فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 2431

وهذه الحقيقة لا ينكرها مشركو العرب، فهم كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو الخالق، فخاطبهم تقريعًا لهم بأن من خلقهم أول مرةٍ سيعيدهم إلى الحياة بعد الموت، وهذا ما يدل عليه حذف مفعول الفعل (تُصَدِّقُونَ) أي: بالبعث والحساب. ثم تأتي الآيات لتعقد حوارًا مع الكافرين لمحاججتهم عن طريق الاستفهام؛ لبيان عظمة الله تعالى وقدرته في هذا الكون وصولًا إلى تقريعهم وإثبات البعث وذلك في قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ?58? أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ?59? نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ?60? عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ?61? وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ?62? أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ?63? أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ?64? لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ?65? إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ?66? بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ?67? أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ?68? أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ?69? لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ?70? أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ?71? أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ?72? نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ ?73? فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [الواقعة: 58 - 74] .

ويلاحظ على الآيات أنها أدرجت ضمن منظومةٍ قرآنيةٍ تميزت بوحدة الموضوع والسياق والأسلوب، حتى إنها تمخضت عن قاعدةٍ أسلوبيةٍ في أدب الحوار والاستدلال، الاستدلال على قدرة الله تعالى على الخلق، والتصديق بحقيقة البعث، ولقد أتى الاستدلال بالنعم وفق تسلسلٍ منطقي؛ إذ ابتدأ بذكر المتنعم بالنعم نفسه وهو الإنسان، فقدم بذكر خلقه، وأعطاه الأهمية والأولوية، ثم ذكر النعم المسخرة له 69.

ومن الأدلة على إمكانية البعث وطرق الاستدلال الواقعية الحسية عليه: (ظاهرة النوم واليقظة) باعتبارهما نموذجًا متكررًا للموت والحياة للإنسان؛ لأن النوم هو في الحقيقة موت أصغر؛ إذ إن كلًّا منهما عبارة عن انسحاب من الحياة وتوقف الأعضاء عن أداء مهامها، على درجات متفاوتة بينهما، واليقظة شبيهة بالبعث؛ إذ إن كلًا منهما يعني عودة الأعضاء إلى أداء وظائفها مع اختلاف بينهما في الدرجة.

وجاء هذا الاستدلال في مواضع من القرآن الكريم منها قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ? فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى? عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى? إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?42?) [الزمر: 42] .

وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى? أَجَلٌ مُسَمًّى ? ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ?60?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ? وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى? إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * [الأنعام: 60 - 62] .

آيات وإن كانت خبرًا من الله تعالى عن قدرته وعلمه، فإن فيها احتجاجًا على المشركين به الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم، وبعثهم بعد فنائهم 70.

فدلت بذلك على إمكان البعث والحشر؛ لأن النشأة الثانية منزلتها بعد الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على الأخرى، ولذلك ناسب تذييل الآية بقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الزمر: 42] .

أي: في معرفة حقيقة ما بين الموت والحياة واليقظة والنوم من المناسبة، فإذا جهلنا حقيقة النوم وكيفية حصوله رغم بساطته ورغم تعاقبه والتصاقه بحالنا، فمن باب أولى ألا ندرك سر الإحياء وحقيقته، فكم في الكون أشياء لا يدرك العبد -على بساطتها- حقائقها لما أودع الله فيها من الأسرار والكوامن ما يقف الإنسان عندها مستسلمًا مستضعفًا نفسه مستصغرًا تفكيره مؤمنًا موقنًا، مع ما في ذلك من منافاة الإيمان بالغيب 71.

ومثل هذا الاستدلال جاءت آيات كريمات أخرى. والنبي صلى الله عليه وسلم حول بمنهجه الإصلاحي هذه الحقيقة إلى أمر واقعي يستشعره المرء المسلم كل يوم صباحًا ومساءً،- فيتذكر الموت والبعث ولا يغفل عنهما البتة، بقوله صلى الله عليه وسلم آمرًا صحابته رضي الله عنهم فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) 72.

وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه قال: (اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت) وإذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور) 73.

أولًا: أحداث كونية:

فصل القرآن الكريم في مشاهد اضطراب النظام الكوني وتداعيه في اليوم الآخر، فعرض المشاهد الأولى له وشخصها بكل دقةٍ للسامع تشخيصًا بينًا دقيقًا، وصور حال الأرض والسموات حينها، وكيف تتبدل صورتهما وتتغير عما هي عليه في الحياة الدنيا.

قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ? وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم: 48] .

وذكر ما يحل بالكون من خرابٍ ودمارٍ وتغيرٍ لمعالمه، وسنحاول جهد الإمكان عرض هذه المشاهد بحسب وقوعها وترتيبها الزمني، وإن كانت بعض هذه المشاهد متداخلةً فيما بينها، ومن أولى المشاهد التي تحصل ما جاء في قوله تعالى: (ڑ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ?1? لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ?2? خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ?3? إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ?4? وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ?5? فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا ?6? وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) [الواقعة: 1 - 7] .

فهذه آياتٌ تصور حال الكون، وما يجري فيه من تغيرٍ واضطرابٍ عند قيام الساعة، صورةٌ كلها تهويلٌ وتفخيمٌ لهذا اليوم، والتهويل يتجلى من المطلع، إذ يبدأ بـ (إِذَا) الشرطية؛ لشد ذهن السامع إلى ما بعدها مع حذف جوابها، وفي هذا الحذف تحقيقٌ لدلالة التهويل والتفخيم؛ إذ يترك لخياله ونفسه أن يذهبا في تخيله وتصوره كل مذهبٍ، وكأن هذا الجواب لا تحيط بوصفه الألفاظ والعبارات. ويبين سبحانه ما يحل على الأرض من دمارٍ عند وقوعها، فيقول مكررًا: إِذَا) لزيادة التهويل والتفخيم في: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ?4? وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ?5? فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا، فالأرض سترج حتى تتهدم الجبال الرواسي وتكون أثرًا بعد عينٍ، أي: أصبحت الجبال بعد هذا البس كالغبار المنثور المتطاير، تشبيهٌ زاد من تهويل هذا اليوم وفظاعته، وللدلالة على تحقق هذا الأمر بالرج والبس أكدت الأفعال بمصادرها في قوله تعالى:(إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا) ، و (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا 74.

وهذا التحريك والتسيير للجبال جاء مرافقًا لمشهد اضطراب السماء وتموجها في موضعٍ آخر في قوله تعالى: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ?9?وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ?10?) [الطور: 9 - 10] .

مشهدٌ يصور السماء وهي تتموج وتضطرب، والجبال تتحرك من مكانها وتسير؛ لتئول إلى هباءٍ منبثٍ. وفي موضعٍ آخر نجد تشبيه الجبال الرواسي بعد هذا الرج والبس بالصوف المنفوش في قوله تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) [القارعة: 5] .

فالجبال تصبح كالصوف المتناثر هنا وهناك، صورةٌ تشبيهيةٌ تبين هشاشة الجبال وتفتتها يوم القيامة حتى تغدو كالصوف المتناثر المتطاير. ومشهد نسف الجبال وبيان حالها تكرر في القرآن الكريم في أكثر من موضع.

وفي موضعٍ آخر نقرأ آياتٍ كريماتٍ تصف ضعف وهوان الدنيا التي ما إن ينفخ في الصور حتى تذهب زينتها وتنتهي، وتهدم معالمها وذلك في قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ?13?وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ?14?فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ?15?وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ?16?) [الحاقة: 13 - 16] .

آياتٌ كريماتٌ تنقل مشاهد اليوم الآخر وتركز على تصوير أحداثه لا ذكر محدثه، حتى ليخيل للمرء أن هذه الأشياء منقادة انقيادًا إلى سرعة الاستجابة للفعل، فتنخلع الأفئدة وترتعد الفرائص من هول ما يحدث آنذاك ترهيبًا وتخويفًا 75.

وتتنوع مشاهد الاضطراب الكوني في تصوير حال السماء والأرض، ويلاحظ أن أكثرها بدأ بـ (إِذَا) الشرطية مع حذف جوابها للاهتمام بما بعدها، وشد ذهن السامع إليها، مع تقديم المسند إليه بعدها، هذا التقديم الذي يحدث تهويلًا قد لا نجده في تأخيره، ويهز المتلقي ويلفته إلى أمرٍ غريبٍ لم يحصل مثله في الدنيا، فالسماء لم يسبق لها أن انفطرت أو انشقت، ولا الكواكب اندثرت أو انكدرت، ولا البحار سجرت أو فجرت، وغيرها من الأحداث الغريبة غير المألوفة 76.

ومن ذلك قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ?1?وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ?2?وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ?3?وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ?4?وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ?5?) [الانشقاق: 1 - 5] .

وبالأسلوب نفسه نجد أن مشهد الخراب يأتي على الكواكب والبحار في قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ(1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) [الانفطار: 1 - 3] .

ويتوسع القرآن في بيان مشاهد التغير والخراب في الكون في قوله تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ?1? وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ?2? وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ?3? وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ?4? وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ?5? وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ?6? وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ?7? وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ?8? بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ?9? وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ?10? وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ?11? وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ?12? وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ?13? عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) [التكوير: 1 - 14] .

فهذه آياتٌ تصور ما يحل بالكون من اضطرابٍ وتحولٍ يمس كل أركانه، ذلك التغير العنيف المتمثل في طمس الأنوار، واندثار النجوم، وتسيير الجبال، وتفجير البحار وغيرها من صور الخراب الذي شمل كل شيءٍ في الأرض والسماء.

وتتغير الألفاظ ويبقى الأسلوب نفسه في عرض مشاهد الاضطراب في هذا النظام في قوله تعالى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ?1? فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ?2? وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ?3? فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ?4? فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ?5? عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ?6? إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ?7? فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ?8? وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ?9? وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ?10? وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ?11? لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ?12? لِيَوْمِ الْفَصْلِ ?13? وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ?14? وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) [المرسلات: 1 - 15] .

فالآيات تصور مشهد الاضطراب في النظام الكوني، المتمثل في تلك الحركة العنيفة التي تجتاح كل شيءٍ، وتثير كل شيءٍ، فتطمس النجوم، وتنشق السماء، وتنسف الجبال، فتتلاشى الثوابت، ويحل الروع محل الأمن في الأرض، والصخب محل السكون.

من مشاهد الأحداث الكونية النفخ بالصور فيكون البعث والنشور بعدها. والصور قرن كالبوق، يأمر الله تعالى إسرافيل عليه السلام أن ينفخ فيه النفخة الأولى وهي نفخة الصعق، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يأمره أن ينفخ النفخة الثانية وهي نفخة البعث، فإذا الخلائق قيام ينظرون، ويمثل البعث والنشور أول مراحل اليوم الآخر.

وقد تنوعت مشاهد البعث في التعبير القرآني فبينت مشهد النفخ في الصور ومشهد بعث الناس من قبورهم استعدادًا لحسابهم، مع وصف حال الناس وهم يستقبلون النداء والتركيز على حال الكافرين حينئذٍ، والنفخ في الصور هو أول مراحل اليوم الآخر، والصور هو الناقور كما سماه الله تعالى في قوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) [المدثر: 8] .

ومما جاء في بيانه قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) [الزمر: 68] .

وقوله تعالى: (. وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ? وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ?) [النمل: 87] .

وهذه هي النفخة الأولى التي تقضي على الخلائق كلها إلا ما شاء الله تعالى فبعد أن يأمر الله تعالى الملك إسرافيل عليه السلام بالنفخ الأول في الصور فينفخ فيه، فعندها يهلك جميع الناس والجن والحيوانات على وجه الأرض، وبذلك تجمع الأرض وتضم في طياتها وفي بطنها وعلى ظهرها جميع أحيائها أمواتًا لا حي فيهم.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذه النفخة المهولة بأكثر من تعبير ووصف منها النفخة في قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ?13?) [الحاقة: 13] .

ومنها الصيحة في قوله تعالى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) [يس: 49] .

ومنها الراجفة في قوله تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ?6?تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ?7?) [النازعات: 6 - 7] .

والزجرة في قوله: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ?13?) [النازعات: 13] .

ثم تأتي بعدها النفخة الثانية بعدما يشاء الله بذلك بعد الأربعين، ويصف فيه الحق تعالى بعث الناس ونشورهم عند سماع النفخ في الصور في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى? رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ?51?قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ? ? هَ?ذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَ?نُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ?52?إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ?53?) [يس: 51 - 53] .

وقوله تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ?13?فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ?14?) [النازعات: 13 - 14] .

وغيرها. فما هي إلا نفخة واحدة والكل واقف: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا [إبراهيم: 21] .

فبعد النفخ الثاني في الصور تعود الأرواح إلى أجسادها، ويحيا الناس، ويخرجون من قبورهم ويقومون لله رب العالمين للحشر والحساب. هذه النفخة الشديدة على الكافرين -كما سيأتي بيانه- والذي عبر عنه القرآن بـ: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ?8?فَذَ?لِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ?9?عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ?10?) [المدثر: 8 - 10] .

«والنقر في الناقور هو ما يعبر عنه في مواضع أخرى بالنفخ في الصور، ولكن التعبير هنا أشد إيحاءً بشدة الصوت ورنينه؛ كأنه نقرٌ يصوت ويدوي، والصوت الذي ينقر الآذان أشد وقعًا من الصوت الذي تسمعه الآذان، ومن ثم يصف اليوم بأنه عسير على الكافرين» 77.

بعد أن بينا فيما سبق المراحل التي تسبق الإنبات من القبور، والتي تتمثل في تداعي الكون والنفخ في الصور، تطالعنا آيات كريمات تبين الكيفية التي يخرج بها الناس من قبورهم لأرض المحشر؛ لاستقبال حسابهم بعد النفخة الثانية، وقد ذكر ذلك في عدد من الآيات المباركات متخذًا من التشبيه والاستعارة أدوات في التعبير عن ذلك، راسمًا لنا صورة مادية تتجسد فيها عناصر الدهشة والإسراع والذهول من هول ما يرون. والناظر في أغلب المواضع التي ذكرت فيها هذه الكيفية يجد أن التعبير القرآني يركز في أكثرها على الكافرين ومنكري البعث.

قال تعالى واصفًا هذا الخروج: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى? رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ?51?قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ? ? هَ?ذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَ?نُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ?52?) [يس: 51 - 52] .

فبعد النفخة الثانية يخرج الناس وينبتون من قبورهم كما ينبت البقل كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بين النفختين أربعون) قال: أربعون يومًا؟ قال: (أبيت) ، قال: أربعون شهرًا؟ قال: (أبيت) ، قال: أربعون سنةً؟ قال: (أبيت) ، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيءٌ إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة) 78.

وينقسم الناس إلى صنفين: صنف يقول: (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ?) وصنف يقول: (هَ?ذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَ?نُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) ويخرجون حفاةً عراةً غرلًا خائفين (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ?) [القلم: 43] .

وهذا ينبئ أنهم يخرجون من القبور في كرب شديد وهول عظيم مفزع.

وقد تناولت آياتٌ عديدةٌ من القرآن الكريم أحوال الناس وطريقة بعثهم، وصورهم، حركاتهم وقسماتهم بكل دقةٍ تتناسب مع هول ذلك اليوم وشدته، تلك الحركات الدالة على الهول والفزع والاندهاش مما رأوه من اضطراباتٍ كونيةٍ، وأهوالٍ حلت بالأرض وبهم بعد البعث، راسمةً صورهم بدقةٍ مما يجعل المتلقي وكأنه يعيشها، مركزةً على مشاهد الكافرين من انكسار أبصارهم وخشوعها ذلًا وهوانًا، وحركاتهم التي تثير الفزع والتخوف، ومقابلتهم بأحوال المؤمنين آنذاك في بعض المواضع.

ومن آيات القرآن في بيان الخروج من القبور قوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ? يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى? شَيْءٍ نُكُرٍ ?6?خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ?7?مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ? يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَ?ذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ?8?) [القمر: 6 - 8] .

فالآيات تصور مشهد بعث الكافرين المنكرين للآخرة من قبورهم وعليهم ثياب الذل والهوان، مسرعين إلى الداعي رغم أنوفهم. مشهدٌ مختصرٌ سريعٌ، لكنه شاخصٌ متحركٌ، مكتمل السمات والحركات، وهو متناسقٌ مع أول السورة: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ?1? [القمر: 1] .

ومع الجو والإيقاع العام للسورة، مشهدٌ يصور هذه الجموع الخارجة من قبورها في لحظةٍ واحدةٍ كأنها جرادٌ منتشرٌ 79.

ومع أن المؤمنين والكافرين يتساوون في هذا الخروج من الأجداث، من تملك الهول منهم حينها حتى يؤمن الله تعالى من يشاء من المؤمنين في أرض المحشر، وهذا ما يدل عليه حذف مفعول الفعل (يدع) ؛ لإفادة العموم. وخص الكافرون بهذا الخطاب؛ تهديدًا لهم وتوبيخًا. والداعي هو إسرافيل عليه السلام يدعو الناس ويناديهم للقيام إلى الحساب بعد النفخة الثانية، هذا المشهد المهول المفزع الذي يدل عليه التنكير في قوله تعالى: (شيء نكر) ، أي: شيء عظيم مهول 80.

وقد تعاضدت الفنون البيانية من تشبيهٍ ومجازٍ وكنايةٍ في رسم صورة هؤلاء المجرمين وهم يقومون للحساب منخذلين مذعورين في ذلك اليوم العصيب؛ إذ يبعثون من قبورهم منكسي رءوسهم، أبصارهم إلى الأرض لا يرفعونها ذلًا وهوانًا، فالخشوع في الآية «كنايةٌ عن الذلة والانخزال؛ لأن ذلة الذليل، وعزة العزيز تظهران في عيونهما» 81.

وهذا تصويرٌ لهم في غاية الذل والانكسار، صورةٌ تبين حالهم المهين في الآخرة بعد أن كانوا يرفعون رءوسهم تكبرًا على المؤمنين في الحياة الدنيا، وللاهتمام بإظهار هذه الصورة والتركيز عليها قدم الحال (خُشَّعًا) على عامله (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ) تقديمٌ صور غاية ذل الأبصار وخشوعها، ولو تأخر الحال، لفات هذا التصوير الفني لهيئة الأبصار 82.

وفي «الجراد مثلٌ في الكثرة والتموج، يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض: جاءوا كالجراد منتشر في كل مكانٍ؛ لكثرته» 83، تشبيهٌ يصور حالهم على كثرتهم وتماوجهم وهم حيارى فزعين منتشرين هنا وهناك يستتر بعضهم ببعضٍ من شدة الخوف.

وهذا التشبيه يتناسب مع آخر السورة نفسها في قولهم في الدنيا: (نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ) ، وما أشبه الجيش الذليل المنهزم بالجراد المنتشر هنا وهناك بعضه فوق بعضٍ.

وأوثر التعبير بالانتشار مع جعله اسم فاعل في قوله تعالى: (مُّنتَشِرٌ ؛ لإبراز صورة الجراد وشدة اندفاعه عند بداية انتشاره، وتلك صورة المجرمين عند خروجهم(مِنَ الْأَجْدَاثِ) . ومما عمق معنى الذل والهوان المضروب عليهم كونهم (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ?) فهم يمشون وجلين بسرعةٍ مشية الخائف المذعور إلى داعيهم، وهم يقولون: (هَ?ذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) .

وبهذا تواشجت فنون البيان في تقريب صورة بعث الكافرين من قبورهم إلى الأذهان بتشبيههم بالجراد المنتشر وهم أذلاء منكسرين عليهم ثياب الفزع والخوف. وفي «إسناد القول (هَ?ذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) إلى الكفار تلويحٌ بأنه على المؤمنين ليس كذلك» 84.

فهم ليسوا في تلك المرتبة من الفزع والشدة، بل هو يسيرٌ عليهم بأمر الله تعالى. ومما يدل على عسر ذلك اليوم على الكافرين خاصةً دون المؤمنين الموحدين قوله تعالى: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ(8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المدثر: 8 - 10] .

وإذا انتقلنا إلى موضع آخر نجد أن التعبير القرآني يصور الكافرين عند بعثهم من قبورهم للحساب بسخريةٍ وتهكمٍ في قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى? يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ?42?يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى? نُصُبٍ يُوفِضُونَ ?43?خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ? ذَ?لِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ?44?) [المعارج: 42 - 44] .

فهذه آياتٌ ترسم صورةً تهكميةً لهؤلاء الكافرين عند بعثهم للحساب، صورةٌ تتناسق مع ما كانوا عليه في الدنيا حين يسرعون إلى الأنصاب يعبدونها، فجاء التعبير بتصوير حالهم في الآخرة كذلك؛ ليكون التعبير أشد إيغالًا في السخرية والتهكم 85.

ومثل هذه الآيات أيضًا تطالعنا آياتٌ كريماتٌ في وصف البعث في معرض تسلية النبي صلى الله عليه وسلم من تكذيب الكافرين بدعوته صلى الله عليه وسلم؛ لتقرر حقيقة البعث، وتصور حال خروج منكريه حينها، في قوله تعالى: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ?41?يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ?42?إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ?43?يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ? ذَ?لِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ?44?) [ق: 41 - 44] .

آيات تصف حال الناس يوم ينفخ في الصور وينادى فيخرج الناس من قبورهم، ولتهويل هذا اليوم وحال الناس فيه وتفظيعه حذف مفعول (وَاسْتَمِعْ) إيجازًا، والتقدير: واستمع لأحوال الآخرة التي أخبرك بها 86.

وقوله: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ) ، والمراد بالحق: الوعد الصادق وهو الحشر، وسمي حقًا؛ إبطالًا لمزاعم المشركين بأنه افتراءٌ واختلاقٌ، إذ كانوا يسمونه سحرًا، ويعدونه خيالًا، فيعلمون آنذاك أن الواقع قد يطابقه، فكان حقًا فإنه قد طابقه الواقع، فكان الإخبار به صدقًا.

إذا كانت المواضع السابقة جاءت ردًا على المشركين في إثبات البعث وكيفية قيامهم من القبور إلى الداعي، فإن هناك ثمة آياتٍ تصور الناس جميعًا عند بعثهم، وهي وإن كانت جوابًا عن سؤال الكافرين عن البعث، إلا أن الجواب كان عامًا في بيان بعث الناس كلهم.

وذلك في قوله تعالى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ?17?يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ?18?) [النبأ: 17 - 18] .

وأتت هذه الآيات تفصيلًا للإجمال الوارد في أول السورة (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ?1?عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ?2?الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ?3?) [النبأ: 1 - 3] .

فجاء التكرار (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ?4?ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ?5?) [النبأ: 4 - 5] .

لردعهم وتهديدهم وبيان أنهم سيرونه حقيقة وسيعلمون حينها أنه حقٌ، وأوثر التعبير في الآية بـ (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) دون قوله: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ(40 ) ) ؛ للدلالة على أنه «كان في تقدير الله تعالى وحكمه حدًا توقت به الدنيا وتنتهي عنده، أو حدًا للخلائق ينتهون إليه» 87.

فهو واقعٌ لامحالة ولكن شاءت حكمته تأخيره إلى وقتٍ معلوم.

ومن الآيات التي تصور حالهم وضعفهم وهوانهم بتشبيههم في أرض المحشر بالفراش المبثوث وذلك في قوله تعالى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) [القارعة: 1 - 4] .

فالناس حينئذ يكونون كالفراش المتفرق، المنتشر هنا وهناك، يموج بعضهم في بعضٍ من شدة الاضطراب والفزع، فشبه الناس بالفراش المتطاير في كثرتهم، وانتشارهم، وذلتهم، وضعفهم، واضطرابهم 88.

وفي مواضع أخرى تأتي لمحاتٌ سريعةٌ لأحوال الناس في ذلك اليوم العصيب. وفي المعنى نفسه نجد آيات كريمات أخرى تصور حالهم.

ثانيًا: أحداث في الحشر:

من أحداث اليوم الآخر الحشر وأحوال الخلق فيه حينها، وقد تناولت آياتٌ عديدةٌ من القرآن الكريم طريقة الحشر، وصورهم في أرض المحشر، بكل دقةٍ وبيان، تلك الطرق الدالة على مكانة كل صنف منهم حينئذٍ، ومن ذلك حشر المتقين والمجرمين في قوله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَ?نِ وَفْدًا ?85?وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى? جَهَنَّمَ وِرْدًا ?86?) [مريم: 85 - 86] .

فالآيتان تصوران مشهد حشر المؤمنين والكافرين وحالهم، فالمؤمنون المتقون يحشرون (وَفْدًا) مكرمين إلى جنة ربهم بعزة وكرامة، أما الكافرون المجرمون فيساقون سوقًا شديدًا إلى جهنم، عطاشًا محرومين من الماء، كالبهائم العطاش 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت