فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 2431

جرت سنة الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لمن أراد التمكين لهم الوسائل التي يستطيعون من خلالها الحصول على التمكين، وذلك يعني أنه لابد للذي يسعى للحصول على التمكين في الأرض أن يكون صاحب بضاعة تعينه على تحقيق ما يسعى للحصول عليه، وإن أهم ما تحويه تلك البضاعة هو عنصر القوة، وأهمية هذا العنصر تكمن في أنه الوسيلة التي تتم من خلالها عمليتي الحصول، والمحافظة على التمكين، وتنقسم هذه القوة إلى قسمين هما:

الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يهب التمكين لأحد أعطاه القوة.

قال تعالى: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ? وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247] .

والملاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى قد جمع لطالوت بين القوة المادية الجسدية، والقوة المعنوية العلمية، بحيث أنه فاق بما آتاه الله سبحانه وتعالى من القوة أهل زمانه، فكان أهلًا لاختياره ملكًا 58.

وقد قدم الله سبحانه وتعالى قوة العلم على قوة الجسم لبيان أنه لابد من تقديم القوى العقلية على القوى المادية عند استخدام القوة؛ وذلك لتوجيه الطاقات في الاتجاه الصحيح، وعدم تدبيرها وإحسان استثمارها، وفي قصة ملكة سبأ التي أرسل الله إليها سليمان عليه السلام رسالة يدعوها فيها وقومها للإسلام، فاستشارت رؤوس دولتها، فردوا عليها ما مفاده أنهم جاهزون للمواجهة العسكرية (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) [النمل: 33] .

فردت عليهم ردًا يبين رجاحة عقلها، قال تعالى: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ?34? وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) [النمل: 34 - 35] .

وهذا الرد من الملكة يبرز أن تغليب العقل على امتلاك القوة المادية من شأنه أن يحقن الدماء، ويحفظ الممتلكات، ويبقي على السيادة.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالسعي بكل جهد للحصول على أسباب القوة؛ بغية الحصول على التمكين.

قال تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرينَ مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم وَما تُنفِقوا مِن شَيءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لا تُظلَمونَ) [الأنفال: 60] .

وقد دل الله سبحانه وتعالى عباده على أهم الأسباب التي يؤتي الله سبحانه وتعالى عباده من خلاله وهو الاستغفار.

قال تعالى: (وَيا قَومِ استَغفِروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيهِ يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدرارًا وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُم وَلا تَتَوَلَّوا مُجرِمينَ) [هود: 52] .

وفي مقابل ذلك حذر من الوقوع في الآثام والمخالفات التي من شأنها تدمير القوة مهما بلغت، وإزالة التمكين.

قال تعالى مخاطبًا الكفرة الفجرة: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [الروم: 9] .

سادسًا: الأمانة:

جعل الله سبحانه وتعالى الحصول على التمكين أمانة في أعناق المؤمنين، والشواهد على ذلك في القرآن عديدة، منها:

قوله تعالى: (يَا يَحْيَى? خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ? وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم: 12] .

في هذه الآية يأمر ربنا سبحانه يحيى عليه السلام بأن يعرف أحكام الله، وأن يحكم بها وهو صغير 59.

وقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [النساء: 105] .

في هذه الآية يكلف الله سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقضي بين الناس بما علمه من أحكام الدين 60.

وقوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشهُرُ الحُرُمُ فَاقتُلُوا المُشرِكينَ حَيثُ وَجَدتُموهُم وَخُذوهُم وَاحصُروهُم وَاقعُدوا لَهُم كُلَّ مَرصَدٍ فَإِن تابوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلّوا سَبيلَهُم إِنَّ اللَّهَ غَفورٌ رَحيمٌ) [التوبة: 5] .

وفي هذه الآية يأمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين أن يقاتلوا المشركين الناكثين عهودهم مع المسلمين وحبسهم ومحاصرتهم ومطاردتهم، وعدم التسامح معهم إلا في حال توبتهم، وإيمانهم بالله سبحانه وتعالى، وأدائهم حقوق الله سبحانه وتعالى عليهم 61.

ومما سبق يمكن القول بأن الله سبحانه وتعالى استأمن يحيى عليه السلام على الحكم بالكتاب الذي أنزله ليكون هدى للناس، واستأمن محمدًا صلى الله عليه وسلم للقضاء بين الناس بموجب أحكام القرآن، واستأمن المسلمين على المحافظة على بلاد المسلمين وتطهيرها من الفجار، وذلك كله يعني أن الله سبحانه وتعالى استأمن عباده على المحافظة على الإسلام، وتطبيق أحكامه في الأرض من خلال بسط المسلمين سيطرتهم على الأرض وتمكنهم منها.

وقد ذم الله سبحانه وتعالى الذين فرطوا في المحافظة على أمانة التمكين.

قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ? بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [الجمعة: 5] .

والمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد استأمن اليهود والنصارى على حمل التوراة والعمل بموجب أحكامها، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم خانوا هذه الأمانة فهم بذلك كالحمار الذي يحمل الكتب التي تحتوي على العلوم الكثيرة، ولكنه لا يعي منها شيئًا 62.

وحتى يتجنب أتباع محمد صلى الله عليه وسلم تلك المذمة لابد لهم من المحافظة على أعظم أمانة استحفظ الله سبحانه وتعالى عليها الإنسان، وهي أمانة الدين.

قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ? إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً) [الأحزاب: 72] .

ومسئولية الحفاظ على هذه الأمانة العظيمة وإن كانت تقع على عاتق المسلمين جميعًا، إلا أن الجزء الأكبر من هذه المسئولية إنما تقع على العلماء وأولي الأمر من المسلمين، وقد أعانهم الله سبحانه وتعالى على تحمل هذه المسئولية من خلال توجيه الأمر لعامة المسلمين بطاعة أولي أمرهم وعلمائهم.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَ?لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59] .

وقال أيضًا: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى? أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 83] .

والمقصود بالذين يستنبطونه هم: العلماء النحارير 63، وقد أعانهم أيضًا من خلال الحث على طلب العلم الشرعي؛ بغية نشره بين الناس.

قال تعالى: (فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا فِي الدّينِ وَلِيُنذِروا قَومَهُم إِذا رَجَعوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرونَ) [التوبة: 122] .

ومما يدل على أن المسئولية الكبرى في حفظ أمانة الدين تقع على عاتق العلماء والقادة قوله تعالى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة: 63] .

والربانيون هم الولاة والأحبار هم العلماء 64.

ومما يدل على مشاركة عامة الناس للقادة والعلماء في مسئولية حفظ أمانة الدين: ذمه سبحانه وتعالى اليهود والنصارى طاعة علمائهم في معصية الله سبحانه وتعالى والإيغال في ذلك.

قال تعالى: (اتَّخَذوا أَحبارَهُم وَرُهبانَهُم أَربابًا مِن دونِ اللَّهِ وَالمَسيحَ ابنَ مَريَمَ وَما أُمِروا إِلّا لِيَعبُدوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلّا هُوَ سُبحانَهُ عَمّا يُشرِكونَ) [التوبة: 31] .

فعلى العلماء والقادة تقع أمانة التبليغ والتطبيق لأحكام الدين، وعلى العامة الطاعة في غير معصية الله سبحانه وتعالى.

ولا يعني التخصيص لأمانة حفظ الدين بالذكر أن المحافظة على باقي الأمانات أمر ثانوي لحصول التمكين، وإنما كان الاختيار لأمانة حفظ الدين لأمرين مهمين:

الأول: أن الحفاظ على هذه الأمانة هو الأساس لحصول التمكين، يفهم ذلك من تركيز القرآن على الدعوة لحفظ هذه الأمانة العظيمة.

