فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 2431

الأخوة

أولًا: المعنى اللغوي:

الأخ: أصله أخو بالتحريك؛ لأنه جمع على آخاء مثل آباء، والذاهب منه واو؛ لأنك تقول في التثنية أخوان ... وقد يتسع فيه فيراد به الاثنان؛ كقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء:11] .

وهذا كقولك: إنا فعلنا، ونحن فعلنا، وأنتما اثنان، وأكثر ما يستعمل الإخوان في الأصدقاء، والإخوة في الولادة 1.

والأخ-في الحقيقة- هو: كل من جمعك وإياه صلب أو بطن، ويستعار لكل مشارك لغيره في القبيلة أو في الدين أو في الصنعة أو في معاملة أو في مودة أو في غير ذلك من المناسبات، والأخت كالأخ، وقيل: الإخوة جمع الأخ من النسب، والإخوان جمع أخ من الصداقة 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

تقدم معنا أن الأخ هو كل من جمعك وإياه صلب أو بطن ويستعار لكل مشارك لغيره في القبيلة أو في الدين أو في الصنعة أو في معاملة أو في مودة أو في غير ذلك من المناسبات والأخت كالأخ.

والذي يهمنا هو تعريف الأخوة بمعناه العام وهي أخوة النسب، وفي القرآن الكريم بمعنى خاص وهي الأخوة الإسلامية.

فالأخوة عمومًا دون تخصيص:

هي: مشاركة شخص لآخر في الولادة من الطرفين أو من أحدهما أو من الرضاع، ويستعار لكل مشارك لغيره في القبيلة أو في الدين أو في صنعة أو في معاملة أو في مودة أو في غير ذلك من المناسبات 3.

والأخوة هي الميثاق الذي يربط بين الأفراد، وهذا معنى عام فهي ربط بين الأقرباء وغيرهم بأي نوع من أنواع الصلة بينهم.

وردت مادة (أخو) في القرآن (96) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المفرد ... 60 ... {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} [يوسف:77]

المثنى ... 2 ... {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:23]

الجمع ... 34 ... {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات:10]

وجاءت الأخوة في القرآن على ستة أوجه 5:

أحدها: الأخ من الأب والأم أو من أحدهما: ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء:11] . يعني: الأخ من النسب.

الثاني: أخوة القبيلة: ومنه قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف:65] . يعني: منهم.

الثالث: الأخوة في الدين: ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] . يعني: في الدين.

الرابع: الأخوة في المودة والمحبة: ومنه قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) } [الحجر:47] .

يعني: جمعتهم المودة والمحبة.

الخامس: الصاحب: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} [ص:23] . يعني: صاحبي.

السادس: الشبه: ومنه قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف:38] . يعني: شبهها.

الخلة:

الخلة لغة:

(الخليل) الصديق والجمع (أخلاءٌ) 6.

وهي أخص من الأخوة 7.

الخلة اصطلاحًا:

أخوة خاصة لأخ معين من بين سائر الإخوان لشدة الموافقة بينه وبين أخيه. وهي أعلا مراتب المحبة 8.

الصلة بين الأخوة والخلة:

الخلة مرتبة فوق مرتبة الأخوة وغيرها، ومنه قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125] .

والخليل: المخال، وهو الذي يخالك، أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقك، أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك 9.

فلشدة قرابته من أخيه والتصاقه به وموافقته ومسايرته ومداخلته؛ صار خليلًا له.

فأما كون الخلة فوق الأخوة فمعناه أن لفظ الخلة: عبارة عن حالة هي أتم من الأخوة، وتعرفه من قوله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام ... الحديث» 10؛ إذ الخليل هو الذي يتخلل الحب جميع أجزاء قلبه ظاهرًا وباطنًا 11.

الصداقة:

الصداقة لغة:

الصداقة: صدق الاعتقاد في المودة، وذلك مختص بالإنسان، وقوله: {وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) } [الشعراء:101] ، إشارة إلى قوله: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) } [الزخرف:67] 12.

الصداقة اصطلاحًا:

قوة المودة مأخوذة من الشيء الصدق وهو الصلب القوي، وقال أبو علي رحمه الله: الصداقة اتفاق القلوب على المودة، ولهذا لا يقال: إن الله صديق المؤمن كما يقال إنه حبيبه وخليله 13.

الصلة بين الأخوة والصداقة:

قال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة 14.

ورفع الشارع الحرج في الأكل من بيت الصديق؛ لأنه أرضى بالتبسط وأسر به من كثير من ذوي القرابة 15.

أولًا: الأخوة في العقيدة:

الأخوة في العقيدة هي أعظم الأخوات كما مر معنا، ويمكن أن نجعلها في قسمين رئيسين:

والعقيدة التي نريدها: الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد، والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها مما هو من أصول الدين.

وقد أطلق كثير من السلف على العقيدة الصحيحة اسم «السنة» ، وذلك لتمييزها عن عقائد ومقولات الفرق الضالة؛ لأن العقيدة الصحيحة وهي عقيدة أهل السنة والجماعة مستمدة من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، التي هي مبينة للقرآن 16.

وقد وردت في ذلك آيات تحمل في مضمونها الأمر المباشر أو الحث أو مدح هذه الأخوة.

بيان حقيقة الأخوة: قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) } [الحشر:10] .

ومن أفضل ما قال المفسرون: وهذه الصورة النظيفة الرضية الواعية، وهي تبرز أهم ملامح التابعين، كما تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان.

هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار- ولم يكونوا قد جاءوا بعد عند نزول الآية في المدينة، إنما كانوا قد جاءوا في علم الله وفي الحقيقة القائمة في هذا العلم المطلق من حدود الزمان والمكان- سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة، لا لذاتها ولكن كذلك لسلفها الذين سبقوا بالإيمان وفي طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على وجه الإطلاق، ممن يربطهم معهم رباط الإيمان، مع الشعور برأفة الله ورحمته، ودعائه بهذه الرحمة، وتلك الرأفة، وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود، تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وتواد وتعاطف، وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب وتتفرد وحدها في القلوب، تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة، كما يذكر أخاه الحي، أو أشد، في إعزاز وكرامة وحب، ويحسب السلف حساب الخلف، ويمضي الخلف على آثار السلف، صفًا واحدًا وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان، تحت راية الله تغذ السير صعدًا إلى الأفق الكريم، متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم.

إنها صورة باهرة، تمثل حقيقة قائمة كما تمثل أرفع وأكرم مثال للبشرية يتصوره قلب كريم، صورة تبدو كرامتها ووضاءتها على أتمها ... صورة تمثل الأجيال من وراء الزمان والمكان والجنس والوطن والعشيرة والنسب متضامنة مترابطة متكافلة متوادة متعارفة صاعدة في طريقها إلى الله، بريئة الصدور من الغل، طاهرة القلوب من الحقد 17.

وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، السابقين من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضًا.

ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره، الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين.

فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: {سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر:10] دليل على المشاركة في الإيمان، وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم المؤمنين؛ لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضًا، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن ينصح له حاضرًا وغائبًا، حيًا وميتًا، ودلت الآية الكريمة على أن هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض، ثم ختموا دعاءهم باسمين كريمين، دالين على كمال رحمة الله وشدة رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته، بل من أجله، توفيقهم للقيام بحقوق الله وحقوق عباده 18.

إنها أخوة الإيمان، الأخوة التي ليس لها نظير، وما لنا عنها ولا بها بديل.

كلهم يترحمون على السلف من المؤمنين الذين سبقوهم، ويسلكون طريق الشفقة على جميع المسلمين، ويستغفرون لهم، ويستجيرون من الله أن يجعل لأحد من المسلمين في قلوبهم غلًا، أي: حقدًا، ومن لا شفقة له على جميع المسلمين فليس له نصيب من الدين 19.

فهي عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم- المهاجرين والأنصار- إلى يوم الدين 20.

وهي أخوة تتوارثها الأجيال من السلف للخلف، بل تدوم إخوتهم إلى مماتهم حتى يجمعهم الله عليها مرة أخرى في دار كرامته أبد الآبدين.

كما قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) } [الحجر:47] وهذا من أعظم كمال اللذات حيث يكون الإنسان خالدًا مخلدًا، وحيث يكون هو وإخوانه ورفقاؤه في ذلك النعيم ليس بين اثنين منهم شحناء، ولا عداوة، ولا حقد، ولا حسد، ولا مخاصمة، وكل هذا من كمال النعيم 21.

لمن تبذل الأخوة؟ الأصل أنها تبذل لكل من قام بالعقيدة الصحيحة؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] أي: الجميع إخوة في الدين 22، أو تاب مما كان عليه من اعتقاد باطل وعاد للإسلام الحق، كما قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) } [التوبة:11] .

يقول: إن تركوا اللات والعزى، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة:11] . قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعًا لم يفرق بينهما وقرأ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11] .

وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه 23.

وهذا بيان أن يقوموا بكل ما أمر الإسلام به، دون تهاون في حق الله الذي أمرنا به.

فإن تابوا: مما هم عليه من الكفر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين أي: فهم إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، فعاملوهم معاملة الإخوان، وفيه من استمالتهم واستجلاب قلوبهم ما لا مزيد عليه 24.

ويفهم من مفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنهم أخوة المؤمنين فهم من الكافرين؛ لأن الله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] 25.

ويدل على أن من أظهر لنا الإيمان وأقام الصلاة وآتى الزكاة فعلينا موالاته في الدين على ظاهر أمره مع وجود أن يكون اعتقاده في المغيب خلافه 26.

والأصل فيهم أنهم قد اجتالتهم الشياطين، ولعبت بهم يمنة ويسرة هم ومن كان على شاكلتهم، أو تعاون معهم في غيهم.

وأن فريق الكافرين يزيدهم الشيطان غيًا إلى غيهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله، ولا يحجزهم تقوى الله، ولا خوف المعاد إليه عن التمادي فيها والزيادة منها، فهم أبدًا في زيادة من ركوب الإثم، والشيطان يزيدهم أبدًا، لا يقصر الإنسي عن شيء من ركوب الفواحش، ولا الشيطان من مدهم منه 27.

وقد جاءت الآيات التي تحدثت عن أخوتهم السيئة؛ للتحذير منها والتنفير عنها.

ذكر أخوتهم على سبيل الذم:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) } [آل عمران:156] .

وظاهر من مناسبة هذه الآيات في سياق المعركة، أن هذه كانت أقوال المنافقين الذين رجعوا قبل المعركة، والمشركين من أهل المدينة الذين لم يدخلوا في الإسلام ولكن ما تزال بين المسلمين وبينهم علاقات وقرابات 28.

فينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب، لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران:156] .

أي: سافروا للتجارة ونحوها {أَوْ كَانُوا غُزًّى} أي: كانوا في الغزو {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا} أي: في البلد {مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو 29.

فهم بكفرهم هذا ليسوا بإخوان، ومع ذلك فأخوتكم فيما بينكم ليست على طريقتهم.

فلا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله والضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا 30.

فأخوة المؤمنين واضحة المعالم، وأخوة غيرهم سراب بقيعة لا حقيقة له.

بيان زيف أخوتهم، وأنه اجتماع وقت للإضرار بالمؤمنين:

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) } [الحشر:11] .

يعني بني النضير، وأخوتهم معهم أخوة دين واعتقاد، أو أخوة صداقة وموالاة؛ لأنهم كانوا معهم سرًا على المؤمنين 31.

ولما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين، ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب المؤمنين من حالهم، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} [الحشر:11] والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، والذين نافقوا هم: عبد الله بن أبي وأصحابه، وجملة: {يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [الحشر:11] .

مستأنفة لبيان المتعجب منه، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة، أو للدلالة على الاستمرار، وجعلهم إخوانًا لهم لكون الكفر قد جمعهم، وإن اختلف نوع كفرهم فهم إخوان في الكفر 32.

فقولهم هذا: لإخوانهم الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر، ولأنهم كانوا يوالونهم ويواخونهم، وكانوا معهم على المؤمنين في السر 33.

فأثبت الله أن لهم أخوة؛ لكنها ليست على مرضات الله وليست كما وجه إليها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ بل هي مغايرة لذلك تمامًا.

فهذه الأخوة قامت على الكفر بالله، ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم، والإضرار بعباد الله المؤمنين، فلسيت بأخوة على الحقيقة بل لها اشتراك لفظي كما يقال، ولقد ذكرت بصورتها البشعة؛ ليجتنبها عباد الله المؤمنين في أخوتهم، فأخوتهم قائم على أمر الله ورسوله.

ثانيًا: الأخوة في النسب:

أصل الأخوة النسب كما سبق، وأخوة النسب إما لأشقاء أو غير أشقاء، ومن الآيات التي وردت في ذلك:

ذكر العلاقة بين الإخوة في النسب عمومًا:

قال تعالى-حاكيًا عن أهوال يوم القيامة-: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) } [عبس:34] .

وبدأ بالأخ، ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين؛ لأنهم أقرب وأحب 34.

فالأخ ليس أحب إلى أخيه من والديه؛ إنما الاعتماد عليه في المهمات أكثر منهما.

قال قتادة: الأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم 35.

وهذا الترتيب في الأهل يتناسب مع سياق الآيات، ففي سورة عبس المشهد هو مشهد الفرار يخلو المرء بنفسه ويفر المرء أولًا من الأبعد إلى الأقرب إلى قلبه، يفر أولًا من أخيه ثم من أمه وأبيه ثم من صاحبته وبنيه الذين هم أقرب الناس إلى قلبه، أما في سورة المعارج فالمقام مقام عذاب وليس فرار؛ فيرى المرء مشهد عذاب فوق ما تصوره ولا يقبل المساومة فيبدأ يفدي نفسه بالأقرب إلى قلبه ثم الأبعد؛ لذا بدأ ببنيه أعز ما عنده ثم صاحبته وأخيه ثم فصيلته ثم من في الأرض جميعًا 36.

فهم إخوة أشقاء، أو إخوة لأب، أو إخوة لأم؛ فيجتمعون في إخوة النسب.

حكم يعم الإخوة جميعًا وهو بيان للمحرمات عليهم من النساء:

قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) } [النساء:23] .

عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} [النساء:23] فهذه النسب 37.

فهؤلاء هن المحرمات من النسب بإجماع العلماء كما هو نص الآية الكريمة 38.

فكل هؤلاء اللواتي سماهن الله تعالى وبين تحريمهن في هذه الآية، محرمات، غير جائز نكاحهن لمن حرم الله ذلك عليه من الرجال، بإجماع جميع الأمة 39.

فتحرم الأخوات، وبنات الأخ وبنات الأخت أبدًا.

بل يحرم الجمع بين أختين، وحكمته دفع الغيرة عمن يريد الشرع بقاء تمام المودة بينهما، وقد علم أن المراد الجمع بينهما فيما فيه غيرة، وكذلك في التسري 40.

تجريم الضرر بالأخ من النسب أو غيره:

فحرم الله القتل بين المؤمنين وشنعه بقوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] .

وكان قصة ذلك قتل أحد ابني آدم لأخيه، وتحيره في مواراته {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) } [المائدة:31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت