أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (رجا) تدل على الأمل 1.
وهو نقيض اليأس، يقال: رجا يرجو 2.
وقد يجيئ الرجاء بمعنى: الخوف، ومنه قوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } [نوح: 13] أي: تخافون عظمة الله 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: الرجاء: ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة 4.
وعرفه الكفوي بأنه: الطمع فيما يمكن حصوله، ويرادفه الأمل 5.
وعرفه الجرجاني بأنه: تعلق القلب بمحصول محبوب في المستقبل 6.
وبناءً عليه فمعنى الرجاء اصطلاحًا لا يختلف عن معناه لغةً.
وردت مادة (رجا) في القرآن الكريم (28) مرة، يخص موضوع البحث منها (23) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 21 ... {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104]
فعل الأمر ... 1 ... {وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} [العنكبوت: 36]
اسم مفعول ... 1 ... {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} [هود: 62]
وجاء الرجاء في القرآن على وجهين 8:
أحدهما: الأمل والطمع: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة: 218] .
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] . أي: يأملون ويطمعون في رحمته وجنته 9.
الثاني: الخوف: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 7] يعني: لا يخافون لقاءنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذبون بالثواب والعقاب 10.
وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا} [النبأ: 27] أي: لا يخافون حسابًا.
وعند التأمل نجد أن لفظة الرجاء من الأضداد 11، فتستعمل بمعنى الأمل والطمع، وبمعنى الخوف، وقرينة السياق تدل على المعنى المطلوب.
الأمل:
الأمل لغة:
تدل مادة (أمل) على معنين رئيسين، أحدهما: التثبت والانتظار 12، ومنه: الأمل، بمعنى: الرجاء، فتقول: أملته أؤمله تأميلًا، وأملته آمله أملًا وإملةً على بناء جلسة 13. ومنه: التأمل، أي: التثبت في النظر 14.
الأمل اصطلاحًا:
عرفه المناوي بقوله: الأمل: توقع حصول الشيء، وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله، فمن عزم على سفر إلى بلد بعيد يقول: أملت الوصول، ولا يقول: طمعت إلا إن قرب منها، فإن الطمع ليس إلا في القريب 15.
الصلة بين الرجاء والأمل:
الرجاء والأمل لفظان متقاربان في المعنى، حيث يعرف أهل اللغة الرجاء بالأمل، والأمل بالرجاء، إلا أن المتأمل في معناهما في كتب اللغة يجد فرقًا طفيفًا بينهما، وهو أن الرجاء أكثر ما يستعمل فيما يقرب حصوله، بينما الأمل أكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله.
وقيل: الأمل: آكد من الرجاء؛ لأن الرجاء معه خوف؛ فلذلك جاء بمعنى خاف نحو: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } [نوح: 13] 16.
التمني:
التمني لغة:
تدل مادة (مني) على تقدير شيء، ونفاذ القضاء به، منه قولهم: منى له الماني، أي: قدر المقدر، وتمني الإنسان: أمل يقدره 17.
والتمني نوع من الطلب إلا أن الطلب يكون باللسان، والتمني شيء يهجس في القلب يقدره المتمني 18.
التمني اصطلاحًا:
التمني: طلب حصول الشيء، سواءً كان ممكنًا أو ممتنعًا 19.
الصلة بين الرجاء والتمني:
الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز، والتمني حديث النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه 20.
الخوف:
الخوف لغة:
الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على الذّعر والفزع 21.
الخوف اصطلاحًا:
«خلاف الأمن، والأمن سكون النفس، والخوف من انزعاجها وقلقها» 22.
وقال التفتازاني: «غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء» 23.
الصلة بين الرجاء والخوف:
الخوف هو توقع حلول مكروه، أو فوت محبوب، والرجاء عكسه، توقع حصول محبوب، وهما قرناء لا ينفع أحدهما إلا بوجود الآخر، وهما من أركان العبادة التي لا تتم إلا باجتماعهما مع الحب 24.
الرجاء في الله تعالى، وفيما عنده من العبادات القلبية العظيمة.
وقد ذكر القرآن الكريم أن المؤمنين هم أهل الرجاء، وأهل حسن الظن بالله، الذين جمعوا بين حسن العمل، وحسن الرجاء، إذ الرجاء المحمود لا يكون إلا لمن عمل بطاعة الله، ورجا ثوابه، أو تاب من معصيته، ورجا قبول توبته، فأما الرجاء بلا عمل فهو غرور وتمنٍ مذموم.
ومن صور الرجاء التي أثنى الله بها على المؤمنين:
أولًا: رجاء لقاء الله:
قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) } [العنكبوت: 5] وقال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
فالمؤمن يرجو لقاء الله.
واختلف المفسرون في المراد بلقاء الله، على أقوال:
الأول: أن المراد بلقاء الله: رؤيته سبحانه وتعالى، فالمؤمن يرجو رؤية الله؛ ولهذا يعمل الأعمال الصالحة من أجل أن ينعم بهذه الرؤية، لعل هذا العمل الصالح يكون سببًا في رؤية الله جل وعلا.
الثاني: أن لقاء الله: ثوابه، فالمؤمن يرجو ثواب الله بعمله، ويخشى عقاب الله بعمله، فهو يصلي ويقرأ القرآن ويصوم، ويعمل الأعمال الصالحة من أجل حصول الثواب، والابتعاد عن العقاب.
الثالث: أن لقاء الله هو يوم القيامة.
وقد جمع هذه الأقوال كلها وغيرها أبو السعود، حيث قال: « {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ} ، أي: يتوقع ملاقاة جزائه ثوابًا أو عقابًا، أو ملاقاة حكمه يوم القيامة.
وقيل: يرجو لقاء الله عز وجل في الجنة.
وقيل: يرجو ثوابه.
وقيل: يخاف عقابه.
وقيل: لقاؤه تعالى عبارة عن الوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت والبعث والحساب والجزاء.
على تمثيل تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل، وقد علم مولاه بجميع ما كان يأتي ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وكرامة لما رضي من أفعاله، أو بضده لما سخطه، ولهذا قال: {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} ، أي: فإن الوقت الذي عينه تعالى لذلك {لَآتٍ} لا محالة من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه؛ لأن أجزاء الزمان على التقضي والتصرم دائمًا، فلا بد من إتيان ذلك الجزاء أيضًا ألبتة، وإتيان وقته موجب لإتيان اللقاء حتمًا، والجواب محذوف، أي: فليختر من الأعمال ما يؤدي إلى حسن الثواب؛ وليحذر ما يسوقه إلى سوء العذاب، كما في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، وفيه من الوعد والوعيد ما لا يخفى، وقيل: فليبادر إلى ما يحقق أمله، ويصدق رجاءه، أو ما يوجب القربة والزلفى» 25.
والمقصود: أن المؤمنين يرجون لقاء الله، فيعملون لهذا اللقاء، ويستعدون له، بعكس المنكر للقاء الله، الغافل عنه.
وقد اختلف في تفسير الرجاء على قولين:
فقيل: الرجاء: بمعنى الطمع والأمل، قاله سعيد ابن جبير 26.
قال الزجاج: معنى من كان يرجو لقاء الله: من كان يرجو ثواب لقاء الله، أي: ثواب المصير إليه، فالرجاء على هذا: معناه: الأمل 27.
وقيل: الرجاء: بمعنى الخوف.
قال القرطبي: «وأجمع أهل التفسير على أن المعنى: من كان يخاف الموت 28.
وقال السعدي: «يعني: يا أيها المحب لربه، المشتاق لقربه ولقائه، المسارع في مرضاته، أبشر بقرب لقاء الحبيب، فإنه آت، وكل آت إنما هو قريب، فتزود للقائه، وسر نحوه، مستصحبًا الرجاء، مؤملًا الوصول إليه، ولكن ما كل من يدعي يعطى بدعواه، ولا كل من تمنى يعطى ما تمناه، فإن الله سميع للأصوات، عليم بالنيات، فمن كان صادقًا في ذلك أناله ما يرجو، ومن كان كاذبًا لم تنفعه دعواه، وهو العليم بمن يصلح لحبه ومن لا يصلح» 29.
ولما كان المؤمنون هم الذين يرجون لقاء الله، ويشتاقون له، ويعملون له، أخبر الله عن المشركين أنهم على الضد من ذلك فهم لا يرجون لقاء الله، أي: لا ينتظرون هذا اللقاء، ولا يحسبون حسابه، ولا يقيمون حياتهم وتصرفاتهم على أساسه، ومن ثم لا تستشعر قلوبهم وقار الله وهيبته وجلاله، فتنطلق ألسنتهم بكلمات وتصورات لا تصدر عن قلب يرجو لقاء الله.
قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) } [الفرقان: 21] ، فقد كانوا يستبعدون أن يكون الرسول بشرًا، وكانوا يطلبون، لكي يؤمنوا بالعقيدة التي يدعوهم إليها أن تنزل عليهم الملائكة تشهد بها، أو أن يروا الله سبحانه وتعالى فيصدقوا، وهو تطاول على مقام الله سبحانه، تطاول الجاهل المستهتر الذي لا يحس جلال الله في نفسه، ولا يقدر الله حق قدره 30.
وقال ابن عاشور: ورجاء لقاء الله: ظن وقوع الحضور لحساب الله ... ، ولقاء الله: الحشر للجزاء؛ لأن الناس يتلقون خطاب الله المتعلق بهم، لهم أو عليهم، مباشرةً بدون واسطة ... ، وعبر بفعل الرجاء عن ترقب البعث؛ لأن الكلام مسوق للمؤمنين وهم ممن يرجو لقاء الله؛ لأنهم يترقبون البعث لما يأملون من الخيرات فيه 31.
والخلاصة: أن هذه الآية: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) } [العنكبوت: 5] فيها حث الإنسان على أن يكون راجيًا في ثواب المصير إلى الله تعالى، فالرجاء سبب من الأسباب التي ينال بها العبد ما عند الله، من مغفرة ذنوبه، وهدايته، وتوفيقه، وإعانته على طاعته، ودخوله الجنة، ونجاته من النار، فالرجاء هو قطب الرحى الذي يدور عليه صلاح العبادة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح، وهدمت صوامع، وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة، ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات» 32.
ولا يقال: إن الرجاء اعتراض من العبد على ما سبق به حكم الله، فليس الأمر كذلك، بل إنما هو تعلق بما سبق به الحكم، فإن العبد إنما يرجو فضلًا وإحسانًا ورحمةً سبق بها القضاء والقدر، وجعل الرجاء أسباب حصولها، فليس الرجاء اعتراضًا على القدر، بل هو طلب لما سبق به قدر الله.
وقد ذم الله الكافرين الذين لا يرجون لقاءه، ورضوا بالحياة الزائلة، واطمأنوا إليها، فقد حكم لهم بأن مأواهم النار، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) } [يونس: 7 - 8] .
وقال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، وهذه الآية توضح لنا أن العبد إذا كان يرجو لقاء الله صادقًا مخلصًا في ذلك، فإن عاقبة ذلك ونتيجته يؤديان به إلى إصلاح عمله.
فهذه الآية فيها إشارة قاطعة إلى أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل.
ورجاء العبد لقاء ربه الذي خلقه هو من أفضل ما يرجوه العبد المؤمن ويأمله، قال العلامة ابن القيم: «رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق الباعث على الاشتياق، المبغض المنغص للعيش، المزهد في الخلق، هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، وقال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) } [العنكبوت: 5] ، وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصار المشتاقين؛ ولذلك سلاهم الله تعالى بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلًا يسكن نفوسهم ويطمئنها» 33.
ثانيًا: رجاء اليوم الآخر:
ومما ينبغي أن يرجوه المؤمن اليوم الآخر.
قال الله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} [العنكبوت: 36] .
وقال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [الأحزاب: 21] .
وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الممتحنة: 6] .
ومعنى: {وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} ، أي: وارجوا بعبادتكم إياي جزاء اليوم الآخر، وذلك يوم القيامة 34.
قال أبو السعود: «معنى: {وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} ، أي: توقعوه، وما سيقع فيه من فنون الأهوال، وافعلوا اليوم من الأعمال ما تأمنون غائلته» 35.
والمراد باليوم الآخر: يوم القيامة؛ لأنه آخر الأيام، وقيل: وارجوا يوم الموت؛ لأنه آخر عمرهم 36.
وإنما عبّر شعيب عليه السلام بلفظ الرجاء؛ لأن عبادة الله يرجى منها الخير في الدارين كما سبق.
والرجاء: الترقب واعتقاد الوقوع في المستقبل، وأمره إياهم بترقب اليوم الآخر يدل على أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث 37.
ورجاء اليوم الآخر كفيل بتحويلهم عما كانوا يرجونه في هذه الحياة الدنيا من الكسب المادي الحرام، بالتطفيف في الكيل والميزان، وغصب المارين بطريقهم للتجارة، وبخس الناس أشياءهم، والإفساد في الأرض، والاستطالة على الخلق 38.
ثالثًا: رجاء رحمة الله:
ومن أعظم ما يرجوه المؤمن رحمة الله.
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) } [البقرة: 218] .
فهذه الآية بينت أن من صفات المؤمنين أنهم يرجون رحمة الله، بمعنى: أنهم يطمعون في رحمة الله، ويرجون أن يدخلهم الجنة برحمته إياهم، وفضله عليهم.
عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: «أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) } هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب» 39.
والناظر لأول وهلة في هذه الآية يظن أن فيها رجاءً وترغيبًا، لكن المتدبر والمتأمل يجد العكس، وهو أن فيها تخويفًا وترهيبًا، حيث جعل الله تعالى رحمته لمن تحققت فيه هذه الأوصاف (الإيمان، والهجرة، والجهاد) وهي ثقيلة على النفس.
وهذه الأوصاف الثلاثة لأولئك المقربين الصديقين:
أولها: أنهم آمنوا، والإيمان تصديق للحق، وإذعان لحكمه، وتنفيذ لأوامره، وإخلاص في القلب، ونور في البصيرة، وذلك وحده كاف للجزاء، إن قام المؤمن به، وحقق لوازمه وخواصه، وصار شعاره ومظهره، وسريرته وحقيقته.
وثانيها: الهجرة، فقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} ، وكرر الموصول هنا للإشارة إلى أن الهجرة وحدها عمل زائد على الإيمان يستحق وحده الثواب؛ لأنه ترك للمال والأهل، وطلب للعزة، وإعزاز الدين، بدل البقاء في الذلة والرضا بحياة المستضعفين، وقد أمر الله بالهجرة عند الاستضعاف، ونهى عن البقاء تحت نير غير المسلمين.
ولذا قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) } [النساء: 97 - 100] .
وثالثها: الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو باب الجنة، وهو رهبانية هذه الأمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن طلب منه الوصية: (وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام) 40.
ولقد بين سبحانه جزاءهم، فقال: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} ، أي: إن أولئك المتصفين بهذه الصفات ليس من شأنهم أن يخافوا العذاب لخطأ غير مقصود في الجهاد، بل إنهم يرجون الرحمة والثواب 41.
والمراد برحمة الله ها هنا:
يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته، أي: أن يرحمهم.
ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار رحمته.
وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء) 42، فجعل المخلوق رحمةً له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: (أرحم بك) .
أما الرحمة التي هي وصفه، فهي شيء آخر، فالآية محتملة للمعنيين، وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبدًا أدخله الجنة التي هي رحمته 43.
فيكون في قوله: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} قولان:
الأول: أن المراد منه الرجاء، وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها، وأراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله؛ وذلك لأن عبد الله بن جحش -الذي نزلت فيه هذه الآية-44 ما كان قاطعًا بالفوز والثواب في عمله، بل كان يتوقعه ويرجوه.
فإن قيل: لم جعل الوعد مطلقًا بالرجاء، ولم يقع به كما في سائر الآيات؟
قال الراغب: قلنا: الجواب من وجوه:
أحدها: أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان، والعمل غير واجب عقلًا، بل بحكم الوعد، فلذلك علقه بالرجاء.
وثانيها: هب أنه واجب عقلًا بحكم الوعد، ولكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك، وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع.
وثالثها: أن المذكور ها هنا هو الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما وفقه لهذه الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء.
ورابعها: ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء، كما قال: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) } [المؤمنون: 60] .
القول الثاني: أن المراد من الرجاء: القطع واليقين في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وفي وقته، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] .
وفي الآية دلالة على أن الذي يحق رجاؤه يعمل ما ذكر الله، ومن وصل إلى ذلك فحق له أن يرجو رحمته، فإن قيل: الإنسان راج لرحمة الله وإن لم يبلغ هذه المنازل!
قيل: إن الذي نسميه رجاءً لن لم يبلغ مثل هذه المنازل فهو تمن على الله، المعني بقوله عليه السلام: (والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني) 45.