قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19] .
«وعلامة استحواذ الشيطان على العبد أن يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والمشارب والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل لبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها» 89.
وقد وقع كثير من الناس في هذه الخطوة الشيطانية، فأحبوا الدنيا وعملوا لها، وتركوا في المقابل العمل لآخرتهم، وقد بين الحق سبحانه أن هذا التسويف والإملاء هو من فعل الشيطان.
قال عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25] .
«فذلك الشيطان يمليهم ويقول لهم: في آجالكم فسحة، فتمتعوا برياستكم ثم في آخر الأمر تؤمنون» 90، {وَأَمْلَى لَهُمْ} أي: ومد لهم الشيطان في الأماني والآمال 91.
فيجب على الإنسان أن يحذر كل الحذر من هذه الوسيلة التي قد تنطلي على الكثير من الناس، وأن يكون دائم التيقظ، ولا ينزلق وراء مُلهيات الدنيا التي تؤدي إلى الخسران المبين.
5.النزغ والمس.
إن الشيطان قد يتسلط على الإنسان، فيُثير غضبه، وهذا من أوجه عداوته للإنسان.
قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200] .
ونزغ بينهم نزغًا: أغرى، والنزغ: الكلام الذي يغري بين الناس، ونزغ الشيطان: وساوسه ونخسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي، يعني: يلقي في قلبه ما يفسده على أصحابه 92.
وقد وضَح الإمام الطبري المراد بالنزغ فقال: «وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدُك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجاراتهم، فاستعذ بالله، يقول: فاستجر بالله من نزغه» 93.
وقد بينا عند حديثنا عن موقف الشيطان من نبي الله يوسف عليه السلام، كيف كان للشيطان دور في إثارة البغضاء بين الأخوة من خلال النزغ.
أما مس الشيطان للإنسان فنوعان: مس نفسي، ومس جسدي، أما المس النفسي فهو كما حدث مع نبي الله أيوب عليه السلام، حتى دعا ربه: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] .
وقد تحدثنا عن ذلك في موضعه، أما المس الجسدي فهو ثابت في كتابه العزيز، فمن أوجه عداوة الشيطان للإنسان أن يعمد إلى التسلط على جسد الإنسان، وهو المس.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] .
أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا 94.
وقد فصل الرازي معنى التخبط وعلاقته بالمس، حيث يقول: «التخبط معناه: الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر، ولا يهتدي فيه: إنه يخبِط خبط عشواء، وتخبَطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون؛ لأنه كالضرب على غير استواء، وتسمى إصابة الشيطان بالخبل والجنون خبطة، ويقال: به خبطة من جنون، والمس: الجنون، يقال: مُسَ الرجل فهو ممسوس أي: به مَس، وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمَس الإنسان فيجنُه، ثم سمي الجنون مسًا، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط بالرِجلِ والمسُ باليد» 95.
أشار القرآن الكريم إلى مجموعة من الوسائل التي إن فعلها العبد حُفِظَ من الشيطان بإذن الله تعالى، وسنبين هذه الوسائل فيما يأتي:
أولًا: اللجوء إلى الله بالاستعاذة والدعاء:
إن من حكمة الله عز وجل دائمًا ألا يبين لنا الداء إلا ومعه الدواء، حتى تقوم الحجة على العباد، فلا يأتيه آت يوم التناد فيقول: ما أتانا من نذير.
وقد بين سبحانه وتعالى في كتابه العزيز طرق النجاة من الشيطان، فالله عز وجل لا يؤخر لنا بيان الوسيلة للنجاة من وساوس الشيطان، ومن أهم هذه الوسائل للوقاية من الشيطان ووسوسته اللجوء إلى الله عز وجل بالاستعاذة والدعاء بأن يحصنه من هذا الخطر العظيم.
والاستعاذة هي اللجوء والاستجارة بالله عز وجل، كما قال الطبري: «أستجيرُ بالله دون غيره من سائر خلقه من الشيطان أن يضرَني في ديني، أو يصدَني عن حق يلزَمُني لرَبي» 96.
وقد ربط المولى عز وجل الاستعاذة بالوسواس الخناس، فأينما وجد الإنسان وسوسته لجأ إلى الله عز وجل بذكره والتحصن به، فالشيطان والرحمن لا يجتمعان في نفس الإنسان، كما بينت ذلك سورة الناس التي تسمى هي والفلق بالمعوذتين.
وقد جاءت «مشتملة على الاستعاذة برب الناس ومالكهم وإلههم، من الشيطان الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها، الذي من فتنته وشره أنه يوسوس في صدور الناس، فيحسن لهم الشر، ويريهم إياه في صورة حسنة، وينشِط إرادتهم لفعله، ويقبِح لهم الخير ويثبِطهم عنه، ويريهم إياه في صورة غير صورته، وهو دائمًا بهذه الحال يوسوس ويخنس، أي: يتأخر إذا ذكر العبد ربه واستعان على دفعه، فينبغي له أن يستعين و يستعيذ ويعتصم بربوبية الله للناس كلهم» 97.
وقد جاء الأمر بالاستعاذة واللجوء إلى الله عز وجل كلما نزغ الشيطان الإنسان بوسوسته.
قال سبحانه وتعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200] .
وكذا في سورة فصلت: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36] .
والمراد بالنزغ الوسوسة التي تحملك على خلاف ما أمرت به كَاعْتِراء غضب، ومقابلة سفيه، حينها استعذْ بالله والتجئْ إليه، إنه سميع عليم يسمع استعاذتك، ويعلم ما فيه صلاح أمرك 98.
فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد) 99.
وقال تعالى في موضع آخر: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] .
يقول السعدي: «ولما كان العبد لا بد أن يغفل وينال منه الشيطان، الذي لا يزال مرابطًا ينتظر غرته وغفلته، ذكر تعالى علامة المتقين من الغاوين، وأن المتقي إذا أحس بذنب، ومسه طائف من الشيطان، فأذنب بفعل محرم أو ترك واجب تذكر من أي باب أُتِيَ، ومن أي مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكر ما أوجب الله عليه، وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئًا حسيرًا، قد أفسد عليه كل ما أدركه منه» 100.
فهذه الآيات جميعها جاءت بأسلوب الشرط «إما-إذا» والذي يفيد وجوب وقوع الجواب لوقوع الفعل، فمتى نزغ الشيطان الإنسان ووسوس إليه، يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل، ويتحصن به؛ لتزول تلك الوساوس.
وجاءت آيات الذكر الحكيم لترشدنا إلى الاستمرار في اللجوء إلى الله عز وجل كلما أحس بالنزغ.
قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1] .
وقال أيضًا: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1] .
ويقول سبحانه وتعالى: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمر ان: 36] .
فالمتأمل لهذه الآيات -التي جاءت على صيغة المضارع- يجد أنها تفيد الاستمرارية في حدوث الفعل، وهو الاستعاذة، فالاستعاذة مطلوبة دومًا لطرد وساوس الشيطان، ومن خلال تتبع الآيات نجد أن الاستعاذة مشروعة في عدة مواطن منها:
1.عند تلاوة القرآن الكريم.
قال تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ?) [النحل: 98] .
والاستعاذة قبل القراءة لنفي وساوس الشيطان عند القراءة.
2.عند الغضب.
قال تعالى: (چ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 200] .
3.الاستعاذة عند تكاثر الوساوس على العبد.
يقول تعالى: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ) [الأعراف: 201] .
4.عند ولادة المولود.
يقول تعالى على لسان مريم بنت عمران رضي الله عنها: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] .
ثانيًا: مقاومة أسلحة الشيطان:
إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وقد بيَن لنا المولى عز وجل عداوته في العديد من الآيات القرآنية.
ومنها قوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .
لذلك وجب على الإنسان أن يجد ويجتهد في محاربته، والتصدي لأسلحته، ومقاومتها، وذلك من خلال عدة أمور بينها لنا القرآن الكريم، وهي:
1.ذكر الله عز وجل، والمداومة عليه.
فإذا أحس الإنسان في نفسه غفلة عن ذكر الله، فالشيطان يوسوس لابن آدم، فإذا ذكر الله عز وجل خنس وابتعد عنه. المبادرة إلى التوبة، فإذا وقع الإنسان في معصية أو ذنب تاب واستغفر، فهذا يغيظ الشيطان ويهدم عمله.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 135] .
فالشيطان يحرص أن يوقع الإنسان في المعصية، ومنها الكذب والإفك العظيم، وقد بين الحق سبحانه أن الشيطان ينجذب لهؤلاء الذين يتصفون بالإفك المبين والإثم الكبير، وأصحاب المعاصي؛ فيصبح لهم عونًا وسندًا.
يقول تعالى: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 221 - 223] .
والأفاك: هو الكذاب صاحب الإثم، والأثيم: الفاجر، يعني به: كهنة الكفار يلقون بآذانهم إلى السمع من السماء لكلام الملائكة، فيسمعون كلمة الحق فيزيدون عليها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس فيتحدثون بها، فيصدقهم الناس في كل ما قالوه، بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء 101.
كما جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سأل أناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال:(إنهم ليسوا بشيء) ، فقالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقًا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِ يَخْطَفُهَا(يَحْفَظُهَا) الْجِنِي، ُ فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِهِ كَقَرْقَرَةِ الدَجَاجَةِ (الزُجَاجَةِ) فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ) 102.
2.المسارعة إلى فعل الخيرات، والأعمال الصالحة، واجتناب المحرمات، ومجاهدة النفس على ذلك.
فإذا جاهد الإنسان نفسه، واستعان بالله على شيطانه، نصره الله عز وجل على شيطانه، وحماه من وساوسه.
قال المولى عز وجل: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [العنكبوت: 69] .
3.عدم مخالطة رفقاء السوء، ومجالس المعصية.
فمن الوسائل التي يلجأ إليها الشيطان رفقاء السوء، فهو سلاح ذو أهمية عظيمة، فالرفقاء لهم دور كبير في التأثير على الإنسان، وهذا ما يصوره لنا الحق سبحانه في مشهد واقعٍ لا محالة، تدور أحداثه يوم المحشر بين عبد بئيس وبين شيطان من شياطين الإنس -إن كان هذا العبد إنسيًا- أو الجن -إن كان هذا العبد جنيًا-.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ?) [الفرقان: 27 - 29] .
وهذه الآيات نزلت في عقبة بن أبي مُعَيْط، وفلانًا الذي أضله عن الذكر هو «أمية ابن خلف أو أخوه أبي بن خلف» 103.
وبناء على ذلك فكل ظالم أطاع خليله في الكفر حتى مات على ذلك يجري له مثل ما جرى لابن أبي معيط، فهذا هو الدور لأخلاء السوء الذين يصدون عن الطريق المستقيم، بوسوسة من الشيطان، وفي النهاية يتخلى عنه وتكون نهايته الخذلان، كما بين لنا القرآن الكريم في العديد من المواضع.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 202] .
وقال أيضًا: (گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ) [فصلت: 25] .
وبعد استعراض الآيات التي تبين خطر رفيق السوء يجدر بنا التنبيه على هذا السلاح في زمن تتكاثر فيه الفتن، وينتشر أعداء الله في كل مكان، محاولين جذب الشاب المؤمن؛ ليخرجوا به عن جادة الطريق، في مقابل ضعف المؤمنين وتشتت قواهم، لذلك وجب علينا أن نتخير لأبنائنا الرفيق الحسن.
4.ملازمة جماعة المؤمنين.
فإذا كان المسلم مع الجماعة المسلمة، كان أبعد من الشيطان، فإذا انفرد برأي أو موقف، كان فريسة لوساوس الشيطان.
كما جاء عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا فقال: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَ الَذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَ الَذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَى يَحْلِفَ الرَجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَيْطَانُ، عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَاكُمْ وَالفُرْقَةَ، فَإِنَ الشَيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ) 104.
فسلاح الرفقة المؤمنة، واجتناب قرناء السوء، من أهم الأسلحة كي يكون المسلم حمًى لأهل الإيمان من براثن الأشرار، فالمرء بإخوانه يتقوَى، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فنوصي هنا كل عبد مؤمن بالله، كافر بالشيطان أن لا ينأى بنفسه عن إخوانه، فيسيح في طرائق إخوان الشياطين، بل عليه أن يعتصب ويعتصم بهم، فالوَحدة قوة والتفرق ضعف.
ثالثًا: اتباع هدايات القرآن:
لقد أرشدنا القرآن الكريم إلى ما فيه سعادة الإنسان في الدنيا، ونجاته في الآخرة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
فقد بين سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أن القرآن فيه هداية البشرية لما فيه الخير، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] .
فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى الطريق الصواب، وهو الإيمان بالله عز وجل وتوحيده، فالقرآن نور من استضاء بنوره، فخرج من جهله، وطرد وساوس الشيطان من نفسه 105، فمن اتبع هدايات القرآن فقد وصل إلى الطريق الأكثر استقامة وسلامًا، ونعم بالأمن الإيماني، هذا في الدنيا، ولو كان وحده لكان كافيًا، لكنه تعالى يبشرنا بما هو أعظم منه، وهو النعيم في الآخرة.
وقد جاء الوعد من الله عز وجل بذلك في قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] .
وقال أيضًا: ويقول تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
وفي المقابل قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 124 - 126] .
قال الشعراوي: «فكما أن الحق تبارك وتعالى جمع لعباده الصالحين السائرين على منهجه خيري الدنيا والآخرة، ففي المقابل جمع لأعدائه المعرضين عن منهجه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لا ظُلْمًا منه، فهو سبحانه مُنَزَه عن الظلم والجَوْر، بل عَدْلًا وقِسطًا بما نَسُوا آيات الله وانصرفوا عنها» 106.
فهذا بيان من الحق سبحانه لطريقين لا ثالث لهما: إما طريق هدى الله، أو طريق إبليس الذي أخرج أبوي البشر من الجنة حيث لا شقاء ولا تعب ولا ضلال.
ويبين ابن كثير هذا الشقاء المذكور في الآية فيقول: « {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} أي: خالف أمري وما أنزلت على رسولي، أُعرِضُ عنه وأتناساه، وله معيشةٌ ضنكٌ في الدنيا؛ فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيقٌ حرجٌ لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد، فهذا من ضنك المعيشة» 107.
رابعًا: عدم اتباع خطوات الشيطان:
بعد أن بين لنا المولى عز وجل العداوة الكائنة بين الشيطان وآدم وذريته، ووضح لنا الوسائل والطرق التي ينتهجها الشيطان في غواية بني آدم وذريته، والانتقام منهم، نهانا بعد ذلك عن اتباع خطوات الشيطان ومكائده التي توقع العباد في حباله.
وقد جاء هذا التعبير القرآني {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} في العديد من الآيات التي تنهانا عن اتباع خطوات الشيطان.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168] .
وقد تحدث أهل التفسير في معنى هذا التعبير القرآني، منهم الألوسي في تفسيره حيث قال: « {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي: آثاره كما حكي عن الخليل- أو أعماله- كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه- أو خطاياه- كما نقل عن مجاهد- وحاصل المعنى: لا تعتقدوا به وتستنوا بسنته، فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام» 108.
وأما ابن عاشور فقد بين معنى خطوات الشيطان بقوله: «واتباع الخطوات استعارة تمثيلية، أصلها أن السائر إذا رأى آثار خطوات السائرين تبع ذلك المسلك علمًا منه بأنه ما سار فيه السائر قبله إلا لأنه موصل للمطلوب، فشبه المقتدي الذي لا دليل له سوى المقتدى به وهو يظن مسلكه موصلًا، بالذي يتبع خطوات السائرين» 109.
وفصل القول في معنى اتباع الخطوات، وخلاصته: أن إتباع الخطوات يكون بالاقتداء، والاقتداء بالشيطان يكون بإرسال النفس على العمل بما يوسوسه لها من الخواطر الشريرة 110.
إذن وبناء على ما سبق فالذي ينقاد لوساوس الشيطان وغوايته، والمنجرف في دروبه وأهوائه هو متبع له، كما أن خطوات الشيطان سلسلة مترابطة متداخلة، تبدأ بالوسوسة، فالتسويل، والتزيين بالتحسين تارة والتخويف تارة أخرى، ثم تتوالى الخطوات حتى يحصل الزلل، فيقع الإنسان في المعصية والعياذ بالله.
ومن خلال تتبع آيات الذكر الحكيم التي تنهى عن اتباع خطوات الشيطان، يمكننا استنباط الخطوات التي من يسلكها يكون قد سلك طريق الشيطان واتبع خطواته:
1.أكل الحرام.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 168] .
«كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور: احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان، وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه، كما زجره عن تخطيه إلى الحرام؛ لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة، فيزين بذلك ما لا يحل له، فزجر الله تعالى عن ذلك، ثم بين العلة في هذا التحذير، وهو كونه عدوًا مبينًا أي: متظاهر بالعداوة» 111.
وقال تعالى في سورة الأنعام: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 142] .
2.البخل والإسراف والرياء في الإنفاق.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 27] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 38] .
3.الدعوة إلى الارتداد عن الدين والكفر بالله عز وجل.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر: 16] .
فالكفر قد يصل إليه الإنسان وهو في غفلة من أمره، وقال تعالى في بيان خطوات الشيطان التي يزينها ليصل إلى مبتغاه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [النمل: 24] .