فهرس الكتاب

الصفحة 1279 من 2431

-بين الوحي الإلهي الآثار المترتبة على أداء الأمانة في الدنيا والآخرة، وسوف نبينها فيما يأتي:

أولًا: الآثار الدنيوية:

1.الثقة بالأمين:

من أعظم آثار الأمانة الدنيوية أن الأمين يصبح موضع ثقة الناس واحترامهم، والخائن محط سخطهم وحقدهم؛ ولهذا نجد أن الإسلام قد شدد في الأمانة والعهد؛ ليقيم المجتمع على أسس متينة من الخلق، والثقة والطمأنينة، وجعل رعاية الأمانة والعهد سمة النفس المؤمنة، كما جعل خيانة الأمانة، وإخلاف العهد سمة النفس المنافقة والكافرة.

وكلما ازدادت الثقة بين أبناء المجتمع كان ذلك دليلًا على توافر أمانتهم، وسمو أخلاقهم، وشيوع الثقة والتعاون بينهم، وهذا يساعد على تحقيق التكافل الذي هو قاعدة المجتمع الإسلامي، وكذا الاحترام المتبادل لجهود الآخرين، وما يقدمونه من عطاء وإسهام يجعل المجتمع أمة واحدة.

والنفس البشرية تميل بالفطرة إلى التعامل مع الأمين الصادق حتى غير المسلمين يؤثرون الأمين، فقد ورد في قصة أهل نجران لما وافقوا على دفع الجزية.

قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إنا نعطيك ما سألتنا، فابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: (لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين) فاستشرف لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (قم يا أبا عبيدة بن الجراح) 126 فأرسله معهم، وكان أمينًا لهذه الأمة.

ولولا وجود الأمانة لما حصلت الثقة بأي أحد، ففي باب الرسالات لولا صفة الأمانة في الرسل لما حصلت الثقة بما يبلغون عن ربهم، ولما اصطفاهم الله لحمل رسالاته للناس.

وفي باب العلاقة الزوجية لولا وجود الأمانة بين الزوجين لما حصل الثقة بينهما، ولما أمن أحدهما الآخر، ولما عاشا في سعادة وأمن؛ لهذا فالعلاقة بين الزوجين ينبغي أن تقوم على أساس الأمانة المتبادلة في حفظ الأعراض، والأسرار البيتية؛ لكي يتولد الإخلاص والثقة بينهما في كل عمل فيه مصلحة الأسرة، فإذا توفرت الأمانة والإيمان تنشأ الثقة بين الطرفين، ويزول الشك والريبة، ويصبح كل منهما عينًا ساهرة على الأسرة ومصالحها، وإذا فقدت الأمانة، ودخل مرض الشك والريبة بين الزوجين كان ذلك بداية دمار الأسرة، والتفريق بين الأبناء؛ لذلك حرص الإسلام على تعزيز عنصر الأمانة بين أفرادها، فالزوجة التي تحفظ زوجها في عرضها في غيابه، وترعى الأمانة في ماله من الضياع والتبذير، وتحفظ ولده وسائر شئون البيت تكون قد أدت الأمانة، ورعت المسئولية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها) 127.

ولولا وجود الأمانة بين البائع والمشتري لما حصلت الثقة بينهما، ولخاف كل منهما من الآخر، وغش كل منهما الآخر؛ فلهذا كان للأمانة في البيع والشراء دور كبير في طمأنينة النفس، واستتباب الأمن؛ لأن صدق التعامل مع الناس وسيلة لزيادة الحب والتآلف بينهم؛ ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم التجار بالتزام الصدق والتقوى والأمانة؛ لينالوا درجة الشهداء -كما سبق- من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) 128.

وفي باب الشراكة لولا وجود الأمانة بين الشريكين لما حصل الثقة بينهما؛ ولما أمن أحدهما الآخر، ولضيع الشريك الأمانة وخان شريكه الذي ائتمنه، فسرق من مال صاحبه، ولم يخبره بحقيقة البيع والشراء والربح، وإذا فعل ذلك حلت العقوبة، ومحقت البركة.

والمقصود أن بالأمانة توجد الثقة بين الناس، وتشيع في المجتمع الطمأنينة على الأرواح والأعراض والأموال، ومما لاشك فيه أن الثقة روح العمران، وسر النجاح ولا عجب؛ فإنه بالثقة تحسن المعاملة، وتحفظ الحقوق، وتتبدد المطامع، وتكبح الشهوات، وتتلاشى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت