أي: أن الإنسان إذا اتبع الهدى الوارد من الله سبحانه وتعالى على لسان رسله سلم من أن يعتريه شيء من ضلال في الدنيا، بخلاف من اتبع ما فيه هدى وارد من غير الله، فإنه وإن استفاد منه في بعض الأحوال لا يسلم من الوقوع في الضلال في أحوال أخرى، وهو أيضًا لا يشقى في الآخرة؛ لأنه إذا سلم من الضلال في الدنيا سلم من الشقاء في الآخرة 42.
إنّ هنالك خيارات صعبة وعديدة تطرح أمام الفرد، وأمام الأمة كل يوم، ولاختيار الطريق السليم بين هذه الخيارات، ونهتدي إلى الصواب لابد من الرجوع إلى القرآن، والتدبر في آياته. ومن هنا يقول الله سبحانه: نَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9] .
فيشمل الهدى أقوامًا وأجيالًا بلا حدود من زمان أو مكان، ويشمل ما يهديهم إليه كلّ منهج وكلّ طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان.
إن التدبر في القرآن الكريم للحظات قليلة فقط، كان منعطفًا تغييريًّا كبيرًا، في حياة الكثير من العصاة. فهذا الفضيل بن عياض كان في بداية حياته مجرمًا خطيرًا، وكان ذكر اسمه كافيًا لإثارة الرعب في القلوب، لقد كان يقطع الطريق على القوافل، ويسلب المسافرين كل ما يملكون، وذات يوم وقعت نظراته على فتاة جميلة، وفي تلك الليلة، كان يتسلق جدار ذلك البيت الذي تسكن فيه الفتاة، وفي هذه الأثناء، تناهى إلى مسامعه صوت يتلو هذه الآية الكريمة: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: 16] .
فأخذ يفكّر في الآية بضع ثوان، وأخذ يردد مع نفسه: «يا رب قد آن» ، ثم هبط من الجدار، وتولى بوجهه شطر المسجد، وجاور الحرم حتّى مات 43.
انظر ماذا فعل التدبر في آية واحدة، حوّل رجلًا من مجرم متمرس بالجريمة، إلى معتكف في محراب العبادة، فكيف إذا تدبر الإنسان في كل القرآن؟ ألا يتحوّل إلى رجل كامل!.
رابعًا: تحصيل العلم النافع:
إنّ المقصد الرابع من مقاصد تدبر القرآن الكريم هو: تحصيل العلم النافع، وهو أمر مهم لتحقيق المقاصد الثلاثة السابقة؛ ليكون الإيمان والعمل والهداية عن علم واتباع لما جاء به الشرع.
ولقد حثّ القرآن الكريم على طلب العلم وتحصيله في أكثر من موضع، فقال سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 122] .
قال العلماء: في هذه الآية مشروعية الخروج لطلب العلم، والتفقّه في الدين، جعله الله سبحانه متصلًا بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد، فيكون السفر نوعين، الأول: سفر الجهاد، والثاني: السفر لطلب العلم. ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر 44. وفي السياق ذاته، قال سبحانه أيضًا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ? فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ?43? [النحل: 43] .
فسؤال أهل الذكر والعلم، هو شكل من أشكال طلب العلم.
وطلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل؛ لما رواه الترمذي: عن ابن عبّاسٍ، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد اللّه به خيرًا يفقّهه في الدّين) 45.
وروى مسلم عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل اللّه له به طريقًا إلى الجنّة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلاّ نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة، وذكرهم اللّه فيمن عنده) 46.
كما مدح الله العلماء في مواضع كثيرة في كتابه العزيز، حيث قال سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَ?لِكَ ? إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ? إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) [فاطر: 28] .
وقال أيضًا: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: 11] .
وذمّ سبحانه الجهل والجاهلين فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ?199? [الأعراف: 199] 47.
وبعد معرفة أهمية طلب العلم، فيجب معرفة أن المنبع الأصيل والمصدر العظيم لطالب العلم هو القرآن الكريم، فهو زاخر بالعلوم النافعة للإنسان في حياته الدنيا وآخرته، ولا يستطيع المسلم أن يحصل عليها إلا من خلال الغوص في هذا البحر المتدفق، والتدبر في آياته؛ لاستخراج الدرر المكنونة فيه؛ حيث يقول الله سبحانه وتعالى? وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89] .
أي: في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبيّن فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية، حتى إنه تعالى يثنّي فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة؛ لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس، فلما كان هذا القرآن تبيانًا لكل شيء صار حجة الله على العباد، وانتفع به المسلمون فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة. فالهدى ما نالوه به من علم نافع وعمل صالح 48.
ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ? [الحشر: 7] .
فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل حكم سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، بهذه الآية، وبنحو قوله تعالى:. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّ [آل عمران: 31] .
وبقوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] .
وقال تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 115] .
فكانت السنة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثمّ كان تبيانًا لكل شيء 49. وفي نفس المعنى قال سبحانه أيضًا: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] .
أي: ما تركنا في القرآن من شيء من أمر الدين؛ إما تفصيلًا أو إجمالًا 50.
ومن جهة أخرى، فيخشى أن تكون حال من يقرأ ويحفظ دون تدبر كحال من سبقنا من الأمم التي عاب الله عليها مثل ذلك، كما في قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة: 78] .
قال ابن عاشور رحمه الله: «الأماني القراءة؛ أي: لا يعلمون الكتاب إلا كلمات يحفظونها ويدرسونها لا يفقهون منها معنًى، كما هو عادة الأمم الضالة؛ إذ تقتصر من الكتب على السرد دون فهم» 51.
قال ابن تيمية: «والإنسان يقرأ السورة مرات حتى سورة الفاتحة، ويظهر له في أثناء الحال من معانيها ما لم يكن خطر له قبل ذلك حتى كأنها تلك الساعة نزلت، فيؤمن بتلك المعاني، ويزداد علمه وعمله، وهذا موجود في كل من قرأ القرآن بتدبر، بخلاف من قرأه مع الغفلة عنه» 52.
خامسًا: الجهاد بالقرآن:
مقاصد التدبّر السابقة نفعها ذاتي يعود على المسلم وحده فقط؛ لذلك كان لابد من تسخير هذه المقاصد لأمر يتعدّى فيه النفع إلى الآخرين، وهذا هو المقصد الخامس من مقاصد التدبر؛ وهو: الجهاد بالقرآن، فلا يمكن تحقيق هذا المقصد من دون تحقيق المقاصد السابقة فهي مترتبة بعضها على بعض.
وقد دعانا القرآن لهذا النوع من الجهاد، فقال سبحانه وتعالى: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: 52] .
وجاء هذا الأمر بعد أن حذّر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من الوهن في الدعوة، أمره بالحرص عليها والمبالغة فيها، وعبّر عن ذلك بالجهاد، وهو الاسم الجامع لمنتهى الطاقة، وصيغة المفاعلة فيه ليفيد مقابلة مجهودهم بمجهوده فلا يهن ولا يضعف؛ ولذلك وصف بالجهاد الكبير؛ أي: الجامع لكل مجاهدة.
وضمير (به) عائد إلى القرآن؛ أي: جادلهم بالحجج القرآنية والبراهين الربانية أعظم الجهاد وأكبرهلِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى? مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ? [الأنفال: 42] .
وليس ذلك من العدوان، وإنما هو من الدعوة إلى الله لصالح المخالف؛ ليرجع إلى الحق 53.
وفي قوله: فلا تطع الكافرين لفتة عظيمة أن الكافرين والمنافقين لا يتركون لك القرآن، بل يثيرون على آياته الشبهات، فأنت مطالب أن تتحرك في أكثر من محور، تذود عن القرآن شبه الكافرين والمنافقين.
فهذا الدين قام على الدعوة والجهاد، كما قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?104? [آل عمران: 104] .
فلا يجوز للمسلمين ترك البشرية تعيش في ضلالها، وعند المسلمين الهدى والنور، قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّ [آل عمران: 110] .
فهذه الأمة مكلّفة بدعوة غيرها من الأمم؛ لإخراجها من الظلمات إلى النور، قال تعالى: الر ? كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى? صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ?1? [إبراهيم: 1] .
وجعل التواصي بالحق والصبر من صفات الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال سبحانه: وَالْعَصْرِ ?1?إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ?2?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ?3? [العصر: 1 - 3] .
والجهاد بالقرآن والحجة والبرهان أفضل أنواع الجهاد؛ لأنه جهاد خواص الأمة، وأتباع الرسل، وورثة الأنبياء، وهو أصعبها؛ لأنه جهاد للمنافقين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض من أبناء جلدتنا، وللمستشرقين والمغرضين من الكفار 54.
فالدعوة والأمر والنهي والتواصي نوع من الجهاد؛ ولذلك ساغ لنا أن نتعرّف على كثير من جوانب وصفات الدعوة والداعية قياسًا على أحكام جهاد القتال، بل لذلك أيضًا وجب على الداعية -إن حجب عن خوض القتال لأسباب مختلفة- أن يفهم آيات الجهاد وأحاديثها على أنها خطاب له هو أيضًا، وهو في أمره ونهيه، ولذلك أيضًا يحق للمجاهد بالقرآن أن يمنّي نفسه بثواب المقاتلين -إن شاء الله-. وهذا ما قرّره الإمام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَ?ئِكَ مِنْكُمْ [الأنفال: 75] .
فقال: «قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة، وهكذا قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: 110] .
يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية، ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل» 55.
إن ميادين المقارعة بالحجة في كثير من الأوقات أشد على النفس من ميادين المقارعة بالقوة، وتطويع العقول أصعب بكثير من تطويع الأبدان.
وإنّ حياة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كلها كانت جهادًا بالقرآن، وموحيات الآيات، وما في طياتها من صور الألم والمعاناة التي لحقت بنفس النبي صلى الله عليه وسلم خلال جهاده بالقرآن يعجز القلم عن بيانها، ويصوّر لنا القرآن ذلك، فيقول سبحانه وتعالى: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى? ? فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام: 35] .
ومن أمثلة الجهاد بالقرآن عند النبي صلى الله عليه وسلم: صعوده صلى الله عليه وسلم جبل الصفا، ومناداته بطون قريش بطنًا بطنًا، ويروي البخاري رحمه الله طرفًا من هذه القصة، فعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: (لمّا نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ?214? [الشعراء: 214] .
صعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم على الصّفا، فجعل ينادي: (يا بني فهرٍ، يا بني عديٍّ) -لبطون قريشٍ- حتّى اجتمعوا فجعل الرّجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا؛ لينظر ما هو، فجاء أبو لهبٍ وقريشٌ، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيّ؟) قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلّا صدقًا، قال: (فإنّي نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ) فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ?1? مَا أَغْنَى? عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ?2? [المسد 1 - 2] .
ومن أمثلة الجهاد بالقرآن عند الصحابة: قصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع النجاشي ملك الحبشة، عندما قرأ عليه صدر سورة مريم، ثمّ قال النّجاشيّ: «إنّ هذا والّذي جاء به موسى ليخرج من مشكاةٍ واحدةٍ» 56.
ومن ميادين الجهاد بالقرآن مناصحة ولاة الأمر بالتي هي أحسن، ولا يخاف في ذلك لومة لائم، فعن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطانٍ جائرٍ، أو أميرٍ جائرٍ) 57.
ومن أشكال الجهاد بالقرآن الكريم:
وتبيين أن القرآن هو المرجع الأوّل للتوحيد والعقيدة والمنهج والتشريع، وأن ما خالف القرآن من عقائد ومناهج وقوانين جاهلية هي باطلة مردودة. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) [النساء: 60] .
إن أوّل سبب من الأسباب التي تعين على التدبر والتخشّع بالقرآن، هو بدء القراءة بالاستعاذة بالله من الشّيطان الرجيم، فإنّها مطردة ومبعدة له، وما أكثر ما يزعج الشيطان إلا قراءة القرآن بتدبر، فوجب العمل على إبعاده، ولا يكون ذلك إلا بطلب الالتجاء والاحتماء بالله؛ كي لا يكون عدو الإنسان اللدود حائلًا بين المسلم وبين تدبره.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالاستعاذة من الشيطان في أي وقت يشعر المسلم بمحاولة إفساد الشيطان عليه، أي: أمر من أمور الخير، فقال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ? إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?200?إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ?201? [الأعراف: 200 - 201] .
أي: إما يصيبنك ويعرض لك وسوسة من الشيطان، فاطلب النجاة من الله 58؛ لأنّ الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان سميع لاستعاذتك به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه 59، إن الذين اتقوا الله فخافوا عقابه إذا أصابهم عارض من وسوسة الشيطان تذكّروا ما أوجب الله عليهم من طاعته، والتوبة إليه، فإذا هم منتهون عن معصية الله على بصيرة 60.
وإن أكثر ما يعمل الشيطان على إفساده، هو التدبر في قراءة القرآن؛ لذلك أمرنا الله سبحانه وتعالى بالاستعاذة عند قراءة القرآن، فقال سبحانه: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ?98? إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?99?إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ?100? [النحل: 98 - 100] .
حيث أمر الله عباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم إذا أرادوا قراءة القرآن أن يلجأوا إلى الله من وساوس الشيطان المرجوم الملعون المطرود من رحمة الله؛ حتى لا تلتبس عليهم القراءة، ولتتدبر معاني القرآن 61، وأنّ وسوسة الشيطان لا أثر لها على المؤمنين الصادقين، فالشيطان مهما تمرد وعتا، فإنه ليس له تسلط واستيلاء واستحواذ بالقهر والغلبة على نفوس الذين آمنوا بالله حق الإيمان، والذين هم على الله وحده يتوكلون. وإنما تسلّط الشيطان وتأثيره على الضالين الفاسقين الذين يتولونه ويطيعونه ويتبعون خطواته 62.
وحكم الاستعاذة: هي مندوبة عند كلّ تلاوة داخل الصّلاة وخارجها؛ للأمر بها في كتاب الله تعالى، والذي صرف الأمر من الوجوب إلى الندب، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن في الأحوال المختلفة، فلم يرد عنه التزام الاستعاذة، كلّما قرأ القرآن قليلًا منه أو كثيرًا، فدلّ ذلك على استحبابها 63.
وأما صيغتها: الّذي عليه اختيار جميع القرّاء من حيث الرّواية، وعليه عامّة الفقهاء، الصيغة المذكورة في الآية السابقة، وهي: (أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم) ، وأمّا الزّيادة على ذلك فقد وردت في خمس صيغ، وهي:
إنّ أيّة عبادة من العبادات لابد أن نستعين بالله عز وجل على أدائها بحيث تكون على أكمل وجه، حيث يقول الله سبحانه وتعالى على لسان المؤمنين: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ?5? [الفاتحة: 5] .
والدعاء والتضرع إلى الله أفضل شيء نستعين بهما على أداء العبادة، وقد حثّنا الله سبحانه على دعائه، والتضرع له، فقال سبحانه وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ? إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ?60? [غافر: 60] .
وأعلم الله سبحانه عباده الذين يدعونه أنه قريب منهم، فقال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ? أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ? فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186] .
وإن من أجلّ العبادات التي يجب أن نلجأ إلى الله ليوفقنا لها، هي التدبر في كتابه، ولقد حثّنا الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب العون من الله سبحانه لأداء عبادة الذكر وتلاوة القرآن.
فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أخذ بيدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: (إنّي لأحبّك يا معاذ) ، فقلت: وأنا أحبّك يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (فلا تدع أن تقول في كلّ صلاةٍ: ربّ أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) 65، ومعلوم أن تلاوة القرآن من أفضل الذكر.
وإن العامل الرئيس لتدبر القرآن، وتذوقه، واستخراج كنوزه، هو استشعار الحاجة إليه والرغبة فيه، وهذا الشعور لابد أن يترجم في هيئة دعاء وتضرع إلى الله، بأن ييسّر لنا فهم كتابه، وحسن تدبره، والعمل بما فيه، وندعوه سبحانه وتعالى بأن يمنع عنا كل ما يثبّط عزائمنا، ويبعدنا عن التدبر، ونلحّ عليه بأن يحبّب إلى قلوبنا تدبر القرآن، وأن ينوّر قلوبنا بنوره 66.
ولا ينبغي أن يدفعنا تأخر الإجابة إلى اليأس، وترك الدعاء، وحسبنا في ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي) 67.
وبحسب الاستعداد من العبد، يكون الإمداد من الله، كما قال تعالى: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا [الأنفال: 70] .
فالبداية تكون من العبد: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء: 35] .
فلنر الله من أنفسنا خيرًا، ولنكثر من الاستغفار والتوبة، ولنداوم قرع الباب، وإن رددنا.
إن من الأسباب المهمة التي تعين العبد على تدبر القرآن الكريم: حضور القلب في أثناء قراءته، وخاصة في الصلاة، ويجب على العبد إذا أراد الانتفاع بالقرآن أن يجمع قلبه عند تلاوته وسماعه، وأن يحضر حضور من يخاطب به، فإنه خطاب من الله للعبد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَذِكْرَى? لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ?37? [ق: 37] .
وذلك أن تمام التّأثير يجب أن يكون موقوفًا على مؤثر، ومحل قابل للتأثر، وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الّذي يمنع منه، وقد تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ، وأبينه، وأدلّه على المراد 68.
وإلقاء السمع: مستعار لشدة الإصغاء للقرآن، ولمواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم، كأن أسماعهم طرحت في ذلك، فلا يشغلها شيء آخر تسمعه. والشهيد: صيغة مبالغة للدلالة على قوة المشاهدة، أي: تحديق العين إليه؛ للحرص على فهم مراده، فإن النظر يعين على الفهم 69.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (اقرأ عليّ) . قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (فإنّي أحبّ أن أسمعه من غيري) . فقرأت عليه سورة النّساء، حتّى بلغت: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ شَهِيدًا ?41? [النساء: 41] .
قال: (أمسك) ، فإذا عيناه تذرفان 70.
ومما يعين على تدبر القرآن: القيام به في الليل، وهو من أهم مفاتح تدبر القرآن، وأعظمها شأنًا، وقد ورد عدد من النصوص تؤكد أهميته، من ذلك قول الله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى? أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ?79? [الإسراء: 79] .
وعن ابن عمر رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا قام صاحب القرآن فقرأه باللّيل والنّهار، ذكره، وإذا لم يقم به نسيه) 71.