فهرس الكتاب

الصفحة 1850 من 2431

إن من أهداف التفكر السامية بعد وجوب الإيمان بالله خالقًا وربًا لهذا الكون هو ضرورة تعزيز القوة الإيمانية في القلب، وتحصينها من كل ما يمكن أن يؤثر فيها، بفضل التفكر فيما تحويه آيات الكون والوحي في طياتها، ترشد الضال إلى الإيمان بالله، وتزيد من قوة هذا الإيمان في القلب، فكما نعلم أن الإيمان أسس وأركان، دعامته الدليل والبرهان، فتفكر المؤمن في آلاء الله يوثق رابطته بالله تعالى، ويزيد من عزيمته وهمته لنشر هذا النور والطمأنينة وتعميمه على كل البشر.

وأثناء هذه العملية يدرك المؤمن وظيفته الدنيوية في إقامة شرع الله على هذه الأرض، عن طريق التفاعل الإيجابي مع مخلوقات الله، فيعمد إلى استغلالها، واستخراج منافعها، ومعرفة الحكمة منها ومن خلقها، ودلالتها على صانعها وخالقها، ومدى تحقق صفات الجمال فيها مما يعكس حكمة التقدير ودقة الإبداع، ويبرز كمال الصفات الإلهية، فالتفكر في خلق الله «هو العمود الفقري للإيمان الذي ينبثق عنه كل عمل خير» 117.

وتتجلى لنا الصياغة القرآنية للروح الإنسانية عبر مداخل التفكر في تكوين الصفات والأخلاق والرقائق التي تحيا بها الأرواح، واستثارتها إذا أسدل عليها غطاء الغفلة، فالإحساس الذي يشعر به المتفكر وهو يجول في ملكوت الله سبحانه وتعالى، مستحضرًا المعية الربانية، والتسبيح الكوني لمخلوقات الله، يجعله يعيش حالة من الصفاء الذهني والإشراق القلبي، تفيض عليه من المعارف والمواهب الربانية ما كتبه الله له، وتكون محصلة هذه الرحلة اكتسابًا لمفاهيم جديدة، ومعارف غير مسبوقة، تهيمن على روحه، وتصبغها بصبغة الإيمان، وتثمر أعمالًا صالحة، تملأ الأرض عدلًا وصلاحًا.

وأول ما يناله المؤمن من التفكر هو ذلك الجلال الذي يملك على القلب ويهيمن على الروح، فيلهج اللسان بالشكر والذكر لما يشاهده ويحسه من آثار قدرة الله في الكون وفي حياته؛ ليمتلئ القلب حياءً من الله سبحانه وتعالى.

فكلما تمعن المتفكر في نعم الله عليه وأحس بفضل الله عليه، وتقصيره بجانب ما منحه الله، وتعاظمت ذنوبه أمامه، أحس بمدى غفلته، هو إحساس يعرفه الجنيد رحمه الله بقوله: «الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء» 118.

ويقول السعدي رحمه الله: «ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء لا محالة» 119.

كما أن من الصفات التي تنتج عن التفكر الخشية والخوف من الله تعالى، فإدراك الإنسان لعظمة الملك، وبديع الصنع وجلال القدرة تجعل القلب يهتز خوفًا وخشية لله تعالى، فهي ثمرة الإيمان وعلامة على لين القلب ونقاء السريرة، وغالبًا ما تكون هذه المعرفة متعلقة بجلال الله تعالى.

لهذا يقول تعالى في وصف المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57 - 61] .

وفي هذه الآيات يربط الله تعالى بين الخشية وبين الإيمان بالآيات سواء الكونية أو القرآنية التي تجعل المؤمنين موحدين، يبيعون الدنيا في مقابل الآخرة والفوز في يوم المعاد، فتنقلب حياتهم سباقًا في ميدان الأعمال الصالحة، وهي الهبة التي منحها الله لقارئ القرآن وسامعه.

قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] .

يقول الألوسي: «وفي هذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه من المواعظ والزواجر، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن، وتدبر ما فيه من القوارع، وهو الذي لو أنزل على جبل وقد ركب فيه العقل لخشع وتصدع» 120.

والخشية لا تنبع إلا إذا أدرك الإنسان مكانة هذا القرآن وعظمة الخالق، حينها يمتلئ القلب بالتقوى، فتراه يحرص على العمل بطاعة الله، ما يجعله مستقيم الفكر، حسن السلوك.

وكل هذا يشع في النفس يقينًا بالله، واطمئنانًا بسلامة الطريق، وإحساسًا عاليًا بالمعية الإلهية، ما يبعث في المؤمن زهدًا لملذات الدنيا، ويستنبت في قلبه بذور الذل والتواضع والرحمة والانكسار بين يدي مولاه، ويحس حقارة نفسه بجانب خضوع مخلوقات الله له، فيعظم حب الله تعالى في القلب، وينطلق اللسان بالشكر والثناء، فتكثر الطاعات؛ تقربًا إليه، حتى لا يكون شيء أحب إليه في الوجود منه تعالى.

«فالأثر النوراني لهذا التفكر يعرقل عمل الشهوات في القلب، ويدفع أهواءها على حسب قوة الوارد من أنوار التفكر؛ فتسلب الشهوة من عاجل لذتها، فما يتبقى منها سوء عاقبتها» 121.

لذا قال بشر الحافي: «لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه» 122.

هذا التغير السلوكي والأخلاقي للنفس البشرية بتأثير التفكر يؤكده علماء النفس في العصر الحديث، فالتفكير التأملي لدى الأفراد «يساهم في تنمية: الإحساس بالمسؤولية، العقل المتفتح، والإخلاص، والفرد المتأمل أكثر قدرة على توجيه حياته، وأقل انسياقًا للآخرين، واستخدام التفكير التأملي لا يعني أن يكون لدينا فكر واضح، ولكن أيضًا امتلاك السلوك الذكي» 123.

وهذا ما جعل الدكتور البدري يعتبر التفكر «العمود الفقري لتصور المسلم عن نفسه، واستعداده بعد ذلك لتغيير سلوكه وعاداته، فبدون التغيير لا يمكن تعديل السلوك والعادات» 124.

وهذا يؤكد أن هناك رابطًا عجيبًا بين أفكار الإنسان وأخلاقه، وهو ما سبقه إليه الإمام ابن القيم حين بين أثر التفكر؛ «فالتفكر يوقع صاحبه من الإيمان على مالا يوقعه عليه العمل المجرد، فإن التفكر يوجب له من انكشاف حقائق الأمور وظهورها له، وتميز مراتبها في الخير والشر، ومعرفة مفضولها من فاضلها ... ، فإذا ورد عليه وارد الذنب والشهوة، فتجاوز فكره لذته، وفرح النفس به إلى سوء عاقبته، وما يترتب عليه من الألم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذة والفرحة، ومن فكر في ذلك فإنه لا يكاد يقدم عليه» 125.

ويزيدنا بيانًا الإمام الغزالي حين يوضح لنا بالمثال كيفية تغير أحوال القلوب والنفوس بمفاهيم الفكر: «فإن الفكر يعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار، فإذا رسخت هذه المعرفة يقينًا في قلوبنا تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا، وهذا ما عنيناه بالحال؛ إذ كان حال القلب قبل هذه المعرفة حب العاجلة والميل إليها، والنفرة عن الآخرة، وقلة الرغبة فيها» 126.

هذه الصفات النبيلة وغيرها تثمر في القلب حكمة تزين المتفكر، فلا تجده ذو فكر سقيم، أو رأي عديم، بل له من نفاذة البصر، وسداد الرأي ما يوجه به حياته إلى بر الأمان، كونه يتعمق في أسرار الأمور، ويدرك بدايتها وغايتها، ويميز بين النافع والضار، كما أن التفكر يعتبر سبيلًا للعمل، فلا معنى لإنسان يقضي ساعات يومه ينظر في ملكوت السموات والأرض، ويقلب بصره بين عوالم الخلق، دون أن يجعله هذا الأمر يشمر على ساعد الجد والاجتهاد للتقرب إلى الله بالطاعات، وبالقيام بمسئوليته تجاه هذا الكون قيادة وتسييرًا على منهج الرسل الكرام بما يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة.

فالتفكر عمومًا فيه تهذيب للأخلاق، وتليين لقسوة القلب، وترويح عن النفس، وزاد للعقل، وحفظ للجوارح عن الحرام، وفي الخلوة يستشعر الإنسان مراقبة الله، ويتذكر ذنوبه فيها، فتحلو المناجاة، وتعظم محاسبة النفس ومعاتبتها، فتنفلت من ربقة الحياة الدنيا، وبهذا يتمكن المتفكر من تقوية إيمانه، وتحصين نفسه، وسمو أخلاقه، فتشرق أنوار المعرفة الإلهية في قلبه ويسير في مدارج السالكين إلى الله تعالى، ويصبح قادرًا على الانسجام في توليفة التسبيح الكونية التي تتجلى في أسمى معانيها في اليقين القلبي برسالته، وإلمامه بزمام العلم والمعرفة، وحسن تسخيره وتسييره لهذا الكون.

ثالثًا: التعرف على سنن الله في الآفاق والأنفس:

من الأهداف الأساسية التي وضعها القرآن الكريم لموضوع التفكر هو معرفة السنن الإلهية الكونية والإنسانية التي تقوم عليها المنظومة الكونية بشقيها الخاص بمجال الآفاق، أو ما يخص النفس البشرية «ذلك أن حوادث الكون خاضعة لسنن وقوانين سنها الله تعالى وفق أقدار قدرها ... ؛ ليبحث الإنسان عن سنن الله في الأمم السابقة، مما يجعل تفكيره سليمًا مبنيًا على قانون ثابت» 127.

وقد جاء في القرآن آيات كثيرة تبحث في السنن، وتدعو الإنسان للوقوف عندها، والتأمل فيها ودراستها لاستبيانها أكثر، وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان، ووحدتها من حيث المنشأ والمصير، واكتشاف العلائق الحاكمة لها منذ خلق البشرية؛ «كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته، وقيمه وتصوراته، ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعًا، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعًا، ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعًا» 128.

قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] .

ومعرفة هذه السنن يجعل الإنسان يفهم سر هذه الحياة، ويمسك بزمام الأمور فيها، ويفقه قوانينها، ويساعده على فهم ظواهرها، وتسخيرها لتلبية حاجاته، وتيسير حياته، كما يعرفه على نتاج أعماله إن خالف هذه السنن، وعمل على الاستبداد والظلم وإثارة الفساد، فستسري عليه سنة الله بالهلاك والعقاب في الدنيا والآخرة، وإن أحسن وعمل على الإصلاح والتعمير، كانت سنة النصر والتوفيق للتقدم مصيره، وكتب له النجاح في امتحاني الدنيا والآخرة.

وقد بين الله سبيل التعرف على هذه السنن بالاعتماد على التفكر العميق في عواقب الأمور، والتدبر في الآثار وما بقي من دلائل وآثار الأقوام السابقة، وهذا لا يتأتى إلا بالسير المعتمد على النظر العقلي.

قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] .

والاستقراء العلمي والتاريخي لأسبابها وحقائقها، وربطها بالعقيدة؛ لتقريبه من خالقه، وبيان أهميتها في دنياه وأخراه؛ لأن النظر في الكون دليل لمعرفة سنن الله في الكون، والتي هي في حد ذاتها دليل على معرفة الله الواحد، وفي هذا إقرار بوجود مثل هذه السنن، وحث على معرفتها والاعتبار بها وتوظيفها في البناء الحضاري.

والمؤمن مطالب بالتنقيب عن هذه السنن واكتشافها؛ ليتبين له النظام الدقيق الذي يحكم هذا الكون، ويستخلص الحكم والعبر من الوقائع والأحداث؛ لأن سنن الله مترابطة ومتماسكة برباط محكم تبرز فيه الحكمة والإبداع، كما أنها تتميز بالنظام والثبات، فهي المقوم لانحراف الإنسان في سيره إلى الدار الآخرة، وسنن الله في خلقه كثيرة، ربط الله منها عدة سنن بموضوع التفكر، وجعله أساسًا للوصول إلى معرفتها، وبيان حقيقتها، من هذه السنن ما يأتي:

يعرض الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة من القرآن الظواهر الكونية، وكيفية عملها.

قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] .

ففي هذه الآية يشبه الله الحياة الدنيا بالنبات؛ وذلك في دورة حياته وسنة الله في حياته، وفي سورة الرعد ذكر الله سبحانه وتعالى دلائل إنعامه على الإنسان فقد خلق له الأرض ممدودة مبسوطة؛ ليسهل عليه السير فيها والزراعة فيها، فالمد والبسط سنة الله في الأرض، وإن كان هذا لا ينفي كرويتها في الشكل العام، هذه الكروية في حد ذاتها هي سبب في دورانها حول نفسها ما يحدث تعاقب الليل والنهار، وسبب في دورانها حول الشمس ما يحدث اختلاف الفصول، وفي كل هذا منافع للناس، ثم ثبتها بالجبال الرواسي، وجعلها كالأوتاد لها، وشق خلالها الأنهار، ومن الأرض والأنهار يكون النبات والثمار.

وهي سنة جارية في الكون ذكرت وتكررت في القرآن كثيرًا؛ للتنبيه عليها، ومعرفة التعامل معها والاستفادة منها في طلب الرزق، وجعل سبحانه وتعالى النباتات ثابتة في الأرض؛ لأن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عنها فهي غذاء أساسي، ولو جعلها متحركة كالحيوان لشق عليه الحصول إليها، لكن جعل غذاءه جزءان أحدهما نبات ثابت سهل المنال، وجزء متحرك يتمثل في الحيوان، وسخر له الوسائل المساعدة للتمكن منه.

وفي آية النحل بين الله هدايته لعالم الحيوان وسنته فيه، وكيف تسعى هذه الحشرات الصغيرة في الأرض بهداية الله وتحصل على رزقها فتستفيد وتفيد معها البشر، وهي سنة الله في الأرض فكل مخلوق مقدر له في هذه الأرض أن يأخذ منها ويعيد لها، في دورة لحياة الكائنات سنها الله تعالى، وهي قوانين دقيقة تحكم النظام الكوني لا يمكن أن تنفصم أو أن تختلف حتى لو مرت عليها ملايين السنين.

يبين الله سبحانه وتعالى هذه السنة في كثير من الآيات.

يقول جل جلاله: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] .

فالتناسل والتوالد والنمو بين الكائنات لا يكون إلا بزوجين متكاملين، وعادة ما يكونان من نفس الجنس؛ ليحدث التآلف والانسجام بينهما، وتستقر الحياة، وهي سنة تحكم الكون بكل ما فيه من جمادات وكائنات.

ففي عالم النبات يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

يقول الرازي: «المراد بزوجين اثنين: صنفين اثنين، والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو والحامض، أو الطبيعة كالحار والبارد، أو اللون كالأبيض والأسود» 129.

والعلم الحديث اكتشف أن النباتات هي أيضًا تتزاوج، ففي كل نبتة أوجد الله سبحانه وتعالى أعضاء التكاثر الذكرية والأنثوية، وبفعل قوة الريح أو انتقال الحشرات على النبتة أو على النباتات التي تحمل بذور الطلع يحدث هذا التزاوج.

وفي عالم الحيوان يقول تعالى: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

ويختار ابن عاشور أن قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الرعد: 3] .

يتوقف فيها عند الثمرات، وتستأنف معنى آخر يشير إلى سنة الزوجية في الحيوان حيث يقول: «والظاهر أن جملة {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ} مستأنفة؛ للاهتمام بهذا الجنس من المخلوقات، وهو جنس الحيوان المخلوق صنفين ذكرًا وأنثى أحدهما زوج مع الآخر» 130. وهو معلوم وظاهر في حياة هذه الكائنات.

وفي عالم البشر يجعلها الله سبحانه وتعالى من أعظم الآيات، بحيث ربطها بآية الخلق والوجود.

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 20 - 21] .

وفي هذا امتنان من الله على الإنسان بهذه النعمة، فهذه الزوجية تمنح الإنسان سواء الذكر أو الأنثى السكن والمودة والرحمة، وهي عناصر الاستقرار والاستمرار على الأرض.

كما أن هذه السنة هي أساس عالم الجماد، فالذرة أصغر ما في هذا الكون، وتتكون من زوجين بروتون ونيترون، حتى الكهرباء الغير مرئية تتكون من شحنتين موجبة وأخرى سالبة، ومن بديع حكمة المولى أنه جعل أزواج الأشياء من نفس جنسها، ومتقاربة الخصائص، وركب ذلك في المخلوقات، فترى كل نوع يميل ويسكن إلى بني جنسه ومثيله.

وهي سنة تأسر النفس البشرية، وتجعلها تحاط بإطار زمني مغلق، يبدأ في لحظة معينة، وينتهي إلى أجل مسمى، تنحصر فيه أعمال الإنسان وأقواله وتصرفاته، وهي دليل على حكمة التدبير، وحسن التنظيم والقدرة العظيمة لخالقه، لا ترتبط بالحياة البشرية، فقط بل يخضع لها الكون بأسره بكل ما فيه، فكل يسير إلى أجله المقدر له، وارتبط التفكر بهذه السنة في آية يونس (24) ليعبر عن حقيقة الوجود الإنساني على هذه الأرض بأبلغ تشبيه، وأوجز عبارة، فمدة الحياة على هذه الأرض مذ بدء الخليقة لا تتجاوز في حقيقتها مدة نمو النبات وحصاده، فما بالك بحياة الفرد الواحد عليها، وهو مثل يحفل بالتوجيه والتنبيه؛ لعدم الركون إلى هذه الدنيا، ويحذر من الانحدار إلى شهواتها حتى تأتي لحظة النهاية ولا ينفع حينها الندم.

فالتفكر في هذه المثل يقودنا إلى الإيمان بحقيقة فناء الكون، من خلال تحقق سنة الحياة والموت في مستويين يقودان إلى مستوى ثالث «فالمستوى الأول يتمثل في إحياء الأرض بعد موتها، أو موتها بعد حياتها، فتكون الأرض مخضرة في الربيع، ثم يأتي الخريف فتكون حصيدًا، والمستوى الثاني تحقق في أهل القرى، فكم من قرية كانت عامرة بأهلها، تزدهر فيها الحياة بكل مظاهر الزينة من أنهار وزروع وثمار ...

ثم أصبحت بعد ذلك خرابًا بما كسبت أيديهم ...

فالمستوى الأول يشير إلى نهاية الحياة الدنيا، والمستوى الثاني يشير إلى نهاية الأمم والمجتمعات، ويكون المستوى الثالث هلاك كل شيء، فعلم أن لا خلود في هذه الحياة، وهذا مدعاة إلى التفكير الجدي بمصير الإنسان، ومصير الحياة» 131.

كما جاء الحث على التفكر في سنة الموت في سورة الزمر، حين ربطت بالموازاة مع ظاهرة النوم في قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42] ؛ ليتمكن المتفكر أن يوازن بين هاتين الظاهرتين من حيث كونهما دليلًا على توقف الحياة والانتقال إلى عالم آخر غير هذه الحياة، فالنوم يشبه الموت في انقطاع الإدراك والإحساس والتصرف، وإن كان حالة مؤقتة، لكنها تنبئ عن حالة النوم الأبدي هي الموت.

إذن سنة الحياة والموت هي سنة كتبت على كل من في الأرض فما من شيء حي إلا وله نهاية.

قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 - 27] .

وهي من السنن التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، يعلم بها البشر طرق التعامل مع الكون والاستفادة منه، فكل هذه العوالم التي هي أكبر من الإنسان حجمًا هي مذللة لهذا المخلوق الضعيف، قصد تسهيل خلافته على الأرض، رحمة وفضلًا من عند الخالق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت