وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخضر لدليل على أن التعلم يحتاج إلى الصبر الذي يحتاج بدوره إلى استطاعة قلبية لممارسته، حيث طلب موسى عليه السلام اتباع الخضر للتعلم منه فما كان رد الخضر: {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 67] .
يريد أنه يرى منه أمورًا لا يقره عليها والخضر لابد من أن يفعلها، فيتضايق موسى لذلك ولا يطيق الصبر، وعلل له عدم استطاعته الصبر بقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} [الكهف: 68] .
قال الخضر لموسى إنك يا موسى إذا اتبعتني ورافقتني، فلن تستطيع معي صبرًا، بأي وجه من الوجوه؛ لأن الصبر على المجهول من الصعب بمكان 44.
وفعلًا لم يصبر سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم على أفعال العبد الصالح.
فكان في كل مرة ينبهه لما قاله له سابقًا {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 72] .
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف:75] .
هي سلامة الجسد عن الآفات المانعة من التكليف، والمراد منها استطاعة التكليف: وهي سلامة الأسباب ووسائل الوصول لتحقيق التكليف 45.
وهي مشترطةٌ في وجوب الواجبات البدنية، كوجوب الطهارة، وأداء الصلاة على الوجه الأكمل، وفي الصوم، وفي الحج، وفي النذر البدني كالصلاة والصوم، وفي الكفارات البدنية كالصيام، وفي النكاح، وفي الحضانة، وفي الجهاد.
قال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] .
أجمع العلماء على أن الاستطاعة البدنية شرط لوجوب العبادات، فالقيام للصلاة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به للمستطيع، أما المريض الذي لا يقدر على القيام فيسقط عنه هذا الركن ويستطيع الصلاة وهو جالس فإن لم يستطع وهو مضجع فالدين الإسلامي دين يسر.
والحج فريضة واجبة على المسلمين لمن استطاع، وفسر علماء الأمة على أن الاستطاعة هنا استطاعة مالية واستطاعة بدنية 46.
عن ابن عباس رضي الله عنه (أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم) ، وذلك في حجة الوداع 47.
قال الشافعي رحمه الله أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة الخثعمية بالحج عن أبيها، دلت على أن قول الله عز وجل: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .
على معنيين:
الأول: أن يستطيع الحج بنفسه وماله.
والثاني: أن يعجز عنه بنفسه بسبب أمر عارض كالكبر، أو المرض، أو إعاقة جسدية لا يقدر معها على الثبوت على المركب والسفر، ويكون من يطيعه إذا أمره بالحج نيابة عنه، إما بمقابل شيء يعطيه إياه وهو قادر على ذلك، وإما بغير شيء وهذه إحدى الاستطاعتين 48.
واختلف العلماء في قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .
فقالت طائفة: الآية على العموم؛ إذ لا نعلم خبرًا ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا إجماعًا لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية، فعلى كل مستطيع الحج يجد إليه السبيل بأي وجه كانت الاستطاعة الحج على ظاهر الآية 49.
وقال بعض العلماء: إن الاستطاعة هي صحة وقوة الجسد 50.
وفي سياق قصة يأجوج مأجوج كان هناك حديثٌ عن الاستطاعة البدنية حيث لم يستطيعوا تسلق الجدار ولا نقبه من أسفل.
قال الله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 97] .
هذا السد الذي تم بناؤه بمساعدة مجموعة من الضعفاء، وكان بناء هذا السد بصورة قوية تحدت طاقة العدوان في كل من يأجوج ومأجوج، وقد حاول كل منهما أن يصعد فوق السد ليتغلب عليه، ولكنه كان فوق طاقة كل منهما فلم يستطيعا اختراقه 51.
ولكن سيأتي اليوم الذي يستطيع فيه يأجوج ومأجوج من اختراقه، كما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فعن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: (لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بأصبعيه السبابة والإبهام) ، قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) 52.
والصوم يحتاج الى استطاعة بدنية كي يستطيع الإنسان الاستمرار بالصيام دون أن يكون هناك مشقة أو ضرر يمسه، فإن الله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والصيام استطاعة بدنية محضة.
قال الله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة:4] .
أي: من لم يستطع صوم الشهرين الذي هو استطاعة بدنية لعذر من الأعذار فليطعم ستين مسكينًا.
وقال تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] .
اختلف علماء المسلمين في هذه الآية بين نسخ وعدمه، فقيل: إن الآية تتحدث عن المريض الذي يقع عليه اسم المرض وهو يستطيع الصوم خُيِر بين الصيام وبين أن يفطر ويفتدي ثم نسخ.
وذهب جماعة منهم: أن الآية محكمة غير منسوخة، ومعناها وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب، ثم عجزوا عنه عند الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم 53.
قال بعض المفسرين: إنها ليست بمنسوخة والمقصود هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا، والفدية والجزاء هو القدر الذي يبذله الإنسان، يقي به نفسه من تقصير وقع منه في عبادة ونحوها، ويجب على من أفطر في رمضان ولم يقدر على القضاء، لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من غالب قوت أهل البلد 54.
وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] .
في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا 55.
فمعنى يطيقونه: يتحملونه بمشقة كبيرة إما لكبر سن أو مرض لا يرجى برؤه 56.
فعلى تفسير الإطاقة بالجهد فالآية مراد منها الرخصة على من تشتد عليه مشقة الصوم في الإفطار والفدية، وقد سموا من هؤلاء: الشيخ الهرم، والمرأة المرضع، والحامل، فهؤلاء يفطرون ويطعمون عن كل يوم يفطرونه؛ لأن الصوم شاق عليهم 57.
وللمريض حالتان: إن كان لا يستطيع الصوم كان الإفطار له عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة، وإن الله يحب الأخذ بالرخص، وبهذا قال الجمهور 58.
حين طلب بنو اسرائيل من نبيهم ملكًا يقاتلون تحت إمرته، بعث الله عز وجل لهم طالوت، وسار بهم بجانب النهر طلب منهم ألا يشربوا منه، باستثناء غرفة باليد، أطاعه عدد وعصيه الأغلب؛ لأن الطاقة الجسدية لديهم لم تتحمل الجوع والعطش والتعب، فكانوا فريقين فريق تحمل واستطاع تنفيذ الأمر، وفريق لم يستطع، ولما جاوز طالوت النهر وتركه هو والذين آمنوا معه، وهم القليل الذي نفذ أمره، وصدق إيمانهم بربهم، ونظروا إلى كثرة عدوهم وهم قليلون فأوجس بعضهم خيفة، وقالوا: لا قدرة لنا على محاربتهم، فضلًا عن غلبتهم 59.
قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .
وإن كان القائلون من المؤمنين معه، المنفذين لأمره في اغتراف الغرفة الواحدة من النهر، إلا أنهم قالوه إنما إظهارًا لواقع الحال، ورجاء المعونة من الله عز وجل، وليس نكوصًا وامتناعًا عن القتال 60.
ورأي آخر أنهم قالوه خيفة وجبنًا بعدما رأوا عدد وقوة العدو، أن كيف سيطيقون النصر عليهم وعلى كثرتهم 61.
فردت عليهم الفئة الواثقة بنصر الله، والمخلصة منهم الذين تيقنوا لقاء الله وتوقعوا ثوابه:
{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .
والمراد منه تقوية قلوب الذين قالوا لا قدرة لنا على قتالهم والنصر عليهم، ليعرفوا أنما العبرة ليست بكثرة العدد، إنما العبرة بالتأييد الإلهي، والنصر السماوي الذي لا يأتي إلا من عند الله.
ثالثًا: الاستطاعة المالية:
والاستطاعة المالية: هي قدرة الشخص في القيام بأداء الواجبات المالية، مثل: الزكاة، وصدقة الفطر، والهدي في الحج، والنفقة، والجزية، والكفارات المالية، والنذر المالي، والكفالة بالمال، والإنفاق في سبيل الله.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 36 - 38] 62.
قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] .
الحج هو فرضٌ واجبٌ لله على من استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته الحرام، ولقد فسر علماء التفسير المقصود بالاستطاعة هنا -بالإضافة إلى الاستطاعة البدنية - بالاستطاعة المالية، فتشمل البدن والمال والراحلة والطريق، حتى يتمكن المسلم من أداء فريضة الحج 63.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] . قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: (الزاد والراحلة) 64.
كذلك يدخل ضمن الاستطاعة المالية أن يكون معه نفقته ونفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه، وألا يكون عليه دين 65.
فلا حج على المريض والمقعد والمفلوج والأعمى وإن وجد قائدًا، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه، والمحبوس، والممنوع من قبل السلطان الجائر عن الخروج إلى الحج؛ لأن الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج 66.
وفي سياق الحديث عن النفقة تتحدث الآية التالية عن الاستطاعة المالية في مقدار الإنفاق عليهم، قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 233] .
وبما أن نفقة الولد تجب على والده بحكم الشرع، ونظرًا إلى أن تغذية ابنه الرضيع لا تتم إلا عن طريق الرضاعة التي تقوم بها والدته، أو من ينوب عنها في إرضاعه، فقد أوجب الله عز وجل على والد الرضيع أن ينفق على والدته أو مرضعته من غير تقتير ولا إسراف، في حدود استطاعته وعلى قدر حاله من سعة أو ضيق.
ويشمل الإنفاق كل ما يلزم لمعيشتها وكسوتها من غير تفريط ولا إفراط، ويظهر وجه الحاجة إلى لزوم هذه النفقة بالنسبة للأم التي طلقها الأب قبل ولادة الطفل 67.
فمن سنته سبحانه وتعالى أن لا يكلف عباده في جميع التكاليف إلا بما يطيقونه ويقدرون عليه كي لا يتذمروا ويمتنعوا وتكون عاقبتهم وخيمة.
وقال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 6 - 7] .
يتحدث عز وجل في هذه الآية عن قضية إرضاع الطفل من أمه بعد الطلاق وطلبها للأجرة، فتحث الآية الكريمة الزوج على النفقة على الزوجة والأولاد على قدر ما آتاه الله من المال، فقد علم -سبحانه- تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر، وأن منهم الموسع والمقتر وبين ذلك، فأمر كلًا أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها فإنه تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وفي هذه الآية تطييب لقلب المعسر؛ ولذلك وعد له باليسر، فقال: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] .
فالحديث في هذه القضية عن الاستطاعة المالية 68.
وقد علل المنافقون عدم خروجهم للقتال مع رسول الله عز وجل بعدم الاستطاعة المالية.
قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42] .
تخلف المنافقون عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة تبوك وكانت حججهم واهية ضعيفة، حيث عللوا عدم الخروج بعدم وجود الإمكانات المادية للقتال، والله عز وجل يعلم نفاقهم، وبيَن كذبهم بأنه إن كانت الشقة قريبة، والمغانم دانية، أخذوا مكانهم في صفوف المسلمين من أجل عرض فان في الدنيا وما تذرعوا بعدم وجود المال 69.
وليست هذه سبيل المؤمنين المجاهدين ولا غاياتهم، وإنما سبيلهم قائمة على نية منعقدة أبدًا على الجهاد والاستشهاد في سبيل الله عز وجل، ومن كانت تلك سبيله، وهذه غايته، فإنه لا ينظر إلى مغنم وكسب مادي، وإنما همه الأكبر وغايته القصوى الانتصار لدين الله، وإعزاز كلمة الله عز وجل.
وفي الحديث عن الفقراء الذين لم يستطيعوا القتال بسبب فقرهم وقلة ذات اليد يقول عز وجل: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273] .
فسر العلماء قوله تعالى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 273] يعني التجارة 70.
فهم قد حبسهم الفقر وعدم الاستطاعة المالية عن الجهاد، وهو كقوله تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} [التوبة: 91] .
ويحتمل قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] .
أي: حبسوا أنفسهم في طاعة الله، لا يجدون ما يتجرون، ولا ما يحترفون، ولا ما يكتسبون.
وقيل المقصود {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، يعني: النفقة والصدقة للفقراء الذين حبسوا أنفسهم في طاعة الله، وهم أصحاب الصُفَة كانوا نحوًا من أربعمائة رجل، جعلوا أنفسهم للطاعة، وتركوا الكسب والتجارة 71.
وقال ابن عباس: «هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله فقال: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 273] يريد: الجهاد» 72.
قال قتادة: إنهم هم هؤلاء حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله، لا يستطيعون ضربًا في الأرض، تركوا الخروج للتجارة والمعاش، ووقفوا أنفسهم على الحرب، لا يتفرغون للتجارة وطلب المعاش، وهم أهل الصفة 73.
وقيل: حبسوا أنفسهم على طاعة الله عز وجل.
وقيل: حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله 74.
وقيل: هؤلاء قوم أصيبوا بجراح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله، فصاروا لا يقدرون على القتال أحصرهم المرض الضرب في سبيل الله للجهاد 75.
إن النصر على أعداء الله يحتاج إلى إعداد جيش قوي بعدده وعدته، أخذًا بالأسباب، وهذا الإعداد يحتاج إلى قوة مالية؛ لكي يتمكن الجيش من شراء المعدات اللازمة لتكوين أي جيش، وفي هذا السياق يقول تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال:60] .
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] : (ألا إن الرمي هو القوة، ألا إن الرمي هو القوة) 76.
ويقول الماتريدي في تفسيره لهذه الآية: «ادفعوا العدو عن أنفسكم؛ لما لعلهم يقصدون أنفس المؤمنين المقاتلين، أو ادفعوا عن أموالكم وذراريكم ويقصدون ذلك، أو ادفعوا عن دينكم إذا قصدوا دينكم، كل ما يتقوى به على حرب العدو من آلة الجهاد فهو مما عنى الله بقوله: {مِنْ قُوَّةٍ} والمفسرون يقولون: يعني السلاح من السيف والرماح والقسي والنشاب» 77.
وكذلك بيَن ابن كثير أن المقصود هو أمر الله عز وجل بإعداد آلات الحرب لمقاتلة أعداء الله حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة فقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [الأنفال: 60] 78.
فالإعداد لقتال أعدائنا يكون في جميع أنواع القوة: المادية، والمعنوية، وإنما خصص الله عز وجل ذكر القوة هنا؛ لأنه لم يكن للمؤمنين في غزوة بدر استعداد تام للقتال، فنبهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان ولم يكن هناك إعداد ونصر إلا بالمال، ولا سبيل إليه إلا بالإنفاق المطلق، كل على قدر طاقته وإيمانه، مع كامل الحق على التسابق فيه والعمل على إحراز ثوابه الكبير والأجر الحسن المعد للمنفقين يوم القيامة 79.
ويحسن بنا كمسلمين أن نعرف حدود التكليف بإعداد هذه القوة التي أمرنا بها، فهي حدود الطاقة إلى أقصاها، بحيث لا تقعد وتتقاعص العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها 80.
ونستدل من الآيات السابق ذكرها:
1.لابد أن يكون الإنسان مهيأ للقيام بالتكاليف الدينية، كي تتم على أحسن حال دون ملل أو تعب ويستشعر المرء بلذة العبادة.
2.كي يستطيع المرء القيام بالتكاليف يجب أن تكون لديه القدرة البدنية على القيام بها، من صلاة وحج وصيام وغير ذلك.
3.هناك بعض العبادات لا تقوم إلا بالإنفاق وبذل المال، مثل: التصدق والحج والجهاد في سبيل الله.
4.التأني في فهم النصوص القرآنية والتدبر فيما يريده الله عز وجل منا وعدم التعجل في إصدار الأحكام، ففي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 129] .
5.من الناس من يحكم من خلال هذه الآية بعدم التعدد ومحاربته من منطلق قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?چ) [النساء: 129] .
6.وهذا مفهوم خاطئ ولَيٌ لأعناق الآيات لتوافق أهواء البعض؛ لأن المقصود هو عدم الاستطاعة في العدل من قبل الرجل، لأنه لابد أن يميل قلبه لواحدة دون الأخرى، وإذا تحول قلب الرجل عن المرأة لا يعطيها حقها في الفراش.