الثاني: أن المحافظة على هذه الأمانة باعث للحفاظ على باقي الأمانات التي هي فرع، ولا انفصال بين الأصل والفرع كما هو معلوم، وبهذا الفهم الدقيق مكن الله سبحانه وتعالى للصالحين في الأرض، ومن الأمثلة على ذلك:

قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ?30? إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ?31? فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ?32? رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) [ص: 30 - 33] .

هذا نبي الله سليمان عليه السلام يشغله حب الخيل وبهاء منظرها عن الصلاة، فيغضب لذلك، ويدرك خطورة الانشغال بمتاع الدنيا عن حفظ أمانة الدين، فيقوم بعقر تلك الخيل 65.

وهذا هو الأساس الذي مكن الله سبحانه وتعالى به لسليمان عليه السلام.

ولما ارتد أناس عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بتركهم للزكاة أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بتحريك الجيوش وقتال المرتدين؛ وذلك ليقينه بضرورة حفظ أمانة الدين من أجل بقاء التمكين للمسلمين 66.

وقد سار المسلمون الأوائل على هذا النهج القويم، وحافظوا على الأمانات التي استحفظ الله سبحانه وتعالى عباده عليها، متأولين بذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى? أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: 58] .

فأمكن الله سبحانه وتعالى لهم حتى وصلت فتوحات المسلمين الصين شرقًا، والمحيط الأطلسي غربًا 67.

سابعًا: العدل:

يمثل العدل أحد أهم الركائز التي يستند إليها للحصول على التمكين مع ضمان بقائه واستمراره، وإن من أهم الدلالات على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر بالعدل وجعله من جوامع الخير.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ وَإيتاءِ ذِي القُربى وَيَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرونَ) [النحل: 90] .

كما أنه سبحانه وتعالى نهى عن الجور، وذلك كما جاء في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا ... ) 68.

والعدل مما أوصى به ربنا جل وعلا في كتابه العزيز.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8] .

والعدل كما هو مفهوم من هذه الآية لابد له من أن يكون بعيدًا عن حظوظ النفس، فلا تؤدي العداوة لقوم إلى عدم إنصافهم 69.

ومما يعلل كون صفة العدل أحد أهم سبل الوصول إلى حالة التمكين أنه لا أحد من الخلق يقبل وقوع الهضم والحيف عليه، ومن ثم فإن النفوس تكره كل ظالم وبالذات إذا كان في موقع النفوذ والسلطان؛ لأن ظلمه يكون أشد وفرص معاقبته تكون محدودة إن لم تكن معدومة، والعكس صحيح، وهذا يعني أنه لابد لمن أراد التمكين في الأرض أن يتصف بالعدل؛ حتى ينال محبة الناس وثقتهم، فيحصل بذلك على ما أراد.

وقد أيقن المسلمون الأوائل أهمية العدل في حصول التمكين فحافظوا عليه، فحفظ الله سبحانه وتعالى عليهم ملكهم، ويسر لهم فتح البلاد، وحبب منهم العباد، ومن الشواهد على عدل الخلفاء الراشدين ما كان يوصي به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلًا: «إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أموالهم، ولكني بعثتكم تقيموا بهم الصلاة، وتحكموا بينهم بالعدل» 70، وغير ذلك من الشواهد كثير.

ثامنًا: التعاون:

العباد مأمورون من الله سبحانه وتعالى بأن يكونوا متعاونين متآزرين في الحق، يدل على ذلك قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2] .

والبر هو ما أمر الله سبحانه وتعالى به، والتقوى هو اجتناب ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه 71.

ومن أبرز ما دعا الإسلام للتعاون من أجل تحقيقه هو الحصول على التمكين، أشار إلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف: 4] .

وهذه دعوة من الله سبحانه وتعالى للمسلمين بالتضامن مع بعضهم البعض لنصرة دين الله سبحانه وتعالى وإعلاء كلمته 72.

ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى هو الطريق إلى تمكين المسلمين في الأرض يؤيد دعوة التناسب بين دعوة المسلمين إلى رص صفوف المجاهدين في سبيل الله سبحانه وتعالى وبين نهي المسلمين عن موالاة الكافرين قبل تلك الدعوة.

فقد قال سبحانه وتعالى في آخر آية من سورة الممتحنة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [الممتحنة: 13] .

ثم قال تعالى في أول سورة الصف التي تلي سورة الممتحنة مباشرة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف: 4] .

يقول المراغي عن مطلع سورة الصف: «ومناسبتها لما قبلها أنها اشتملت على الحث على الجهاد والترغيب فيه، وفي ذلك تأكيد المنهي الذي تضمنته السورة السابقة من اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين» 73.

وطلب المعونة من الغير ممن تجوز الاستعانة بهم في سبيل تحقيق التمكين للمسلمين في الأرض أمر مطلوب، وأولى من يستعان به لذلك هو الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: (وَقالَ المَلَأُ مِن قَومِ فِرعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَومَهُ لِيُفسِدوا فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبناءَهُم وَنَستَحيي نِساءَهُم وَإِنّا فَوقَهُم قاهِرونَ?127? قالَ موسى لِقَومِهِ استَعينوا بِاللَّهِ وَاصبِروا إِنَّ الأَرضَ لِلَّهِ يورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقينَ) [الأعراف: 127 - 128] .

كما أنه يستعان بأسباب القوة المختلفة من أجل تحقيق التمكين.

قال تعالى: (قالوا يا ذَا القَرنَينِ إِنَّ يَأجوجَ وَمَأجوجَ مُفسِدونَ فِي الأَرضِ فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا عَلى أَن تَجعَلَ بَينَنا وَبَينَهُم سَدًّا ?94? قالَ ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ فَأَعينوني بِقُوَّةٍ أَجعَل بَينَكُم وَبَينَهُم رَدمًا) [الكهف: 94 - 95] .

فذي القرنين طلب المعونة من أجل بناء السد على الرغم من أنه صاحب قوة.

وتاريخ المسلمين يشهد بأنهم طلبوا العون في سبيل تحقيق التمكين، ومن ذلك ما حصل في غزوة الأحزاب حيث استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحابي الجليل نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه من أجل تفريق كلمة الأحزاب 74. وغير ذلك من الشواهد كثير.

أولًا: إقامة شعائر الدين:

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وأوكل إليه مهمة الاستخلاف، وهذه المهمة تشمل أمرين أساسيين، هما:

دل على ذلك قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 30] .

فرد الملائكة لما أخبرها ربها جل وعلا أنه سيجعل في الأرض خليفة بقولهم: (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) ، دل على أن الاستخلاف يلزم منه الإصلاح والتعمير، وقولهم: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَٹ) ، دل على أن الاستخلاف يلزم منه العبودية لله سبحانه وتعالى 75.

مما سبق يتبين أن مهمة الخلافة هي مهمة حساسة؛ لكونها شديدة التأثر بما يحيطها من العوامل، وأبرز تلك العوامل هو عامل التمكين، فليس لأحد أن يقوم بمهام الاستخلاف في الأرض إلا إذا كان ممكنًا فيها، ويجب على المؤمنين بمجرد أن يمكن الله سبحانه وتعالى لهم في الأرض أن يسعوا بكل جهد إلى تحقيق مهام الاستخلاف التي أسندها الله سبحانه وتعالى إليهم، وأولى هذه المهام هي مهمة العبادة لله سبحانه وتعالى وحده، وإقامة شعائر دينه.

قال تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 41] .

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وفي مقدمة المؤمنين الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم 76، ومما يشهد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة المنورة قام ببناء المسجد الذي يعتبر المقر الرئيس لإقامة شعائر الدين.

كما حرص الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم على السير على ذات الدرب الذي سار عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم فكان في عهدهم أن جمع القرآن ونقط وشكل، وحورب المرتدون، وفتح بيت المقدس، وعلا دين الله سبحانه وتعالى على ما سواه 77.

ثانيًا: عمارة الأرض:

الإسلام هو دين التعمير والبناء والإصلاح في الأرض، وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أن يعمروا في الأرض، دل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّما يَعمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَم يَخشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَن يَكونوا مِنَ المُهتَدينَ) [التوبة: 18] .

والعمارة هنا نوعان:

الأول: معنوية بالصلاة والاعتكاف والذكر في هذه المساجد.

الثاني: مادية بالبناء والتشييد والتوسيع بهذه المساجد 78.

ودل على وجوب الإصلاح والتعمير في الأرض قوله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) 79.

والمقصود بالعلم هو كل علم نافع سواءً أكان علمًا دينيًا أو دنيويًا، وكما أن علوم الدين تدعو إلى توظيف الإمكانات للبناء والتعمير، فإن علوم الدنيا تشرف مباشرة على ذلك البناء والتعمير.

أولًا: الكفر:

الكفر بأقسامه وأنواعه يؤدي إلى زوال التمكين، يؤيد ذلك قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 17 - 27] .

فهذه الآيات تتحدث عن فرعون وملئه، وعن عاقبة إفسادهم في الأرض، حيث أغرقهم في البحر بعد أن كانوا أهل سيادة في الأرض 80.

ثانيًا: الظلم:

الظلم بأنواعه سبب من أسباب زوال التمكين، يؤيد ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 96 - 101] .

فهذه الآيات تتحدث عن إهلاك الله سبحانه وتعالى لقوم موسى عليه السلام بسبب ظلمهم أنفسهم بالكفر والمعاصي 81.

ثالثًا: كفران النعمة:

مما لا شك فيه أن إنكار ونسيان النعم التي من الله سبحانه وتعالى بها على عباده من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى زوال تلك النعم، ولما كانت نعمة التمكين من أعظم ما يمن به الله سبحانه وتعالى على عباده كان إهمالها ونكرانها أحد أعظم الأسباب التي تؤدي إلى زوال تلك النعمة والحرمان منها.

ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .

وهذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لمن يكون في رغد من العيش وسعة، ثم يكفر بما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه لتكون عاقبته الحرمان من تلك النعم 82.

ونظرًا لخطورة كفران النعمة فقد حذر الله سبحانه وتعالى عباده من الانجرار وراء رغبات نفوسهم التي تأمرهم بالجحود والنكران.

قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6] .

{لَكَنُودٌ} هو الكفور 83 الذي يذكر المصائب، وينسى النعم 84.

وقد أكد الحق جل وعلا بالمؤكدات الثلاث: القسم، وإن، واللام؛ للمبالغة في تحذير الإنسان من كفران النعمة الذي ينجم عن الانصياع للنفس التي تنسى ما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليها، وتذكر ما ابتلاها به فقط، ومن ثم يكون من الواجب على العبد أن يؤدب نفسه، ويذكرها بوافر نعم الله سبحانه وتعالى كلما حرضته على جحود تلك النعم العظيمة، والتي في مقدمتها نعمة التمكين.

رابعًا: ارتكاب الذنوب:

وعد الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين الصالحين المداومين على فعل الطاعات بالغلبة والتمكين في الأرض، فقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

ويفهم من هذا الوعد الإلهي بالمخالفة أن الكفر بالله وإتيان الذنوب يؤديان إلى زوال التمكين.

ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} [الطلاق: 8 - 9] .

والعتو عن أمر الله سبحانه وتعالى إنما يكون بمعصيته وارتكاب الذنوب 85.

لذلك فإنه من الواجب على العباد أن يحذروا من الوقوع في الذنوب؛ لئلا تزول عنهم نعمة التمكين.

موضوعات ذات صلة:

الخلافة، النجاة، النصر

1 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 279، المصباح المنير، الفيومي 2/ 577، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 881.

2 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 111، شمس العلوم، نشوان الحميري 9/ 6361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت