قال تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 21 - 22] .
وفي هذه الآية الكريمة
يرسم الله جل وعلا للمشرك صورته المستقبلية، وهو في حالٍ من الحسرة والندامة، عندما يتبرأ منه الشيطان الذي اتبعه، ويقع بينهما التلاوم والشجار؛ لعله يتبصّر؛ فيختار لنفسه مصيرًا خيرًا من هذا المصير! 63.
سادسًا: أسلوب القصة:
كذلك أيضًا أسلوب القصة، وهو أسلوب من أوسع أساليب القرآن في التوحيد وغيره، وقد عني القرآن بهذا الأسلوب وأكثر منه؛ لما في القصة من تأثير في النفوس، وسهولة في الحفظ، وانتشار وذيوع بين الناس.
وقد قصّ الله جل وعلا في القرآن الكريم من قصص الأنبياء وأخبارهم، وما تعرضوا له في سبيل الدعوة إلى التوحيد من صعابٍ ومشاقٍّ، وفي ثنايا ذلك: قص علينا القرآن الكريم محاوراتهم ومجادلاتهم مع ذوي الكفر والعناد والتجبّر، وما أظهره الله على أيدي رسله من باهر المعجزات، وصادق الأدلة.
وقد ألمحنا إلى بعض هذه القصص فيما سبق، ونضيف هنا تذكيرًا بقصة أصحاب الأخدود، وقصة أولئك القوم الموحدين المؤمنين الذين لقوا الموت في سبيل عقيدة التوحيد، وقد خلّد الله ذكرهم بهذه الآيات الكريمات، ولعن الكافرين أصحاب تلك الفعلة الشنيعة، مبيّنًا مصير الفريقين.
قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ ثُمَّ لَمْ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج: 1 - 10] .
لقد بيّن الله سبب قتلهم لهؤلاء المؤمنين وهو إيمانهم بالله العزيز الحميد، وعدم إيمانهم بالكفر والوثنية اليهودية وعقائدها المزيفة، والعبرة هنا موجهة بخاصة للكفار من أهل مكة، في هذه القصة القريبة العهد منهم، إما أن يكفوا عن إيذاء محمد وأصحابه المؤمنين الموحدين، ويدخلوا في دينه؛ فيكون لكم جنات تجري من تحتها الأنهار، وإما أن يستمروا على إيذائهم الموحدين من المؤمنين والسخرية بهم، كما صنع ذو نواس بالموحدين، فعندئذ يدخلون مع اليهود في اللعنة والغضب، والوعيد الشديد بعذاب جهنم وعذاب الحريق 64.
1.لقد استوعب القرآن الكريم الاستدلال على صحة عقيدة الوحدانية، وأنها الحق المبين، وأن كل شريك أو معبود مع الله هو كذب وافتراء، بل كلها أصنام وأوهام لا حق فيها، بل لا حقيقة لها في باب الألوهية، ولم يترك القرآن الكريم دليلًا يصلح لخطاب البشر إلا أورده على أتم الوجوه؛ حتى لا نقول: إنه لم يسق الدليل على صحة الوحدانية أو وجوب التوحيد فقط، وإنما أوجب على الناس أن يتدبروا هذه الأدلة، وأن يفهموها ويحصلوها -ولو إجمالًا-؛ حتى يكونوا على بينة في أعظم حقائق الوجود، وحتى يكون إيمانهم على غاية الاستقرار؛ ولذلك نوّع الأدلة في هذا تنويعًا عجيبًا؛ حتى تناسب جميع الناس على اختلاف مستوياتهم وعصورهم 65.
أولًا: الأدلة الوجدانية:
المقصود بالأدلة الوجدانية، أي: النفسية أو الداخلية، هي التي تعتمد في انتزاع الدليل على الوجدانية من داخل الإنسان، لا من خارجه، ومن أعماق شعوره الداخلي ووجدانه الباطني، لا من مدركات حواسه المعروفة.
وهذا الدليل بالغ الأهمية للإنسان، وفي قضية الإيمان بالذات؛ حتى يحاط به من خارجه ومن داخله جميعًا؛ فتمتلئ نفسه يقينًا لا يتسرب إليه ريب ولا قلق، وكم من إنسان امتلأ عقله بالمعارف والأرقام وفنون الإحصاء، وامتلأ عقله بعجائب هذا الكون، ولكنه يمضي متبلّد الإحساس، والسبب في ذلك تعطل وجدانه الداخلي، كما قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ? فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَ?كِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46] .
ومن هنا اهتم القرآن العظيم ببيان هذا الدليل النفسي، وساق الآيات؛ تذكيرًا للناس بهذا الجانب الفذ، الذي أهملوه وعطّلوه وطمروه تحت ركام من الشبهات والشهوات، التي رانت على قلوبهم؛ فأظلمتها وأماتتها.
ونجتزئ بهذه الإشارة إلى دليل الفطرة، فقد تقدّم له فيما سبق مزيد شرح واستفاضةٍ.
ثانيًا: الأدلة الكونية الحسية، والتذكير بنعم الله فيها:
آيات الله جل وعلا وعجائبه في خلقه كثيرة وعظيمة، وأنّى التفت الإنسان ببصره وجد دليل وحدانية الله تعالى ماثلًا أمامه، وإذا مني الإنسان لسببٍ أو آخر بجفاف الفطرة وضمورها، فلم يعد صوتها المنادي له بالتوحيد يصل إلى آذان قلبه، فإنّ القرآن الكريم يرشد الإنسان إلى أدواتٍ أخرى قد تسعفه وتنقذه من ورطة الغيّ والضلال، لقد زوّد الله الإنسان بمداركه وقواه الحسّيّة من سمعٍ وبصرٍ وذوقٍ وشمٍّ ولمسٍ، حواسٌّ يكتشف بها العالم من حوله، ويقف بها على عجائب مصنوعات الله، فلعلّ في ذلك ما يأخذ بناصيته إلى معارج التوحيد، ويرحم أقدامه من مواطئ الشّرك والكفران.
والقرآن الكريم إذ يذكّر الإنسان بهذه الأدلة الكونية الحسية على وحدانية الله تعالى، فإنه كثيرًا ما يسلك -من أجل هذا التذكير والتقرير- سبيل الامتنان بها كنعمٍ وعطايا حبا الله الإنسان بها، فلولاها لم يكن لهذا الإنسان من وجودٍ ولا ذكرٍ، فهي إذًا آياتٌ كبرى تحيط بالإنسان، ونعمٌ عظيمةٌ تستوعب تفاصيل حياته، فكيف له بعد ذلك أن يعمى عن توحيد الله واستحقاقه للعبادة؟!.
وهذا المنهج القرآني لم نتفطّن إليه بالتأمل والتدبر، بل إن القرآن الكريم هو من يشرح بنفسه منهجه هذا، وتأمل في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان: 62] .
وقوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَاهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ? أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَ?هٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ? أَفَلَا تُبْصِرُونَ(72) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [القصص: 71 - 73] .
وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ? إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ?61?ذَ?لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ ? فَأَنَّى? تُؤْفَكُونَ) [غافر: 61 - 62] .
إن الله جل وعلا يربط ربطًا أكيدًا في هذه الآيات بين توجيه النظر إلى التأمل في هذه الآيات الكبيرة، وبين الامتنان بما فيها من النعم العظيمة، وبين دلالتها المفترضة ونتيجتها المتوقعة في توحيد الناس العبادة لله وقيامهم بالشكر له، أو ليس في الليل السرمد والنهار السرمد ما يبعث الخوف في النفس، والحب لمن جعل الليل والنهار خلفة؟! 66.
ولذلك فقد قال تعالى في آية سورة القصص: أي: يرجى ويتوقع منكم أن تشكروا الله على مخالفته بين الليل والنهار؛ فتوحّدوه وتعبدوه.
يقول الطبري: «أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار عليكم رحمة من الله بكم، وحجة منه عليكم؛ فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم بذلك دون غيره، ولمن له القدرة التي خالف بها بين ذلك ... فعل ذلك بكم؛ لتفردوه بالشكر، وتخلصوا له الحمد؛ لأنه لم يشركه في إنعامه عليكم بذلك شريك؛ فلذلك ينبغي أن لا يكون له شريك في الحمد عليه» 67.
وفي آية سورة غافر يقول تعالى بعد ذكر نعمته على الناس: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ?61? ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) ، فأخبر تعالى أن أكثر الناس لا يقومون بشكر نعم الله عليهم والاعتراف بوحدانيته، الذي هو المقصود الأعظم من التذكير بالنعم؛ لقوله تعالى: (ذَ?لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ?) ؛ أي: الذي فعل هذه الأشياء وأنعم بها هو الله الواحد الأحد، الذي لا إله غيره ولا رب سواه، فكيف تعبدون الأصنام التي لا تنعم عليكم؟! 68.
وما من مجالٍ هنا لاستقصاء جميع ما ورد في القرآن من الآيات الكونية، ولا كل ما ورد فيه من نعم امتن الله بها على الإنسان، وإنما الغرض هو التنبيه على الاستدلال بهذا النوع من الآيات والنعم، فنكتفي بما يدل على المقصود.
الصورة الأولى: آيات الأرض والسماء والجبال.
إن الله جل وعلا ليضع الإنسان أمام حقيقة يسيرة (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [غافر: 57] .
بل إنه يسأله سؤالًا فيه إدلال بالتحدي: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ? بَنَاهَا) [النازعات: 27] .
إن كان الإنسان مغترًّا بخلقه اغترارًا؛ أغراه بالجحود والنكران لخالقه أن يشكره ويعبده، فهذه الآيات العظيمة في خلق الأرض والسماء تعرّف الإنسان بحجمه الحقيقي في هذا الكون، وتنبّهه إلى أن الذي خلقها وأبدعها ليس بعاجزٍ عن إحياء الموتى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى? أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى? ? بَلَى? إِنَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الأحقاف:33] .
ومن كان هذا خلقه؛ فهو متعالٍ عن الشريك، كما قال تعالى (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ? تَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ [النحل: 3] .
فأنى يكون له شريك، وقد خلقهما بالحق وهو التوحيد، منفردًا بخلقهما وإبداعهما من غير حاجة لأحد؟! 69.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21 - 22] .
قال ابن كثير: «وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له» 70.
وقال الزمخشري: «أي: هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية؛ فلا تتخذوا له شركاء» 71.
وقال تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: 163 - 164] .
قال الطبري: «وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم، ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم والإنابة من شركهم، ثم عرّفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها موضع استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم، فقال تعالى ذكره: أيها المشركون، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون ألوهيته من الأنداد والأوثان؛ فتدبروا حججي وفكّروا فيها، فإن من حججي خلق السماوات والأرض» 72.
وقال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ? قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [الأعراف: 10] .
يقول الطبري: «ولقد وطّناكم أيها الناس في الأرض، وجعلناها لكم قرارًا تستقرون فيها، ومهادًا تمتهدونها، وفراشًا تفترشونها، (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) تعيشون بها أيام حياتكم من مطاعم ومشارب؛ نعمةً مني عليكم، وإحسانًا مني إليكم (قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ) وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم؛ لعبادتكم غيري واتخاذكم إلهًا سواي» 73.
وقال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الزخرف: 10] .
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ? وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك: 15] .
وقال تعالى: (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) [الذاريات: 48] .
وقال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ?25? أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا) [المرسلات: 25 - 26] .
إن الله سبحانه وتعالى يذكّر عباده بنعمة الأرض التي جعلها لهم كالفراش ممهّدة وموطأة ومستقرة، وهو الذي ذللها لنا؛ للاستفادة من خيراتها، ولولا تذليل الله لها ما استطعنا أن نشق فيها الطرق ولا البناء عليها ولا الحرث ولا سائر أنواع المنافع، والتي منها أن الأموات يكفتون في بطنها، فهي تكنّ الأحياء على ظهرها في المساكن والأموات في القبور، فكأنها كفتت أذى الناس أحياء، وجيفهم أمواتًا 74.
وقال تعالى: (وَأَلقى فِي الأَرضِ رَواسِيَ أَن تَميدَ بِكُم وَأَنهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُم تَهتَدونَ ?15? وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجمِ هُم يَهتَدونَ) [النحل: 15 - 16] .
وقال تعالى: وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [الأنبياء: 31] .
وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) [المرسلات: 27] .
هذه نعمة عظيمة من الله تعالى على عباده، حيث ثبّت الأرض بالجبال؛ حتى لا تميد بأهلها وتضطرب فلا يستطيعون التصرف لمعاشهم؛ لعدم استقرارها.
والجبال كذلك علامات يستدل بها المسافرون برًّا وبحرًا إذا ضلوا الطريق؛ فإنها متنوعة الأشكال والألوان، وقد قال تعالى: (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) [فاطر: 27] .
هذه الآيات الكبرى والنعم العظيمة في الأرض والجبال، توجب على العباد شكر المنعم وتوحيده وعبادته دون الآلهة والأوثان؛ لأنه هو الذي خلقهم، وخلق هذه النعم، فيكون هو وحده المستحق عليهم الطاعة والشكر والعبادة، وقد استعمل موسى عليه السلام هذا الدليل في الدعوة لتوحيد الله فقال لفرعون وقومه: (الَّذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ مَهدًا وَسَلَكَ لَكُم فيها سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجنا بِهِ أَزواجًا مِن نَباتٍ شَتّى?53? كُلوا وَارعَوا أَنعامَكُم إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) [طه: 53 - 54] .75.
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «أي: لدلالات وحججًا وبراهين لأولي النهى، أي: لذوي العقول السليمة على أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه» 76.
الصورة الثانية: آيات الشمس والقمر والليل والنهار.
ويحدثنا القرآن الكريم أيضًا عن نعمة تبادل الليل والنهار، وعما خلق له الليل من نعمة الهدوء والسكون، وعن الشمس والقمر يجريان في دقة ونظام؛ فيحسب الناس بهما حياتهم، وينظمون أعمالهم، وعن النجوم في السماء تزينها كمصابيح، ويهتدي بها السائر في ظلمات البر والبحر.
قال تعالى: (هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمسَ ضِياءً وَالقَمَرَ نورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعلَموا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعلَمونَ ?5? إِنَّ فِي اختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ لَآياتٍ لِقَومٍ يَتَّقونَ) [يونس: 5 - 6] .
في هاتين الآيتين تنبيهٌ على أن الله وحده هو الذي خلق الشمس والقمر والليل والنهار بغير معين ولا شريك، والمتدبر لذلك يعلم حقيقة الوحدانية، قال الطبري: «لقوم يعلمون إذا تدبروها حقيقة وحدانية الله، وصحة ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، من خلع الأنداد، والبراءة من الأوثان» 77.
وانظر هذا التقدير الحكيم بأن جعل الله الليل والنهار مرتبطين بدورة الشمس، فلا يستطيع أحد إيقاف الشمس عن دورتها، أو حبس الليل والنهار عن جزء من الأرض؛ لأن الله وحده هو الذي يتولى ذلك كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ?61? ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [الحج: 61 - 62] .
يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: «فعلت هذا الفعل من إيلاجي الليل في النهار، وإيلاجي النهار في الليل؛ لأني أنا الحق الذي لا مثل لي، ولا شريك، ولا ند، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من دونه هو الباطل الذي لا يقدر صنعة شيء، بل هو المصنوع» 78.
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت: 37] .
يقول ابن كثير: «يقول تعالى منبّهًا خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له، وأنه على ما يشاء قدير: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) أي: أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات، ثم لمّا كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي؛ نبّه تعالى على أنّهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره فقال: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) أي: لا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره؛ فإنه لا يغفر أن يشرك به» 79.
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ?45? ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا) [الفرقان: 45 - 46] .
فهذه نعمة أخرى تتعلق بنعمة الشمس، وهي نعمة الظل، وقد نبّه سبحانه وتعالى عباده لهذه النعمة؛ لما فيها من الفوائد للكائنات جميعها؛ مما يستوجب على الناس الشكر للمنعم؛ لأنه لو شاء سكون الظل وعدم تحوله لفعل، ولما استطاع أحد تحويله.
كما نبّه على ما تتم به فائدة الظل هو قبضه تدريجيًّا، ولولا ذلك لم ينتفع به أهله؛ لأن في مدِّه وتحوله من مكان إلى مكان، ثم قبضه شيئًا فشيئًا من المصالح والمنافع مما لا يحصى، وبسكونه دائمًا أو قبضه دفعة واحدة تتعطل المرافق والمصالح 80.
وقال تعالى عن النجوم: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [النحل: 16] .
وأقسم به: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) [النجم: 1] .
وتمدح الله جل وعلا فقال: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٹ) [النجم: 49] .
بل أقسم بمواقعها في السماء: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ?75? وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة: 75 - 76] .
ولقّبها بمصابيح السماء وبروجها: (وَلَقَد جَعَلنا فِي السَّماءِ بُروجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرينَ ?16?وَحَفِظناها مِن كُلِّ شَيطانٍ رَجيمٍ) [الحجر: 16 - 17] .
(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ) [الملك: 5] .
وأقسم بها: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) [البروج: 1] .
وأقسم بأحد نجومها واستعجب منه: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ?1? وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ?2? النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: 1 - 3] .
أليس في هذه النجوم -وأصغرها قد يفوق شمس الدنيا حجمًا بمرات ومرات- ما يدعو إلى توحيد الله؟!.
لقد أفحم القرآن بهذه الآيات المربوبة المسخّرة من ادّعى الألوهية من البشر إفحامًا لا مخلص له منه، وذلك في الحديث الذي دار بين إبراهيم وهذا الملك، الذي ادعى أنه إله، إذ يقول: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 258] 81.
الصورة الثالثة: آيات ونعم الرياح والسحاب والمطر والنبات.
الرياح آية كبرى ونعمة عظيمة، يقول تعالى: (وَأَرسَلنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنزَلنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسقَيناكُموهُ وَما أَنتُم لَهُ بِخازِنينَ) [الحجر: 22] .
ويقول تعالى: (وَهُوَ الَّذي يُرسِلُ الرِّياحَ بُشرًا بَينَ يَدَي رَحمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّت سَحابًا ثِقالًا سُقناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) [الأعراف: 57] .
وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) [الروم: 48] .
يقول ابن القيم: «فإذا شاء الله حرّكه بحركة الرحمة؛ فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحًا للسحاب يلقحه بحمل الماء، ومن آياته السحاب المسخر بين السماء والأرض كيف ينشئه سبحانه بالرياح؛ فتثيره كسفًا، ثم يؤلف بينه، ويضم بعضه إلى بعض، ثم تلقحه الريح وهي التي سماها -سبحانه- لواقح، ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها؛ أهراق ماءه عليها، فيرسل سبحانه الرياح وهو في الجو، فتذروه وتفرقه؛ لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته، حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه؛ أقلع عنها وفارقها، فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح» 82.
ويقول تعالى: (وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزقًا لَكُم) [إبراهيم: 32] .
وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ?18? فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) [المؤمنون: 18 - 19] .
وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ?48? لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ?49? وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) [الفرقان: 48 - 50] .
وقال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ?68? أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ?69? لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) [الواقعة: 68 - 70] .
إن المطر نعمة عظيمة من الله على عباده؛ لأن حياة الحيوان والنبات متوقفة على الماء، والله وحده هو الذي ينزل علينا الماء من السحاب عذبًا فراتًا، ولم يجعله ملحًا أجاجًا، ثم يسكنه في الأرض؛ فيخرج ينابيع ويجري أنهارًا؛ لسقي الإنسان والحيوان والنبات والثمار في الجنات.
فانظر كيف تتجلى النعمة العظمى بإنزال المطر بالقدر المطلوب، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلًا فلا يكفي الزروع والثمار، وكيف جعل في الأرض قابلية خزنه للاستفادة منه فيما بعد، ولو شاء الله أن لا تمطر السماء لفعل، ولو شاء جعله أجاجًا لفعل، ولو شاء ذهابه في أعماق الأرض بحيث لا ينال لفعل، فامتن الله على عباده إذن بكل هذه النعم؛ منبّهًا إياهم لوجوب شكره.
يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ وَالنَّوى يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنّى تُؤفَكونَ) [الأنعام: 95] .
يقول الطبري: «وهذا تنبيه من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجته عليهم، وتعريفٌ منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياهم، يقول تعالى ذكره: إن الذي له العبادة أيها الناس دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان هو الله، الذي فلق الحب، يعني: شقّ الحب من كل ما ينبت من النبات؛ فأخرج منه الزرع والنوى من كل ما يغرس مما له نواة؛ فأخرج منه الشجر» 83.
ويقول تعالى: (وَهُوَ الَّذي أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيءٍ فَأَخرَجنا مِنهُ خَضِرًا نُخرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخلِ مِن طَلعِها قِنوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِن أَعنابٍ وَالزَّيتونَ وَالرُّمّانَ مُشتَبِهًا وَغَيرَ مُتَشابِهٍ انظُروا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثمَرَ وَيَنعِهِ إِنَّ في ذلِكُم لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنونَ) [الأنعام: 99] .