فهرس الكتاب

الصفحة 1024 من 2431

وقال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) } [النحل: 71] .

فمنكم غني وفقير ومالك ومملوك، أي: فجعلكم متفاوتين فيه فوسع على بعض عباده وبسط حتى جعل له من الرزق ما يكفي ألوفًا مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده وقتر حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم، وكثر لواحد وقلل على واحد، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها.

وكما جعل التفاوت بين عباده في المال جعله بينهم في العقل والعلم والفهم والجهل وقوة البدن وضعفه والحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك من الأحوال 79.

وقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [الإسراء: 21] .

وقال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) } [الزخرف: 32] .

فهذه الآيات ونحوها تقرر حقيقة واقعة وهي: أن الله سبحانه قد فضل الناس بعضهم على بعض بشتى أنواع التفضيل، والقرآن الكريم حين يقرر ظاهرة التفاوت بين الناس إنما يفعلها لحكمة وهي الامتحان والاختبار، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) } [الأنعام: 165] .

أي: ورفع بعضكم فوق بعض درجات في العلم، والعمل، والغنى والفقر، ليبلوكم جميعا، كل بما عنده، فيختبر الغني، هل يؤدي زكاة ماله؟ هل يتصدق بالفضل من ماله؟ هل يعطف على الفقير والمحتاج والمسكين أم هو نهم جشع صلد صلب كالحجر؟ نعم ويبلو الفقير هل يصبر ويرضى أم يشكو ويكفر؟

وإذا كان الله سبحانه قد رفع بعضنا فوق بعض، فما علينا إلا العمل والجد والصبر والرضا بقضاء الله وقدره، واعتقاد أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وعلى الجملة فهذا علاج نفسي لسل السخائم والتحاسد 80.

ومن الحكم لهذا التفاوت هو إعمار الأرض، ولا يمكن أن تستقيم الحياة إلا بهذا التفاوت؛ وذلك أن التفاوت ضروري لتنوع الأدوار المطلوبة لعمارة هذه الأرض، كما قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] .

أي: طلب منكم عمارتها، وهذا يتطلب أمرين اثنين: أن يبقي الناس الأمر الصالح على صلاحه، أو يزيدوه صلاحًا. وهكذا نفهم معنى استعمار الأرض، ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أنه تجلى على الخلق بصفات من صفاته، فالقوي يعين الضعيف، والحق سبحانه له مطلق القوة، ويهب الخلق من حكمته حكمة، ومن قبضه قبضًا، ومن بسطه بسطًا، ومن غناه غنىً؛ ولكن الصفات الحسنى كلها ذاتية فيه وموهوبة منه لنا، والدليل على ذلك أن القوي فينا يصير إلى ضعف، والغني منا قد يصيبه الفقر؛ حتى لا نفهم أن هذه الصفات ذاتية فينا، وأن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا من صفاته قدرة لنفعل.

ومن أعطاه الله تعالى قدرة ليفعل؛ عليه أن يلاحظ أنه انتفع بفعل من سبقه، فإن أكل اليوم تمرًا على سبيل المثال فعليه أن يتذكر أن الذي زرع له النخلة هو من سبقه، فليزرع من يأكل البلح الآن نخلة لتفيده بعد سبع سنين وهو الزمن اللازم لتطرح النخلة بلحًا وليستفيد بها من يأتي من بعده 81.

ولو كان جميع الناس نسخًا مكررة ما أمكن أن تقوم الحياة في هذه الأرض على النحو المطلوب، ولبقيت أعمال كثيرة لا نجد لها من يقوم بها.

ومع أن القرآن قد أقر هذه الظاهرة الإنسانية -ظاهرة التفاوت بين الناس- إلا أنه سعى للحد قدر المستطاع من هذا التفاوت، وهذا بيان ذلك:

على مستوى التفاوت الاقتصادي بين الناس، طلب من الغني الإنفاق على الفقير، ومد يد العون له، كما قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [المنافقون: 10] .

بالمقابل، طلب من الفقير أن لا يتمنى ما فضل الله به غيره من الناس، كما قال تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) } [النساء: 32] .

ومدح المتعففين من الفقراء، فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) } [البقرة: 273] .

وعلى مستوى التفاوت الفكري، طلب القرآن من العالم أن يظهر علمه، ولا يكتمه عن الناس، وتوعد من يفعل ذلك أشد الوعيد.

قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) } [البقرة: 159] .

وبالمقابل، حض القرآن غير المتعلم على طلب العلم، وميز بين العالم وغير العالم، ما يفيد مدح الأول وذم الثاني، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] .

فغير العالم مطالب بأن يتعلم ولا ينبغي أن يبقى جاهلًا.

وينبغي ألا يفهم من قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) } [الزخرف: 32] .

استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد، كلا! إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض، ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع، وفي كل ظرف، فالله فاضل بينهم فجعل بعضهم أفضل من بعض في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم.

ثم ذكر العلة لرفع درجات بعضهم على بعض وهي ليستخدم بعضهم بعضًا فيستخدم الغني الفقير، والرئيس المرؤوس والقوي الضعيف، والحر العبد، والعاقل من دونه في العقل والعالم الجاهل وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتم مصالحهم وينتظم معاشهم، ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه.

فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين فجعل البعض محتاجًا إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا ويحتاج هذا إلى هذا ويصنع هذا لهذا ويعطي هذا هذا 82.

والقرآن إذ يقرر هذا التفاوت بين البشر لا يدعو إلى ترسيخ هذا التفاوت وتنظيمه، بل غاية ما في الأمر أنه يقرر الحقائق الخالدة المركوزة في فطرة هذا الوجود؛ الثابتة ثبات السماوات والأرض ونواميسها التي لا تختل ولا تتزعزع.

فالقرآن الكريم كما يقول سيد قطب: «يرسي القواعد الأساسية والحقائق الكلية التي لا تضطرب ولا تتغير؛ ولا تؤثر فيها تطورات الحياة، واختلاف النظم، وتعدد المذاهب، وتنوع البيئات، فهناك سنن للحياة ثابتة، تتحرك الحياة في مجالها؛ ولكنها لا تخرج عن إطارها، والذين تشغلهم الظواهر المتغيرة عن تدبر الحقائق الثابتة، لا يفطنون لهذا القانون الإلهي، الذي يجمع بين الثبات والتغير، في صلب الحياة وفي أطوار الحياة؛ ويحسبون أن التطور والتغير، يتناول حقائق الأشياء كما يتناول أشكالها، ويزعمون أن التطور المستمر يمتنع معه أن تكون هناك قواعد ثابتة لأمر من الأمور؛ وينكرون أن يكون هناك قانون ثابت غير قانون التطور المستمر، فهذا هو القانون الوحيد الذي يؤمنون بثباته! فأما نحن أصحاب العقيدة الإسلامية فنرى في واقع الحياة مصداق ما يقرره الله من وجود الثبات والتغير متلازمين في كل زاوية من زوايا الكون، وفي كل جانب من جوانب الحياة. وأقرب ما بين أيدينا من هذا التلازم ثبات التفاوت في الرزق بين الناس، وتغير نسب التفاوت وأسبابه في النظم والمجتمعات» 83.

الخلاصة: مما تقدم يتبين أن القرآن الكريم أقر ظاهرة التفاوت بين الناس، واعتبر ذلك من المقتضيات الملازمة لاستمرار هذه الحياة، ودعا في الوقت نفسه إلى تقليل هذه التفاوت قدر المستطاع، لكنه لم يسع إلى إلغائه؛ لأن في ذلك إلغاء لسنة من سنن الحياة، ما يعني التناقض بين ما قرره القرآن وبين السنن التي أقام الله عليها هذا الكون.

ثانيًا: الجرائم المجتمعية:

إن المجتمع المريض الذي يحول دون إشباع حاجات أفراده والذي يفيض بأنواع الحرمان والإحباطات والصراعات، والذي يشعر فيه الفرد بنقص الأمن وبعدم الأمان، وإن التنافس الشديد بين الناس وعدم المساواة والاضطهاد والاستغلال، يضاف إلى ذلك وسائل الإعلام غير الموجهة التي تؤثر تأثيرا سيئًا على أخلاقيات أفراد المجتمع، وغيرها من الأسباب قد يدفع بالعديد إلى ممارسة بعض أنواع السلوك الممنوع أو المرفوض اجتماعيًا، ومن هذه الجرائم المجتمعية:

1.القتل.

قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) } [الإسراء: 33] .

وهذا شامل لكل نفس حرم الله قتلها من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد ومسلم وكافر له عهد، إلا بالحق كالنفس بالنفس والزاني المحصن والتارك لدينه المفارق للجماعة والباغي في حال بغيه إذا لم يندفع إلا بالقتل، ومن قتل مظلوما بغير حق فقد جعل الله لوليه وهو أقرب عصباته وورثته إليه حجة ظاهرة على القصاص من القاتل، وجعلنا له أيضا تسلطا قدريا على ذلك، وذلك حين تجتمع الشروط الموجبة للقصاص كالعمد العدوان والمكافأة، فلا يسرف الولي في القتل إنه كان منصورا والإسراف مجاوزة الحد إما أن يمثل بالقاتل أو يقتله بغير ما قتل به أو يقتل غير القاتل.

وفي هذه الآية دليل إلى أن الحق في القتل للولي فلا يقتص إلا بإذنه وإن عفا سقط القصاص، وأن ولي المقتول يعينه الله على القاتل ومن أعانه حتى يتمكن من قتله 84.

قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) } [المائدة: 33 - 34] .

وهذا بيان من الله عز ذكره عن حكم الفساد في الأرض، وهو ما يعرف بحد الحرابة، أعلم عباده ما الذي يستحقه المفسد في الأرض من العقوبة والنكال، فبين تبارك وتعالى أنه لا جزاء له في الدنيا إلا القتل، والصلب، وقطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، خزيا لهم، وأما في الآخرة إن لم يتب في الدنيا، فعذاب عظيم 85.

وقال تعالى مبينًا حرمة قتل النفس المؤمنة: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) } [النساء: 92] .

ولا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه، ومن وقع منه ذلك الخطأ فعليه عتق رقبة مؤمنة، وتسليم دية مقدرة إلى أوليائه، إلا أن يتصدقوا بها عليه ويعفوا عنه، فإن كان المقتول من قوم كفار أعداء للمؤمنين، وهو مؤمن بالله تعالى، وبما أنزل من الحق على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه وعتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متتابعين؛ ليتوب الله تعالى عليه. وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم 86.

2.السرقة.

قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) } [المائدة: 38 - 39] .

ومعنى الآيات: فيما فرض عليكم أو يتلى عليكم حكم السارق والسارقة، فمن سرق من ذكر أو أنثى، {فَاقْطَعُوا} يا ولاة الأمور {أَيْدِيَهُمَا} أي: من الرسغ كما أوضحت السنة النبوية، {جَزَاءً} لهما على سرقتهما وما كسبت أيديهما، ولانتهاك حرمة مال الآخرين، لأن السرقة قد تجر إلى الدفاع عن المال وإلى القتل، وتنكيلًا وإهانةً وتحقيرًا لهما من الله؛ لأن فعلهما خسيس ودنيء يستوجب الإذلال، والزجر عن العودة للسرقة، وإيقاع عبرة لغيرهما، والله قوي غالب في تنفيذ أوامره، حكيم في تدبيره وصنعه وتشريعه، لا يشرع إلا ما فيه الحكمة والمصلحة، واختيار الأنسب للجريمة 87.

وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) } [البقرة: 188] .

نهانا الله أن نأكل أموال بعضنا بالباطل وبدون وجه حق، ونهانا أن نلقى بالأموال إلى الحكام مستعينين في ذلك بالدفاع الباطل، والرشوة التي تعطى لبعض أصحاب النفوس القذرة الحقيرة من الحكام ليصل صاحبها إلى غرضه، ولا شك أن كثرة التقاضي بالباطل وشيوع الرشوة في الأمة مقبرة لها بل خطرها على الأمة أشد من اليهود، وكيف يجوز لمسلم أن يأكل مال أخيه المسلم بالإثم والزور والبهتان والرشوة، وهو يعلم أنه حرام ولا يأكل في بطنه إلا النار، واعتبروا أيها الحكام والقضاة والمتخاصمون بقول الرسول الأمين للمتخاصمين: أن زينب بنت أم سلمة، أخبرته: أن أمها أم سلمة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرتها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سمع خصومةً بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: (إنما أنا بشرٌ، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعضٍ، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلمٍ، فإنما هي قطعةٌ من النار، فليأخذها أو فليتركها) 88.89.

3.الزنا.

وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) } [النور: 2] .

إن عقوبة الزناة الأبكار غير المتزوجين هي الجلد مائة لكل من الزاني والزانية في دار الإسلام أيا كان، ولا يحملنكم العطف والرأفة على ترك هذا الحد فهو حكم الله تعالى، والواجب تنفيذه، والغيرة على حرمات الله، ما دمتم مؤمنين مصدقين بالله وبالآخرة التي يجري فيها الحساب والجزاء، وهذا حث شديد على تطبيق حدود الله وتنفيذها، وتكون إقامة الحد علانية أمام فئة من الناس المؤمنين، تحقيقا للزجر والردع، وبعدا عن التورط في الفاحشة، وتقريعا وتوبيخا لمن تدنس بها.

والطائفة التي تشهد على إقامة الحد: أقلها واحد. وقيل: اثنان فأكثر. وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي: نفر من المسلمين، ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالًا 90.

4.شرب الخمر.

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) } [البقرة: 219] .

السؤال عن الخمر والميسر هو بلا شك عن الحل والتحريم لا عن الحقيقة والذات، فإنهم يعرفونهما بلا شك، وكان الأغنياء وذوو المقدرة فيهم منغمسين فيهما، ولذلك كان الجواب مشيرا إلى عدم رضا الشارع عنهما أو مشيرا إلى تحريمهما، لأن ما غلبت مضرته على منفعته-كما هو حكم الإسلام-يكون حراما، ولا يكون حلالا، وقد صرح سبحانه وتعالى بذلك، فكان يحق على المؤمن النقي النفس، الذي خلص من أدران الهوى أن يكتفي بذلك ويجتنبهما، وكذلك فعل خواص المؤمنين، والعلية من أصحاب الرسول الأمين كأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين المقربين، ولقد كان عمر رضي الله عنه يحس بأن شرب الخمر لا يسوغ في الإسلام، ولذا كان يدعو الله قائلا: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. خصوصًا بعد أن نزلت الآيات التي تشير إلى التحريم، ولا تصرح به.

ولماذا كان السؤال عن الخمر والميسر، وممن كان السؤال؟ إن السؤال بلا ريب من المؤمنين، ولم يكن من غيرهم، لأنهم رأوا الخمر تذهب الرشد، وتضعف العقل، وتجعل المرء يقع فيما لا يحسن، فما كان المؤمنون الأولون وقد أرهف الإيمان قلوبهم وزكت أرواحهم، وطهرت نفوسهم ليرضوا عن الخمر، وإن لم يصرح القرآن بالتحريم، ولذلك كثر سؤالهم عنها، ليكون القطع في أمرها 91.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] .

أي: لا تدخلوا فيها، والحال أنكم سكارى من الخمر إذ كانت يومئذ حلالًا غير حرام، حتى تكون عقولكم تامة تميزون بها الخطأ من الصواب فتعلموا ما تقولون في صلاتكم 92.

ثم كان التحريم النهائي بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [المائدة: 91] .

والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج: أن الناس كانوا مفتونين بها حتى إنها لو حرمت في أول الإسلام لكان تحريمها صارفًا لكثير من المدمنين لها عن الإسلام، بل عن النظر الصحيح المؤدي إلى الاهتداء به، لأنهم حينئذ ينظرون إليه بعين السخط فيرونه بغير صورته الجميلة، فكان من لطف الله وبالغ حكمته أن ذكرها في سورة البقرة بما يدل على تحريمها دلالة ظنية فيها مجال للاجتهاد، ليتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه، وذكرها في سورة النساء بما يقتضي تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة، إذ نهى عن قرب الصلاة في حال السكر، فلم يبق للمصر على شربها إلا الاغتباق بعد صلاة العشاء وضرره قليل، وكذا الصبوح من بعد صلاة الفجر لمن لا عمل له ولا يخشى أن يمتد سكره إلى وقت الظهر، وقليل ما هم، وكان شيخنا يرى أن آية النساء نزلت قبل آية البقرة، ثم تركهم الله تعالى على هذه الحال زمنا قوي فيه الدين، ورسخ اليقين، وكثرت الوقائع التي ظهر لهم بها إثم الخمر وضررها 93.

ثالثًا: علاج الانحراف المجتمعي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت