فهرس الكتاب

الصفحة 1607 من 2431

و العدل مع القرابة: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152] .

والعدل مع هؤلاء جميعا في دائرة واحدة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135] .

والعدل بين المتخاصمين والمتقاتلين من المؤمنين: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] .

ثم ينتهي بالعدل مع الأمم الأخرى، فيشمل البشرية كلها بعدله ورحمته: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] .

وقد تضافرت الأدلة الشرعية والعقلية والواقع التاريخي العملي على تقرير هذا المبدأ والدعوة إليه بوسائل متعددة:

فمن القرآن الكريم: أرست الآيات القرآنية هذا الأصل الكبير، وجعلته قاعدة عامة مطلقة، لا تختص بأمر من الأمور ولا قوم من الأقوام. فقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] .

وقال تعالى في الحكم بما أنزل الله، و هو الحق والعدل: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 42] .

وفي المعاملة مع الأعداء؛ لا يجوز أن تحملنا العداوة لهم والبغضاء على أن نَنْتَكِبَ جادة العدل؛ فإن شريعة الله تعالى هي شرعة الحق والعدل المطلق. قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .

كما حكت الآيات القرآنية واقعة عملية؛ حيث نزلت لتبرئ ساحة يهودي اتهم بالسرقة، بل نزلت لتقيم ميزان العدالة الذي لا يميل مع الهوى ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيًّا كانت الملابسات والأحوال، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم ألا يجادل عن الذين اتهموا اليهودي بذلك؛ لأنهم يختانون أنفسهم 160.

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 105 - 107] .

وفي ظلال هذه الآيات الكريمة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: هذه الآيات تحكي قصةً لا تعرف لها الأرض نظيرًا، ولا تعرف لها البشرية شبيهًا، وتشهد وحدها بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله؛ لأن البشر -مهما ارتفع تصورهم، ومهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم- لا يمكن أن يرتفعوا بأنفسهم إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات إلا بوحي من الله.

هذا المستوى الذي يرسم خطًا على الأفق لم تصعد إليه البشرية إلا في ظل هذا المنهج، ولا تملك الصعود إليه أبدًا إلا في ظل هذا المنهج كذلك، إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة، التي تحويها جعبتهم اللئيمة، على الإسلام والمسلمين والتي حكت هذه السورة -النساء- وسورة البقرة وسورة آل عمران جانبًا منها ومن فعلها في الصف المسلم.

في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب ويؤلبون المشركين ويشجعون المنافقين، ويرسمون لهم الطريق ويطلقون الإشاعات ويظللون العقول ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه؛ ليهاجموه من الخارج والإسلام ناشئ في المدينة، ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها في النفوس، ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم تمثل خطرًا حقيقيًّا على تماسك الصف المسلم وتناسقه.

في هذا الوقت الحرج الخطر الشديد الخطورة كانت هذه الآيات كلها تتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الجماعة المسلمة؛ لتنصف رجلًا يهوديًّا اتهم ظلما بسرقة؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة، والأنصار يومئذ هم عدة الرسول صلى الله عليه وسلم وجنده في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة.

أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي؟! ثم أي كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى؟ وكل كلام، وكل تعليق، وكل تعقيب يتهاوى دون هذه القمة السامقة التي لا يبلغها البشر وحدهم، بل لا يعرفها البشر وحدهم إلا أن يقادوا بمنهج الله إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء.

إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء تآمرت عليه عصبة؛ لتوقعه في الاتهام -وإن كانت تبرئة بريء أمرًا هائلًا ثقيل الوزن في ميزان الله- إنما كانت أكبر من ذلك، كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيًا كانت الملابسات والأحوال.

وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد، وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية في كل صورها حتى في صورة العقيدة، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس وإقامة هذا المجتمع الجديد الفريد في تاريخ البشرية على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات، ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس على هذا النحو العنيف المكشوف.

كان هناك أكثر من سبب لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم. ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج؛ كان هناك سبب واضح عريض أن هذا المتهم «يهودي» من يهود، يهود التي لا تدع سهمًا مسمومًا تملكه إلا أطلقته في حرب الإسلام وأهله، يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين في هذه الحقبة ويشاء الله أن يكون ذلك في كل حقبة، يهود التي لا تعرف حقًا ولا عدلًا ولا نصفة، ولا تقيم اعتبارًا لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق.

وكان هنالك سبب آخر: وهو أن الأمر في الأنصار، الأنصار الذين آووا ونصروا، والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن، بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي يبعد شبح الشقاق.

وكان هنالك سبب ثالث: هو عدم إعطاء اليهود سهمًا جديدًا يوجهونه إلى الأنصار، وهو أن بعضهم يسرق بعضًا، ثم يتهمون اليهود، وهم لا يدعون هذه الفرصة تفلت؛ للتشهير بها والتغرير، ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله، كان أكبر من كل هذه الاعتبارات الصغيرة، الصغيرة في حساب الإسلام.

كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة؛ لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية، وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية، وحتى يمحص كيانها تمحيصا شديدا وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية، وحتى يقام فيها ميزان العدل؛ لتحكم به بين الناس مجردًا من جميع الاعتبارات الأرضية، والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئًا كبيرًا لا يقدرون على تجاهله.

واختار الله سبحانه هذا الحادث بذاته، في ميقاته مع يهودي من يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين إذ ذاك في المدينة والتي تؤلب عليهم المشركين، وتؤيد بينهم المنافقين، وترصد كل ما في جعبتها من مكر وتجربة وعلم لهذا الدين، وفي فترة حرجة من حياة المسلمين في المدينة، والعداوات تحيط بهم من كل جانب، ووراء كل هذه العداوات يهود.

اختار الله هذا الحادث في هذا الظرف؛ ليقول فيه سبحانه للجماعة المسلمة ما أراد أن يقول، وليعلمها به ما يريد لها أن تتعلم، ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة، ولا للكياسة، ولا للسياسة، ولا للمهارة في إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء، ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية، ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها.

هنا كان الأمر جدًّا خالصًا، لا يحتمل الدهان ولا التمويه وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله، وأمر هذه الأمة التي تعد؛ لتنهض بهذا المنهج وتنشره، وأمر العدل بين الناس، العدل في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس -بل لا يعرفه الناس- إلا بوحي من الله، وعون من الله.

وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة -في جميع الأمم على مدار الزمان- فيراها هنالك، هنالك في السفوح ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخورًا متردية، هنا وهناك، من الدهاء والمراء، والسياسة، والكياسة، والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة إلى آخر الأسماء والعنوانات فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها الدود.

وينظر الإنسان مرة أخرى فيرى نماذج الأمة المسلمة وحدها صاعدة من السفح إلى القمة تتناثر على مدار التاريخ، وهي تتطلع إلى القمة التي وجهها إليها المنهج الفريد.

أما العفن الذي يسمونه «العدالة» في أمم الجاهلية الغابرة والحاضرة، فلا يستحق أن نرفع عنه الغطاء في مثل هذا الجو النظيف الكريم» 161.

وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ما يؤكد ذلك، فهي تلزم الحاكم بالعدل وترتب على ذلك عظيم الأجر والثواب، وتنهى عن الظلم وتبين آثاره على الظالمين، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعةٌ يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عدل، وشاب نشأ في عبادة الله.) 162.

وقال عليه الصلاة والسلام: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) 163.

وقال أيضًا: (إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسًا: إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأبعدهم منه مجلسًا: إمام جائر) 164.

وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) 165.

من الوقائع في العدل المطلق في الإسلام، والذي لا يفرق بين الناس في إقامة أحكام الشريعة في الحدود ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها (أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أتشفع في حدٍ من حدود الله) ثم قام فاختطب ثم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها) 166.

وقال تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] .

ثم جاء الواقع التاريخي شاهدًا صادقًا على ذلك، والأمثلة على هذا كثيرةٌ تعز على الحصر، حسبنا منها الإشارة إلى واقعتين اثنتين:

الأولى: حكم القاضي جُمَيْعُ بن حاضر على جيش المسلمين في الخروج من سمرقند بعد فتحها دون إنذار؛ تحقيقًا لهذا العدل المطلق. فلما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، قال أهل سمرقند لسليمان بن أبي السري -عامل عمر على تلك البلاد-: إن قتيبة بن مسلمٍ قد غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف. فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكو ظلامتنا، فإن كان لنا حقٌ أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة، فأذن لهم، فوجهوا منهم قومًا فقدموا على عمر، فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر.

فكتب عمر إلى سليمان بن أبي السري: إن أهل سمرقند قد شكوا إلي ظلمًا أصابهم، وتحاملًا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم. فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. قال: فأجلس لهم القاضي جميع بن حاضر الناجي، فحكم بإخراج المسلمين إلى معسكرهم، وأن ينابذوهم بعد ذلك على سواء، فيكون صلحًا جديدًا أو ظفرًا عنوة. فقال أهل سمرقند: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم وأمنونا وأمناهم، فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة، فنرضى بما كان ولا نجدد حربًا، فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا 167.

والثانية: حين رد أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على أهل الذمة في بلاد الشام ما جبي منهم من الجزية والخراج؛ لأنه كان قد اشترط لهم أن يمنعهم ويدافع عنهم، وهو لا يقدر على ذلك لما رأى تجمع الروم، وقال لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم. فلما قال لهم ذلك وردوا عليهم الأموال التي جبوها منهم، قالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم. فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئًا وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئًا 168.

ونضع هنا كلمة مضيئة منصفة لشيخ الإسلام ابن تيمية في أثر العدل في قيام الأمم والحضارات وأثر الظلم في سقوطها، قال رحمه الله:

«وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس ذنبٌ أسرع عقوبةً من البغي وقطيعة الرحم) 169. فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة» 170.

هذا بينما تقوم الدول الاستعمارية -في القديم والحديث- على الأنانية المفرطة وحب الذات، والظلم والعدوان، ففي السياسة الداخلية كثيرًا ما نجد التفرقة بين البيض والملونين في الحقوق والامتيازات، وبين أولئك الذين ينحدرون من أصول معينة وبين غيرهم من الأجناس في البلاد التي تتشدق بالعدالة والديمقراطية إلى زمن قريب. ومن المؤسف أن هذه السيئات والانحرافات عند أولئك القوم نجدها في واقعنا المعاصر رغم أن الإسلام يجعل العدل -كما رأينا- قيمة من أعلى القيم.

أما في العلاقات الخارجية وفي التعامل الدولي فتقوم تلك الدول الاستعمارية باستغلال الشعوب الضعيفة واستنزاف خيراتها، وإفساد عقائدها وأخلاقها؛ لتسهل السيطرة عليها، شأنها في ذلك شأن الأناني في علاقته مع الناس، وهذا كله مما يثير الصراع ويفشي الظلم، ويسوغ الغدر، ويبرر الواسطة -مهما كانت- بالغاية الأنانية التي تستهدف المصلحة الخاصة مهما كان الضرر الذي تلحقه بالغير. وواقع العلاقات الدولية اليوم شاهد ناطق بذلك، وما قضايا المسلمين في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان والشيشان والفلبين وفي البوسنة وغيرها في بقاع كثيرة من العالم ببعيدة عنا.

ثالثًا: تحرير الإنسان من العبودية لغير الله:

إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد، وذلك بإعلان ألوهية الله وحده سبحانه وربوبيته للعالمين إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابا من دون الله إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب، ويقوم الناس منهم مقام العبيد إن معناه تحطيم مملكة البشر؛ لإقامة مملكة الله في الأرض.

أو بالتعبير القرآني الكريم: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: 84] .

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] .

{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .

والدولة الإسلامية لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال في ما يعرف باسم الثيوقراطية أو الحكم الإلهي المقدس، ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة.

وقيام الدولة المسلمة في الأرض، وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان؛ لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان. وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت