من أرض فلسطين، ونزل لوط عليه السلام بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك، فبعثه الله سبحانه نبيًّا 138.

يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم أنه آمن له لوط عليه السلام، يقال: إنه ابن أخي إبراهيم عليه السلام، ولم يؤمن به، من قومه سواه وسارة امرأة إبراهيم الخليل، ثم أخبر عنه عليه السلام بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك، ولهذا قال: {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، الحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية 139.

وكذلك فعل نبي الله موسى عليه السلام فقد خرج من مصر، خائفًا يترقب، أي: ينتظر الطلب، قال: رب نجني من القوم الظالمين الكافرين، قال تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) } [القصص:21 - 22] .

أي: سلك الطريق التي يلقى مدين 140 فيها، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام من مصر {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص:22] .

أي: قصد الطريق إلى مدين 141.

والهجرة بترك البيوت هي كذلك سنة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) } [التوبة:40] .

وفي الآية إخبار بهجرة رسول إلى المدينة وتركه مكة وبيته فيها ابتغاء مرضات الله تعالى.

والمعنى: إلا تنصروه أي: تنصروا رسوله فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه، كما تولى نصره إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين في عام الهجرة لما همّ المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هاربًا بصحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يجزع أن يطلع عليهم أحد فيخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أذى، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسكنه ويثبته ويقول: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) 142143.

ثانيًا: الجهاد:

إن في الجهاد تركًا للبيوت ابتغاء مرضات الله تعالى، كما قال تعالى عن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) } [الأنفال:5] .

وفي قوله عز وجل: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} قولان:

أحدهما: كما أخرجك ربك من مكة إلى المدينة بالحق مع كراهة فريق من المؤمنين، كذلك ينجز وعدك في نصرك على أعدائك بالحق.

والثاني: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ} من المدينة إلى بدر بالحق، كذلك جعل لك غنيمة بدر بالحق.

وفي قوله: {بِالْحَقِّ} وجهان:

أحدهما: أنك خرجت ومعك الحق.

الثاني: أنه أخرجك بالحق الذي وجب عليك.

{وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} فيه وجهان:

أحدهما: كارهون خروجك.

الثاني: كارهون صرف الغنيمة عنهم؛ لأنهم لم يعلموا أن الله تعالى قد جعلها لرسوله صلى الله عليه وسلم 144.

وقد أمر الله تعالى بالخروج من البيوت والمنازل للجهاد الواجب وتوعد من لم يخرج بالعذاب الأليم والاستبدال بقوم يخرجون للجهاد.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) } [التوبة:38 - 39] .

وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم على الجهاد وغزو الروم، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، والمعنى: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {مَا لَكُمْ} ، أي: شيء أمركم {إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، أي: إذا قال لكم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم {انْفِرُوا} ، أي: اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم، وأصل النفر، مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك 145.

وقد أمر الله تعالى بالخروج من البيوت للجهاد في كل الأحوال والظروف.

قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) } [التوبة:41] .

قوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} أي: شيبًا وشبانًا 146، وموسرين ومعسرين، خفت عليكم الحركة أو ثقلت، ركبانًا ومشاة 147.

قال الإمام البغوي: «قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} ، قال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة: شبانًا وشيوخًا، وعن ابن عباس: نشاطًا وغير نشاط، وقال عطية العوفي: ركبانًا ومشاة، وقال أبو صالح: خفافًا من المال، أي: فقراء، وثقالًا أي: أغنياء، وقال ابن زيد: الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يضيع ضيعته، والخفيف الذي لا ضيعة له، ويروى عن ابن عباس قال: خفافًا أهل الميسرة من المال وثقالًا أهل العسرة، وقيل: خفافًا من السلاح، أي: مقلين منه، وثقالًا أي: مستكثرين منه، وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال مرة الهمداني: أصحاء ومرضى، وقال يمان ابن رباب عزابًا ومتأهلين، وقيل: خفافًا من حاشيتكم وأتباعكم، وثقالًا مستكثرين بهم، وقيل: خفافًا مسرعين خارجين ساعة سماع النفير، وثقالًا بعد التروي فيه والاستعداد له» 148.

ثم بين سبحانه شرط الخروج من البيوت للجهاد الذي يقصد به ابتغاء مرضات الله بأن لا يتخذ الخارجون أعداء الله تعالى أولياء.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) } [الممتحنة:1] .

وجواب الشرط في قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} محذوف لدلالة ما قبله عليه أى: إن كنتم -أيها المؤمنون- قد خرجتم من مكة من أجل الجهاد في سبيلي، ومن أجل طلب مرضاتي، فاتركوا اتخاذ عدوي وعدوكم أولياء، واتركوا مودتهم ومصافاتهم.

فالمقصود من الجملة الكريمة: زيادة التهييج للمؤمنين، حتى لا يبقى في قلوبهم أي شيء من المودة نحو الكافرين 149.

ثم بين سبحانه موقف المنافقين من الخروج للجهاد بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) } [التوبة:42 - 43] .

والعرض كل ما عرض لك من منافع الدنيا، فالمعنى: لو كانت غنيمة قريبة، أي: لو كان ما دعوا إليه غنمًا، {وَسَفَرًا قَاصِدًا} أي: سهلًا قريبًا لاتبعوك {وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} ، أي: بعدت عليهم الغاية التي تقصدها، وكان هذا حين دعوا إلى غزوة تبوك، فثقل عليهم الخروج إلى نواحي الشام 150.

والمعنى: لو كان ما دعوا إليه عرضًا قريبًا غنيمة قريبة، وسفرًا قاصدًا قريبًا هينًا، لاتبعوك طمعًا في المال {وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} [التوبة:42] .

المسافة، وقال الكلبي: يعني: السفر إلى الشام، والشقة السفر البعيد؛ لأنه يشق على الإنسان، {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم: {لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} [التوبة:42] أي: لو قدرنا وكان لنا سعة في المال، يهلكون أنفسهم بالكذب والنفاق، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة:42] ؛ لأنهم كانوا يستطيعون الخروج وكانوا مياسير، ذوي زاد وسلاح وعدة، قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة:43] 151.

ثم قال سبحانه: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) } [التوبة:46 - 47] .

أي: إن المنافقين لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر، فتركهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} أي: خروجهم معك {فَثَبَّطَهُمْ} أي: حبسهم عنك وخذلهم، لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين، ويدل على هذا أن بعده: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} قيل: هو من قول بعضهم لبعض، وقيل: هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون هذا هو الإذن الذي تقدم ذكره، قيل: قاله النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا فأخذوا بظاهر لفظه وقالوا: قد أذن لنا، وقيل: هو عبارة عن الخذلان، أي: أوقع الله في قلوبهم القعود، ومعنى: {مَعَ الْقَاعِدِينَ} أي: مع أولي الضرر والعميان والزمنى والنسوان والصبيان 152.

ثم ذكر الحكمة في ذلك، فقال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} أي: نقصًا، {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} أي: ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} أي: هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم.

{وَفِيكُمْ} أناس ضعفاء العقول {سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فلله أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفًا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد الناشئة من مخالطتهم 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت