وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاءً حسنًا، ومكانًا كريمًا، وعونًا وتيسيرًا؛ ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة، عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والاستقامة والجد والاجتهاد، أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم مقدمون في الدولة؛ وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون؛ فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد، ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد 16.
قال ابن العربي: «وعلى الملك فرض أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد فرجتهم، وإصلاح ثغرهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي يجمعها خزنتهم تحت يده ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق، وأنفدتها المؤن، واستوفتها العوارض، لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم، وذلك بثلاثة شروطٍ:
1.ألا يستأثر بشيءٍ عليهم.
2.أن يبدأ بأهل الحاجة منهم فيعينهم.
3.أن يسوي في العطاء بينهم على مقدار منازلهم.
فإذا فنيت بعد هذا ذخائر الخزانة وبقيت صفرًا، فأطلعت الحوادث أمرًا بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، فإن لم يغن ذلك، فأموالهم تؤخذ منهم على تقديرٍ، وتصرف بأحسن تدبيرٍ.
فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال قال: لست أحتاج إليه، وإنما أحتاج إليكم فأعينوني بقوةٍ، أي: اخدموا بأنفسكم معي، فإن الأموال عندي والرجال عندكم؛ ورأى أن الأموال لا تغني دونهم، وأنهم إن أخذوها أجرةً نقص ذلك مما يحتاج إليه، فعاد عليهم بالأخذ، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى 17.
ثانيًا: بلوغه مطلع الشمس:
قال تعالى: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [الكهف: 90 - 92] .
بعد رحلةٍ ناجحةٍ بلغ فيها ذو القرنين أقصى الغرب، سلك طريقًا إلى أقصى الشرق ليواصل مسيرته في حمل بشائر الخير ونشر مشاعل النور.
(? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) أي: أقصى الشرق وجدها تطلع على قوم ليس لهم ما يسترهم، لا من البيوت ولا من اللباس، قيل: كانوا حفاة عراة لا يأوون إلى شيء من العمارة؛ وقيل: لأنهم بأرض لا يمكن أن يستقر عليها البناء، أو لما هم عليه من بداوةٍ، وخلوٍ من جميع مظاهر التمدن والرقي.
عن قتادة، في الآية قال: «ذكر لنا أنهم بأرض لا يثبت لهم فيها شيء، فهم إذا طلعت دخلوا في أسراب حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم» 18.
ولا بد أنه رحمه الله وقد حمل مشاعل النور وراية الإصلاح قد ارتقى بتلك البلاد ونهض بها وألحقها بركب الحضارة، فرسالة العبد الصالح رسالة تنوير وتحرير، رسالة إصلاح وتعمير، رسالة نهوض وتطوير.
(ھ ھ ھ ھ ے ے ?) أي: لا يعزب ذو القرنين وجيوشه عن علمنا مهما بلغوا من أصقاع بعيدة وبلادٍ نائيةٍ، ولا يخفى علينا تدبيره وسياسته، فهو مهما شرق أو غرب، في محيط ملك الله الواسع وسلطانه العظيم وتحت قهره وإرادته، وكل هذه البلاد البعيدة التي وصلها ذو القرنين: يعلمها الله تعالى فلا يخفى عليه من أحوالها خافيةٌ، وقد أحاط رب العالمين خبرًا بما لدى ذي القرنين من مواهب وملكات وطاقات وإمكانات تؤهله لارتياد الأقطار قائدًا مظفرًا وحاكمًا عادلًا.
فكما مكن الله تعالى له وهيأ له الأسباب وأعانه على الأخذ به فهو تعالى مطلعٌ عليه محيط بما لديه، خبيرٌ ببواطن الأمور.
ولو شاء الله تعالى لأخبر عن قصته على وجه التفصيل، ولكنه تعالى ذكر شيئًا منها للعظة والاعتبار، فلا يتوهمن أحدٌ أن إيجاز القرآن واقتضابه مما يقدح فيه، بل هو من وجوه بلاغته ومراعاته لمقتضى المقام، فذكر من القصة ما فيه تذكرةٌ، وأشار لذلك في البداية (? ? ? ? ?) .
قال البقاعي: « (ھ ھ) بما لنا من العظمة، (ھ ے) أي: كله من الأمور التي هي أغرب المستغرب، (ے) أي: من جهة بواطن أموره، فضلًا عن ظواهرها، فلا تستغرب إخبارنا عن ذلك، ولا عن أمر أصحاب الكهف، ولا يظن أن تفضيل أمر الوحي خفي عنا؛ لأنا مطلعون على خفايا الأمور وظواهرها، شواهدها وغوائبها، وكيف لا ونحن أوجدنا، ولكنا لا نذكر من ذلك إلا ما نريد، على ما تدعو إليه الحكمة، فلو شئنا لبسطنا هذه القصة وقصة أهل الكهف، وفصلنا أمر الروح تفصيلًا يعجز عن حفظه الألباء» 19.
«و (ھ ے) ما عنده من عظمة الملك من جندٍ وقوةٍ وثروةٍ. والخبر: العلم والإحاطة بالخبر، كنايةٌ عن كون المعلوم عظيمًا بحيث لا يحيط به علمًا إلا علام الغيوب» 20.
قال أبو السعود: «وقد أحطنا بما لديه من الأسباب والعدد والعدد خبرًا، يعني: أن ذلك من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير» 21.
فلما بلغ بلاد الشرق الأقصى قضى فيهم بعدله وحكمته، كما قضى فيمن سبقهم من أهل الغرب، حيث دعاهم لدعوة الحق وأقام عليهم الحجج القاطعة والبراهين الساطعة، ثم عاقب الكفرة الظلمة، وسالم أهل الحق وكرمهم وقربهم وبشرهم بما عند الله من ثواب عظيم. (? ? ? ?) أي: طريقًا آخر غير الطريق الأولى، وهي التي رجع بها من المغرب وسار فيها إلى المشرق.
قال ابن عطية: «وقوله: (? ? ?) المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطرق المؤدية إلى مقصده، وكان ذو القرنين، على ما وقع في كتب التواريخ يدوس الأرض بالجيوش الثقال، والسيرة الحميدة، والإعداد الموفي، والحزم المستيقظ المتقد، والتأييد المتواصل، وتقوى الله عز وجل، فما لقي أمة ولا مر بمدينة إلا دانت له، ودخلت في طاعته، وكل من عارضه أو توقف عن أمره جعله عظةً وآيةً لغيره» 22.
فلا يزال يرتقي سلم النهوض والتقدم، ويجتهد في الأخذ بالأسباب وتنميتها، وفي تكرار هذه العبارة: ما يدل على حرص هذا القائد الرباني على الأخذ بالأسباب واجتهاده في تحصيلها وتطويرها وتطويعها لتحقيق الهدف، ونيل المراد.
ثالثًا: بلوغه بين السدين:
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 93 - 98]
بعد أن ساهم في نهوض هذه الشعوب البدائية الفقيرة وتنويرها، توجه بهذا الخير إلى موضعٍ عبر عنه القرآن بأنه بين السدين، منطقة يحيط بها جبلان شاهقان وعران، حيث يتسلل المفسدون من قوم يأجوج ومأجوج إلى البلاد المجاورة، ينهبون ثرواتها ويعيثون فيها فسادًا، فطلب أولئك المستضعفون المنكوبون من ذي القرنين أن يحميهم من أولئك المعتدين، واقترحوا عليه أن يبني سدًا منيعًا يحجزهم، على أن يجمعوا له ما يشاء من أموال وثروات، وفي هذا ما يدل على ثقتهم في أمانته وقدراته.
وجد ذو القرنين من دون السدين قومًا لا يكادون يفقهون قول قائل سوى كلامهم، ولا يكادون يفقهون أحدًا قولهم، مع ذلك تمكن من معرفة مطالبهم وفهمهم وتفهيمهم، بفضل ما وهبه الله تعالى من أسبابٍ. 23.
عرضوا على ذي القرنين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به على بناء السد، وأجرة بنائه؛ ليحميهم من أولئك المفسدين على سبيل حفزه وترغيبه، فقال لهم (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) : أجابهم هذا القائد الزاهد والإمام الراشد إلى مطلبهم دون مقابلٍ، فهو صاحب رسالة إصلاح يؤديها في ربوع الكون، فهل يطمح في أعراض الدنيا الزائلة أم يجنح إلى هممٍ قاصرة؟ وقد وهبه الله تعالى من العلم والتمكين والفهم والتوفيق ما زاده طاعة وانقيادًا وعزمًا واجتهادًا في غرس بذور الخير أينما حل.
«قال ذو القرنين: الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء القوم ربي، ووطأه لي، وقواني عليه، خيرٌ من جعلكم، وأجرتكم التي تعرضونها علي لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم بقوة، أعينوني بفعلة وصناعٍ يحسنون العمل والبناء» 24.
وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة، فإن القوم لو جمعوا له خرجًا لم يعنه أحد، ولو كلوه إلى البنيان ومعونته بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل، وربما أربى ما ذكروه له على الخرج 25.
(? ? ? ?) يقول: أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج ردمًا، والردم: هو الحاجز، ولعله سمى السد الذي وعد بإنجازه ردمًا تواضعًا.
(? ? ? ? ? ? ? ? ) أي: جيئوني بزبر الحديد، وهي جمع زبرة، والزبرة: القطعة من الحديد. فجعلها بين الصدفين، أي: حافتي الجبلين، حتى إذا ساوى بينهما بما جعل بينهما من زبر الحديد، قال للعمال: انفخوا النار، فنفخوا حتى إذا جعل ما بين الصدفين من الحديد نارًا (? ? ? ? ?) ، أصب عليه قطرًا، والقطر: النحاس المذاب.
وقد استخدمت هذه الطريقة حديثًا في تقوية الحديد؛ فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته، كما أن النحاس أملس؛ لا يمكن تسلقه، فهدى الله ذا القرنين إلى هذه الوسيلة الناجحة.
(? ? ? ? ? ? ? ?) فما اسطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزًا بينهم، وبين من دونهم من الناس، فيصيروا فوقه وينزلوا منه إلى الناس لعلوه وملاسته، ولم يستطيعوا أن ينقبوه من أسفله؛ لسمكه وصلابته.
قال بعد أن أتم البناء بإحكام وإتقان: (? ? ? ?پ) أي: هذا البنيان رحمة وفضل من الله الذي وهبني العلم ومنحني الملكات والطاقات، وهيأ لي الأسباب حتى تم البناء الذي يحجز أولئك المفسدين ويحمي هؤلاء المستضعفين، (پ پ پ ?) أي: إذا اقترب الوعد الحق (? ?) أي: مساويًا للأرض، (? ? ? ?) أي: كائنًا لا محالة. فأشار إلى مدة انتهاء صلاحية هذا الردم، وذلك عند تحقق الوعد الإلهي.
عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحشٍ رضي الله عنهن أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه وهو يقول: (لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) الحديث 26.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يومٍ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله عز وجل أن يبعثهم إلى الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله، ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفًا في أقفائهم فيقتلهم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمدٍ بيده، إن دواب الأرض لتسمن شكرًا من لحومهم ودمائهم) 27.
من الدروس والعبر التي تؤخذ من قصة ذي القرنين ما يأتي:
فأين جحافل الأبطال منا
يضئ مسيرها للسالكين
وتغبطها شعوبٌ أرهقتها
بالاستبداد أيدي الظالمين
لمسات بيانية في قصة ذي القرنين