وقد جاء هذا التحذير عقب ذكر الأحكام السابقة على سنن القرآن من القرن بين الأحكام بالمواعظ؛ ترغيبًا وترهيبًا، وتشجيعًا على التزام أوامر الله وترك نواهيه 50.
قال الألوسي: « {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} من العزم على ما لا يجوز أو من ذوات الصدور التي من جملتها ذلك {فَاحْذَرُوهُ} ولا تعزموا عليه أو- احذروه- بالاجتناب عن العزم ابتداء أو إقلاعًا عنه بعد تحققه» 51.
وهذا الربط بين التشريع وخشية الله، المطلع على السرائر؛ نظرًا للمشاعر المكنونة والعلاقات الحساسة العالقة بالقلوب، الغائرة في الضمائر، فالقضية بين رجل وامرأة، وخشية الله والتحذير مما يجول ويحيك في الصدور هي الضمانة الأخيرة لتنفيذ التشريع.
فإذا هز الضمير البشري هزة الخوف والحذر؛ فصحا وارتعش رعشة التقوى عاد؛ ليملأ بالطمأنينة والثقة بعفو الله وحلمه ومغفرته 52.
وبعد أن أمر الله تعالى بالحذر قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي: ولولا مغفرته وحلمه؛ لعنتّم غاية العنت؛ فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء فما نهاكم عنه؛ فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار. فإنه هو الغفور الحليم 53.
وفي هذا التحذير قرن الأحكام بالموعظة ترغيبًا وترهيبًا؛ لتأكيد المحافظة عليها 54، وهذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه؛ لأن الله توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيّسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته 55. وفي الآية دليل على وجوب مراقبة الله تعالى في السر والعلن واتقاء الأسباب المفضية بالعبد إلى فعل محرم.
أمر الله سبحانه أن يبجّل نبيه صلى الله عليه وسلم ويعظّم، فلا يدعى باسمه بأن يقال: يا محمد، ولكن يقال: يا نبي الله، يا رسول الله، ولا يقاس دعاؤه كدعاء بعضنا بعضًا في جواز الإعراض والتساهل في الإجابة، والانصراف من مجلسه بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته صلى الله عليه وسلم واجبة، والرجوع عن مجلسه بغير إذن محرم، ثم حذر سبحانه وتوعد المخالفين لتلك الأوامر والآداب.
فقال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} قال: هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة - ويعني بالحديث الخطبة - فيلوذون ببعض الصحابة حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب بطلت جمعته 56.
وذكر البغوي أنها نزلت في ظروف حفر الخندق ووقعة الأحزاب، حيث كان المنافقون ينسحبون تسللًا وخفية من المعسكر، ولا ينفذون أوامر النبي صلى الله عليه وسلم 57.
وهذا الحكم يعم كل من خالف أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست خاصة بالمنافقين فقط 58.
يقول الألوسي في معنى هذه الآية: «أي: لا تقيسوا دعاءه عليه الصلاة والسلام إياكم على دعاء بعضكم بعضًا في حال من الأحوال، وأمر من الأمور، التي من جملتها المساهلة فيه، والرجوع عن مجلسه عليه الصلاة والسلام بغير استئذان؛ فإن ذلك من المحرمات، وإلى نحو هذا ذهب أبو مسلم واختاره المبرد والقفال. وقيل: المعنى لا تحسبوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض؛ فتعرضوا لسخطه ودعائه عليكم عليه الصلاة والسلام بمخالفة أمره والرجوع عن مجلسه بغير استئذان ونحو ذلك، وهو مأخوذ مما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وروي عن الشعبي، وتعقبه ابن عطية بأن لفظ الآية يدفع هذا المعنى، وكأنه أراد أن الظاهر عليه على بعض. وقيل: إنه يأباه بينكم وهو في حيز المنع، وقيل: المعنى: لا تجعلوا دعاءه عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل كدعاء صغيركم كبيركم وفقيركم وغنيكم، يسأله حاجته فربما أجابه وربما رده، فإن دعاءه صلى الله عليه وسلم مستجاب لا مرد له عند الله عز وجل، فتعرضوا لدعائه لكم بامتثال أمره، واستئذانه عند الانصراف عنه إذا كنتم معه على أمر جامع، وتحققوا قبول استغفاره لكم، ولا تتعرضوا لدعائه عليكم بضد ذلك» 59.
يقول المراغي: «فليتق الله من يفعلون ذلك منكم، فينصرفون عن رسول الله بغير إذنه، أن تصيبهم محنة وبلاء في الدنيا، أو يصيبهم عذاب مؤلم موجع في الآخرة، بأن يطبع الله على قلوبهم؛ فيتمادوا في العصيان ومخالفة أمر الرسول، فيدخلهم النار وبئس القرار.
والآية تعم كل من خالف أمر الله، وأمر رسوله، وجمد على التقليد من بعد ما تبين له الهدى، وظهر له الصواب من الخطأ» 60.
«فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه، وهي لفتة ضرورية، فلا بد للمربي من وقار، ولابد للقائد من هيبة، وفرق بين أن يكون هو متواضعًا هينًا لينًا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم؛ فيدعوه دعاء بعضهم لبعض .. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير» 61.
«وهذه الآية تحكم الصلة التي بين المؤمنين وبين النبي صلوات الله وسلامه عليه بعد أن جاءت الآية السابقة؛ لتحكم الصلة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وأنها صلة وثيقة العرى، ملاكها السمع والطاعة لرسول الله من كل مؤمن ومؤمنة» 62.
وفي هذه الآية تأديب للمؤمنين إزاء مجالس الرسول ودعائه، وتنويه بالذين يتصرفون في ذلك بما يليق بمركزه ومقامه، فلا يتركون مجالسه إلّا لعذر وبعد الاستئذان منه وإذنه. فهم المؤمنون حقًّا بالله ورسوله. وتنديد بالذين يتصرفون في ذلك تصرفًا غير لائق فيتسللون من مجالسه. وإنذار دنيوي وأخروي لهم 63.
وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب، ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فتحرم مخالفته، فيجب امتثال أمره 64.
عن قتادة، في قوله: « {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] .
قال: أمرهم الله أن يفخموه ويشرفوه صلى الله عليه وسلم» 65.
وهذه الآيات تدل على أن من رد شيئًا من أوامر الله والرسول؛ فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشرك، أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت إليه الصحابة رضي الله عنهم من الحكم بارتداد مانعي الزكاة، وقتلهم، وسبي ذراريهم 66.
ثالثًا: الحذر من العذاب:
من صفات المؤمن التقي: الحذر من عذاب الله وغضبه؛ فالله تعالى يعلم كل شيء، ولا تخفى عليه خافية، وقد أخبرنا ربنا سبحانه أن عذابه هو الذي يجب أن يحذر، فلا يبلغه أي عذاب، فقال: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57] .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضرّ ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم، فتدعوهم آلهة؛ فإنهم لا يقدرون على ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. وقيل: إن الذين أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول، كانوا يعبدون الملائكة وعزيرًا والمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون نفرًا من الجنّ.
وهؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابًا {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} أي: يبتغي المدعوّون أربابًا إلى ربهم القربة والزّلفة؛ لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} أيهم بصالح عمله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة {وَيَرْجُونَ} بأفعالهم تلك {رَحْمَتَهُ} ويخافون أمره {عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ} يا محمد {كَانَ مَحْذُورًا} متقى 67.
وكان سبب نزول هاتين الآيتين ما أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم، فأنزل الله عز وجل: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56 - 57] 68.
وعلى الرغم من هذه الرواية؛ فقد اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية على أقوال:
أحدها: أنها نزلت في نفر من الجن كان يعبدهم قوم من الإنس؛ فأسلم الجن ابتغاء الوسيلة عند ربهم، وبقي الإنس على كفرهم؛ قاله عبد الله بن مسعود.
الثاني: أنهم الملائكة، كانت تعبدهم قبائل من العرب، وهذا مروي عن ابن مسعود أيضًا.
الثالث: هم وعيسى وأمّه، قاله ابن عباس ومجاهد. وهم المعنيّون بقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ} 69.
وفي الجملة: هذه الآيات في عبادة غير الله عز وجل 70.
وقوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} تذييل قصد به التعليل لما قبله وهو خوف العذاب 71، الذي ينبغي أن يحذر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله 72.
قال أبو السعود: «حقيقًا بأن يحذره كلّ أحدٍ، حتى الملائكة والرسل عليهم الصلاة والسلام وهو تعليلٌ لقوله تعالى: {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} وتخصيصه بالتعليل؛ لما أن المقام مقام التحذير من العذاب، وأن بينهم وبين العذاب بونًا بعيدًا» 73.
وتقديم الرجاء على الخوف؛ لما أن متعلقه أسبق من متعلقه، ففي الحديث القدسي: (سبقت رحمتي غضبي) 74، وفي اتحاد أسلوبي الجملتين إيماء إلى تساوي رجاء أولئك الطالبين للوسيلة إليه تعالى بالطاعة والعبادة وخوفهم، وقد ذكر العلماء أنه ينبغي للمؤمن ذلك ما لم يحضره الموت فإذا حضره الموت ينبغي أن يغلّب رجاءه على خوفه 75.
وفي الآيات بيان حقيقة عقلية، وهي: أن دعاء الأولياء والاستغاثة بهم، والتوسل إليهم بالذبح والنذر أمر باطل ومضحك في نفس الوقت؛ إذ الأولياء كانوا قبل موتهم يطلبون الوسيلة إلى ربهم بأنواع الطاعات والقربات، ومن كان يعبد لا يعبد. ومن كان يتقرب لا يتقرّب إليه، ومن كان يتوسّل لا يتوسل إليه، بل يعبد الذي كان يعبد، ويتوسل إلى الذي كان يتوسل إليه، ويتقرب إلى الذي كان يتقرب إليه، وهو الله سبحانه وتعالى 76.
ومن الآيات الدالة على الحذر من العذاب: ما وصف الله به عبده المؤمن بأنه حذر من عذاب الآخرة.
قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 8 - 9] .
هذه مقابلة بين العامل بطاعة الله وغيره، وبين العالم والجاهل، وأن هذا من الأمور التي تقرر في العقول تباينها، وعلم علمًا يقينًا تفاوتها، فليس المعرض عن طاعة ربه، المتبع لهواه، كمن هو قانت أي: مطيع لله بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء رحمة الله، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن 77.
يقول سيد قطب: الآية الأولى عرضت الصورة النكدة من الإنسان، مقابل صورة أخرى، صورة القلب الخائف الوجل، الذي يذكر الله، ولا ينساه في سراء ولا ضراء، والذي يعيش حياته على الأرض في حذر من الآخرة، وفي تطلع إلى رحمة ربه وفضله، وفي اتصال ينشأ عنه العلم الصحيح المدرك لحقائق الوجود.
هذه صورة مشرقة مرهفة؛ فالقنوت والطاعة والتوجه وهو ساجد وقائم، وهذه الحساسية المرهفة وهو يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه، وهذا الصفاء وهذه الشفافية التي تفتح البصيرة، وتمنح القلب نعمة الرؤية والالتقاط والتلقي، هذه كلها ترسم صورة مشرقة مضيئة من البشر تقابل تلك الصورة النكدة المطموسة التي رسمتها الآية السابقة، فلا جرم يعقد هذه الموازنة 78.
رابعًا: الحذر من الفتن:
أعظم فتنة قد تصيب العبد: فتنة الإعراض والصد عن الصراط المستقيم، ولقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الفتنة، فقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49] .
وذكر الواحدي في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس قال: إن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد عليه الصلاة والسلام؛ لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وأنا إن اتبعناك؛ اتبعنا اليهود ولن يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله تعالى فيهم: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} 79.
«والمعنى: وأنزلنا إليك الكتاب -يا محمد- فيه حكم الله، وأنزلنا إليك فيه أن أحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، واحذرهم أن يضلوك أو يصدوك عن بعض ما أنزلناه إليك -ولو كان أقل قليل-؛ بأن يصوروا لك الباطل في صورة الحق، أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذي يناسب شهواتهم، وقد كرر سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل الله؛ لتأكيد هذا الأمر في مقام يستدعى التأكيد؛ لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى الله عليه وسلم وإغرائه بالميل إلى الأحكام التي تتفق مع أهوائهم، ولأنه قد جاء في الآية السابقة ما قد يوهم بأن لكل قوم شريعة خاصة بهم {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} وأن حكم القرآن ليس له صفة العموم فأراد سبحانه أن ينفى هذا الوهم نفيًا واضحًا وأن يؤكد أن شريعة القرآن هي الشريعة العامة الخالدة، التي يجب أن يتحاكم إليها الناس في كل زمان ومكان؛ لأنها نسخت ما سبقها من شرائع» 80.
وإنما حذره وهو رسول مأمون؛ لقطع أطماع القوم 81.
وقد جاء هذا التحذير مسبوقًا بأمرين، سبق بمقدمةٍ له وهذه المقدمة جاءت بأسلوبين:
أحدهما أمر، وهو {احْكُمْ} ، والآخر نهي وهو {وَلَا تَتَّبِعْ} . وهذا فيه تأكيد لأهمية المحذّر منه.
قال سيد قطب: فالتحذير هنا أشد وأدق، وهو تصوير للأمر على حقيقته، فهي فتنة يجب أن تحذر، والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكمًا بما أنزل الله كاملًا، أو أن يكون اتباعًا للهوى وفتنة يحذر الله منها ... فإن تولوا فلا عليك منهم، ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم الله وشريعته، ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك؛ فإنهم إنما يتولون ويعرضون؛ لأن الله يريد أن يخزيهم على بعض ذنوبهم، فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض، لا أنت ولا شريعة الله ودينه، ولا الصف المسلم المستمسك بدينه، ثم إنها طبيعة البشر {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} فهم يخرجون وينحرفون؛ لأنهم هكذا، ولا حيلة لك في هذا الأمر، ولا ذنب للشريعة، ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق 82.
وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: {أَنْ يَفْتِنُوكَ} وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد 83.
وفي هذه الآية تحذير شديد من اتباع أهواء الناس خشية الإضلال عن الحق، ووجوب الحكم في كل القضايا بما أنزل الله، ولا يجوز الاحتكام إلى أية شريعة، أو قانون غير الوحي الإلهي، المتمثل في الكتاب والسنة.
فليحذر المسلم من الانزلاق إلى متابعة الهوى، وترك الحق بحجة تكثير السواد، أو بحجة قبول الدعوة وانتشارها؛ فإنّ دعوة الله ليست بحاجة إلى تكثير سواد أتباعها من طريق الخيانة، وإرضائهم بالباطل وبما يسخط الله تعالى.
خامسًا: الحذر من الموت:
حذر الله سبحانه وخوف من الموت كثيرًا؛ لكي يبتعد الإنسان عن المعاصي، ويقترب من الطاعات، إلا أن لفظ الحذر من الموت لم يرد في القرآن الكريم بصورته الصريحة إلا في موضعين في القرآن الكريم:
1.حذر الموت من شدة الصواعق.
ذكر الله تعالى حال المنافقين ومن أي شيء يحذرون، فقال تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] .
فمثّل الله تعالى بهذا المثل المائي؛ لبيان مدى الاضطراب والحيرة الذي يعيشه المنافقون، بسبب اختلاف المواقف، والخوف والحذر من تعرضهم للموت والهلاك؛ بانكشاف أمرهم وافتضاح حالهم.
المعنى: مثلهم كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل بكثرة، {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمات المطر، {وَرَعْدٌ} وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، {وَبَرْقٌ} وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب، {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ} البرق في تلك الظلمات {مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أي: وقفوا.
فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده؛ جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، ويجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا تمكن له السلامة. وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم، قدرة وعلمًا فلا يفوتونه ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها أتم الجزاء.
ولما كانوا مبتلين بالصمم، والبكم، والعمى المعنوي، ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أي: الحسيّة، ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية؛ ليحذروا، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئًا فعله من غير ممانع ولا معارض 84.