وكل نظام يتجاهل حقيقة الأسرة الطبيعية هو نظام فاشل ضعيف، مزور الأسس، لا يمكن أن يعيش! ونظرًا للفوضى في علاقات الأسرة في الجاهلية، والفوضى الجنسية كذلك التي تخلف عنها أن تختلط الأنساب، وأن يجهل الآباء في بعض الأحيان، فقد يسر الإسلام الأمر -وهو بصدد إعادة تنظيم الأسرة، وإقامة النظام الاجتماعي على أساسها-؛ فقرر في حالة عدم الاهتداء إلى معرفة الآباء الحقيقيين مكانًا للأدعياء في الجماعة الإسلامية، قائمًا على الأخوة في الدين، والموالاة فيه» 116.
وقال الطاهر بن عاشور: «وضمير {هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} عائدٌ إلى المصدر المفهوم من فعل {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} أي: الدعاء للآباء، وجملة: {هُوَ أَقْسَطُ} استئنافٌ بيانيٌ، كأن سائلًا قال: لماذا لا ندعوهم للذين تبنوهم؟ فأجيب ببيان أن ذلك القسط، فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة، أي: هو قسطٌ كاملٌ، وغيره جورٌ على الآباء الحق والأدعياء؛ لأن فيه إضاعة أنسابهم الحق.
والغرض من هذا الاستئناف تقرير ما دل عليه قوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] ؛ لتعلم عناية الله تعالى بإبطال أحكام الجاهلية في التبني، ولتطمئن نفوس المسلمين من المتبنين والأدعياء ومن يتعلق بهم بقبول هذا التشريع الذي يشق عليهم إذ ينزع منهم إلفًا ألفوه» 117.
وقال الشعراوي: «المعنى: إن كنتم جعلتم من العدل والمحبة أن تكفلوا هؤلاء الأولاد، وأن تنسبوهم إليكم، فهذا عدل بشريٌ، لكن حكم الله أعدل وأقسط، وشرفٌ لرسول الله أن يرد الله حكمه إلى حكم ربه، وشرفٌ لرسول الله أن يكون له الأصل في المسألة، وأنه يحكم، فيرد الله حكمه إلى حكمه، فهذا تكريم لرسول الله.
فقوله تعالى: {هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} يعني: أن فعل محمد كان قسطًا وعدلًا بقانون البشر، وقد جاء محمد ليغير قوانين البشر بقوانين رب البشر، وبهذا خرج سيدنا رسول الله من هذا المأزق» 118.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) } [البقرة: 178 - 179] .
قال ابن كثير: «يقول الله تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون، حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم، وغيروا حكم الله فيهم.
فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل المفسدين المحرفين المخالفين لأحكام الله فيهم كفرًا وبغيًا» 119.
وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] .
قال السعدي: «النهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار ونحوها لغير مصلحة تعود للمسلمين» 120.
وقال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] .
{وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي: متساوية 121.
وقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] .
قال القاسمي: «حكم الله سبحانه وتعالى في دماء المسلمين أنها كلها سواء، خلاف ما عليه أهل الجاهلية» 122.
رابعًا: العدل بين الجنسين:
جعل الإسلام المرأة عضوًا في المجتمع الإسلامي مساويًا للرجل، ففي آيات كثيرة نجد النساء يذكرن إلى جانب الرجال، ويخاطبن كما يخاطبون.
وقد حل الإسلام بهذه المساواة مشكلة الطبقات في المجتمع الإنساني التي قامت على أسس توجب لظلم.
قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195] .
وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124] .
وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 71 - 72] .
وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] .
وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58] .
وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] .
وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] .
قال محمد رشيد رضا: «المقصد التاسع من فقه القرآن: إعطاء النساء جميع الحقوق الإنسانية والدينية والمدنية.
كان النساء قبل الإسلام مظلوماتٍ ممتهناتٍ مستعبداتٍ عند جميع الأمم وفي جميع شرائعها وقوانينها، حتى عند أهل الكتاب، حتى جاء الإسلام، وأكمل الله دينه ببعثة خاتم النبيين محمدٍ عليه أفضل الصلاة والسلام، فأعطى الله النساء بكتابه الذي أنزله عليه، وبسننه التي بين بها كتاب الله تعالى بالقول والعمل، جميع الحقوق التي أعطاها للرجال، إلا ما يقتضيه اختلاف طبيعة المرأة ووظائفها النسوية من الأحكام، مع مراعاة تكريمها والرحمة بها والعطف عليها.
قد أبطل الإسلام كل ما كان عليه العرب والعجم من حرمان النساء من التملك، أو التضييق عليهن في التصرف بما يملكن، واستبداد أزواج المتزوجات منهن بأموالهن، فأثبت لهن حق الملك بأنواعه والتصرف بأنواعه المشروعة، فشرع الوصية والإرث لهن كالرجال، وزادهن ما فرض لهن على الرجال من مهر الزوجية والنفقة على المرأة وأولادها وإن كانت غنيةً، وأعطاهن حق البيع والشراء والإجارة والهبة والصدقة وغير ذلك.
ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها كالدفاع عن نفسها بالتقاضي وغيره من الأعمال، وأن المرأة الفرنسية لا تزال إلى اليوم مقيدةٌ بإرادة زوجها في جميع التصرفات المالية، والعقود القضائية.
وجملة القول: أنه ما وجد دينٌ ولا شرعٌ ولا قانونٌ في أمةٍ من الأمم أعطى النساء ما أعطاهن الإسلام من الحقوق والعناية والكرامة، أفليس هذا كله من دلائل كونه من وحي الله العليم الحكيم الرحيم لمحمدٍ النبي الأمي المبعوث في الأميين؟ بلى، وأنا عن ذلك من الشاهدين المبرهنين، والحمد لله رب العالمين» 123.
خامسًا: العدل بين المؤمنين والكافرين:
قال ابن القيم: «فصل: النوع الثاني عشر 124: إنكاره سبحانه أن يسوى بين المختلفين، أو يفرق بين المتماثلين، وأن حكمته وعدله يأبى ذلك، أما الأول فكقوله: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36] .
فأخبر أن هذا حكم باطل جائر يستحيل نسبته إليه، كما يستحيل نسبة الفقر والحاجة والظلم إليه، ومنكرو الحكمة والتعليل يجوزون نسبة ذلك إليه، بل يقولون بوقوعه؟
وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] .
وقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] .
فجعل سبحانه ذلك حكمًا سيئًا يتعالى ويتقدس عن أن يجوز عليه» 125.
وقال محمد رشيد رضا: «تدل آياتٌ على الحساب والجزاء العام بالقسط على حسب تأثير الأعمال في النفوس، فمن دسى نفسه وأبسلها، لا يمكن أن يكون عند الله كمن زكى نفسه وأسلمها، ولا يمكن أن يقول عاقلٌ: إن نفوس من لم تبلغهم الدعوة الصحيحة تكون سواءً مهما اختلفت عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، فإن هذا مخالفٌ لحكم العقل وإدراك الحس، إذ لم توجد ولا توجد أمةٌ إلا وفيها الصالحون والطالحون، والأبرار والفجار، والذين يؤثرون ما يرونه من الهدى على داعية الشهوة والهوى والعكس، فهل يكون الفريقان عند الحكم العدل سواءً؟ {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} [المائدة: 100] .
{مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 24] » 126.
وقال كذلك: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران:182] أي: ذلك العذاب إنما يصيبكم بعملكم، وبكونه تعالى عادلًا في حكمه وفعله لا يجور ولا يظلم، فيعاقب غير المستحق للعقاب، ولا يجعل المجرمين كالمتقين، والكافرين كالمؤمنين، فلو كان سبحانه ظلامًا لجاز ألا يذوقوا ذلك العذاب على كفرهم به، واستهزائهم بآياته، وقتلهم لأنبيائه بأن يجعلوا مع المقربين في جنات النعيم؛ وإذًا لكان الدين عبثًا {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] .
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] .
{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36] .
فالاستفهام الإنكاري في هذه الآيات يدل على أن ترك تعذيب أولئك الكفرة الفجرة هو من المساواة بين المحسن والمسيء، ووضع الشيء في غير موضعه، وناهيك به ظلمًا كبيرًا» 127.
وقال الشنقيطي: «نفى الله سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم، فقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36] .
وأخبر أن هذا حكمٌ باطلٌ في الفطر والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] .
وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] .
أفلا تراه كيف ذكر العقول، ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم» 128.
وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 19 - 22] .
وقال تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر: 20] .
ومثل هذه الآيات كثير، كما هو معلوم، ومذكور في كتب الوجوه والنظائر 129.
سادسًا: عدل بين المؤمنين وتفاضلهم في الدرجات:
قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] .
أي: لا يكونون سواء.
قال ابن العربي: «من سبق أكرم عند الله مرتبةً، وأوفى أجرًا، ولو لم يكن للسابق من الفضل إلا اقتداء التالي به، واهتداؤه بهديه، فيكون له ثواب عمله في نفسه، ومثل ثواب من اتبعه مقتديًا به؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن سنةً حسنةً في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا) » 130.
وقال كذلك: «نفى الله سبحانه المساواة بين من أنفق من قبل فتح مكة وبين من أنفق بعد ذلك؛ لأن حاجة الناس كانت قبل الفتح أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنافقين أشق، والأجر على قدر النصب، إذا ثبت انتفاء المساواة بين الخلق وقع التفضيل بين الناس بالحكمة والحكم؛ فإن التقدم والتأخر يكون في الدين، ويكون في أحكام الدنيا» 131.
وقال ابن عثيمين: « {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء، وانتبه دين العدل في العمل والجزاء، وليس كما يقول المحدثون: «إنه دين المساواة» هذا غلط عظيم، لكن يتوصل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول: المرأة والرجل، والمؤمن والكافر سواء، ولا فرق، وسبحان الله! إنك لن تجد في القرآن كلمة المساواة بين الناس، بل لابد من فرق، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] . وآيات كثيرة».
وقال أيضًا: « {أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} وذلك لأن الأولين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام، وكان الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم؛ فكانوا أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، والله سبحانه وتعالى يجزي بالعدل بين عباده، ولكن لما كان تفضيل السابقين قد يفهم منه أن لا فضل للاحقين قال: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} أي: كلٌ من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعدهم الله الحسنى يعني: الجنة» 132.
وقال تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] .
وقال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] .
وقال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} [فصلت: 34] .
سابعًا: العدل في عدم تحمل أحد وزر غيره:
قال الجصاص: «قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] .
هو مثل قوله تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] .
وقوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} [النجم: 39 - 40] .
وفيه الدلالة على أن كل واحد من المكلفين فأحكام أفعاله متعلقةٌ به دون غيره، وأن أحدًا لا يجوز تصرفه على غيره، ولا يؤاخذ بجريرة سواه، فهذا هو العدل الذي لا يجوز في العقول غيره» 133.
وقال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] .
قال ابن العربي: «المعنى لا تحمل نفسٌ مذنبةٌ عقوبة الأخرى؛ وإنما تؤخذ كل نفسٍ منهم بجريرتها التي اكتسبتها، كما قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] » 134.
وقال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134، 141] .
تكررت هذه الآية الكريمة في موطنين من كتاب الله؛ ولهذا التكرار سر جمال، يوضحه لنا محمد رشيد رضا، فيقول: « {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وإنما تسئلون عن أعمالكم، وتجازون عليها، فلا ينفعكم ولا يضركم سواها، وهذه قاعدةٌ يثبتها كل دينٍ قويمٍ، وكل عقلٍ سليمٍ، ولكن قاعدة الوثنية القاضية باعتماد الناس في طلب سعادة الآخرة، وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين تغلب مع الجهل كل دينٍ وكل عقلٍ، ومع الجهل التقليد المانع من النظر في الأدلة العقلية والدينية جميعًا، اللهم إلا مكابرة الحس والعقل، وتأويل نصوص الشرع، تطبيقًا لهما على ما يقول المقلَدون المتبَعون.
وقد أول المؤولون نصوص أديانهم تقريرًا لاتباع رؤسائهم والاعتماد على جاههم في الآخرة؛ لذلك جاء القرآن يبالغ في تقرير قاعدة ارتباط السعادة بالعمل والكسب وتبيينها، ونفي الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يتأس بهم في العمل الصالح؛ ولذلك أعاد هذه الآية بنصها في مقام محاجة أهل الكتاب المفتخرين بسلفهم من الأنبياء العظام، المعتمدين على شفاعتهم وجاههم، وإن قصروا عن غيرهم في الأعمال.
وفائدة الإعادة تأكيد تقرير قاعدة بناء السعادة على العمل دون الآباء والشفعاء، بحيث لا يطمع في تأويل القول طامعٌ، والإشعار بمعنًى يعطيه السياق هنا وهو: أن أعمال هؤلاء المجادلين المشاغبين من أهل الكتاب مخالفةٌ لأعمال سلفهم من الأنبياء، فهم في الحقيقة على غير دينهم» 135.