وحينما يأمرنا بالتواضع يقول: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 18 - 19] .
ويأمرنا بالعفة والاحتشام بقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] 44.
ويأمرنا سبحانه بالابتعاد عن سوء الظن بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) 45.
فالتربية الأخلاقية أخذت حيزًا كبيرًا من آيات القرآن الكريم.
ثالثًا: التربية العقلية:
العقل هي الأداة التي عن طريقها يسلك الفرد طريق النجاة في الدارين، وعقول الناس تتفاوت في سلوك هذا الطريق. وهذا ما لا خلاف فيه. ولكن العقول قابلة للنماء والتطور والارتقاء حسب استخدامها في مجالها المقدر لها. والارتقاء بها تكون «بتدريبها على ممارسة العمليات العقلية من تفكر وتدبر وتأمل؛ لذلك نجد أن الكثير من الآيات القرآنية تختم بقوله تعالى: {يَعْقِلُونَ} ، {يَتَفَكَّرُونَ} . وعقول الأفراد مجتمعة تكون عقل المجتمع أو الأمة؛ لذلك كان الاهتمام بالقدرات العقلية ومحاولة تطويرها على النطاق الفردي أو الجماعي عمل في غاية الأهمية» 46.
ويدل على أهمية العقل في القران الكريم أنه حث على التعقل والتفكير في مخلوقات الله تعالى، وأن الانحراف والضلال نتيجة لعدم التعقل والنظر بالحكمة في الأمور. قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10] .
وقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22] .
لذلك نرى الله سبحانه يشبه الذين لا يستخدمون عقولهم بالدواب.
يقول الرازي: «شبههم بالدواب لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بما يقولون، ويقال لهم؛ ولذلك وصفهم بالصم والبكم وبأنهم لا يعقلون. وقيل: بل هم من الدواب؛ لأنه اسم لما دب على الأرض، ولم يذكره في معرض التشبيه، بل وصفهم بصفة تليق بهم على طريقة الذم، كما يقال لمن لا يفهم الكلام: هو شبح وجسد وطلل، على جهة الذم» 47.
وفي عملية تربية العقل اتبع القرآن الكريم أساليب تربوية عدة، منها:
1.تربية العقل بالعلم والمعرفة.
2.تربية العمليات العقلية.
3.تربية العقل وتزكيته بالقيم والمباديء الاسلامية.
4.تربية العقل من خلال علاقة الانسان بالله عزوجل والكون والحياة 48.
وقد حرر القرآن الكريم عقل الإنسان من عوائق عدة تعيقه عن مهامه الموكلة له:
فقد حرره من الخرافة والمعتقدات الباطلة التي تتنافى وتكريم الله له «وقدم الإجابات الواضحة للإنسان عن الكون ومفرداته وفلسفته، وحقيقة خلقه، وكيف تتم إدارته وحركة القوة فيه» 49. وحرره من التبعية والعبودية لغيرالله تعالى.
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة:170] .
يقول الرازي في تفسير هذه الآية: «إن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة، فهم قالوا: لا نتبع ذلك، وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد، وأجاب الله تعالى عنهم بقوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} » 50.
لقد حرر القرآن العقل من إتباع الهوى والشهوات بالعلم والمعرفة ودعا إلى التحرر من عبادة غير الله تعالى فكل الخلق في ميزان العبودية سواء، «فإذا تمكنت عبوديته لله من قلبه، وتحرر من عبودية غير الله، كان أهلًا لأن يأمنه الناس على كل شيء؛ لأنه لا يستجيب لرغبة، ولا يخضع لرهبة، ولا يقوده إغراء ولا شهوة، ولا يتبع هوى، وإنما يستجيب لأمر الله، وأمر الله لا يوجد فيه إلا عمل الخير الذي فيه غاية الأمن لكل البشر» 51.
والقرآن الكريم دعا من خلال تشريعاته إلى المحافظة على العقل من التلف. «وقد بنى القرآن الكريم تربية العقل على ضرورة ترك كل ما يمكن أن يتلفه أو يضره، فحرم الخمر وجميع المذهبات للعقل، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90] » 52.
والقرآن الكريم يدعو إلى الحوار والإقناع ويبتعد عن الإكراه. قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256] .
قال الزمخشري: «أي: لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر ولكن على التمكين والإختيار» 53.
ومن أجل احترام العقل وتربيته جعل الإيمان على الإقتناع لا الإجبار، «فإذا كان الدين لا إكراه فيه، فلا إكراه فيما سواه وهي دعوة صريحة في غالب آيات القرآن الكريم تدعوا إلى التفكر والتأمل في كل ما يعرض، وعدم الاغترار بالظواهر، فالحقيقة أهم من المظهر، وعليها المعول والحساب» 54.
مما سبق عرفنا أهم ملامح التربية القرآنية للعقل، وهي: حثه على التفكر في مخلوقات الله، وتحريره العقل البشري من الخرافات والتبعية والجمود واتباع الهوى.
رابعًا: التربية البدنية:
عنى القرآن الكريم عناية بالغة بجسم الإنسان ووضع له منهاجًا للتربية السليمة، تتجلى مفردات هذا المنهج في التشريعات والتوجيهات المذكورة في القرآن الكريم.
والمقصود بالتربية الجسمية: «أنها التربية التي تهتم ببناء وتنمية الجانب الجسمي وكيفية تفاعله الإيجابي مع غيره من الجوانب الأخرى للشخصية الإنسانية، لأداء وظائفه في الحياة، وتحقيق التكيف اللازم مع ما يحيط بها من كائنات ومكونات أخرى وفق منهج الله سبحانه» 55.
والله سبحانه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وصوره في أحسن صورة، وخلقه فسواه فعدله، وجعل له السمع والبصر والفؤاد. كل ذلك ليدلنا على أهمية البدن والجسم للإنسان. يقول العلامة السعدي في تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين:4] .
أي: «تام الخلق، مستقيمًا، معتدل القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرًا وباطنًا شيء» 56. والقرآن كلام الله سبحانه جاء لتربية الإنسان، عقله وقلبه وروحه وبدنه.
ومن خلال تتبعنا للآيات القرآنية التي تهتم بجسم الإنسان وجدنا ملامح أساسية للتربية البدنية أو الجسمية في القرآن. ومن أبرز تلك الملامح:
من حق الطفل أن يرضع رضاعة طبيعية مدة عامين كاملين، حتى ينشأ نشأة سليمة، قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة:233] .
تناول الحلال من الأطعمة الطيبة لإشباع حاجات الجسم، والبعد عن الحرام.
قال تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} [المائدة:88] .
يقول السعدي: «كلوا من رزقه الذي ساقه إليكم، بما يسره من الأسباب، إذا كان حلالًا لا سرقةً ولا غصبًا ولا غير ذلك من أنواع الأموال التي تؤخذ بغير حق، وكان أيضًا طيبًا، وهو الذي لا خبث فيه، فخرج بذلك الخبيث من السباع والخبائث» 57.
وحفاظًا على سلامة الجسم، يجب الابتعاد عن أكل الميتة ولحم الخنزير وكل ما يضر الجسم أكله، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ} [المائدة:3] .
قال سيد قطب: «وسواء وصل العلم البشري إلى حكمة هذا التحريم أم لم يصل، فقد قرر العلم الإلهي أن هذه المطاعم ليست طيبة وهذا وحده يكفي. فالله لا يحرم إلا الخبائث. وإلا ما يؤذي الحياة البشرية في جانب من جوانبها. سواء علم الناس بهذا الأذى أو جهلوه» 58.
وإشباع الحاجة الجنسية بالطريقة الشرعية كما أمر الله تعالى والبعد عن اللذة المحرمة.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم:21] .
الاهتمام بممارسة التدريبات الرياضية التي تقوي الجسم، تحقيقًا لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60] .
الاهتمام بالرعاية الصحية والنظافة في المأكل والمشرب والملبس، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222] .
1.أولًا: الربانية:
من أهم خصائص التربية في القرآن الكريم: الربانية. فالإنسان من خلق الله سبحانه، وليس هناك أعلم من الله عزوجل به.
قيل في نسبتها أقوال كثيرة ذكرها الراغب الأصفهاني، منها: «إنه منسوب إلى الربان، وقيل: منسوب إلى الرب الذي هو المصدر، وهو الذي يرب العلم كالحكيم، وقيل: منسوب إلى الرب أي: الله سبحانه وتعالى» 59. والمعنى المراد هنا: الإنتساب إلى الرب، أي: الله سبحانه، ويطلق على الإنسان أنه رباني إذا كان وثيق الصلة بالله عالمًا بدينه وكتابه، معلمًا له. وفي القرآن الكريم: (وَلَ?كِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) [آل عمران:79] .
قال ابن كثير في تفسير الآية: «ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين. قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد، أي: حكماء علماء حلماء. وقال الحسن وغير واحد: فقهاء، وكذا روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، وعطية العوفي، والربيع بن أنس. وعن الحسن أيضًا: يعني: أهل عبادة وأهل تقوى» 60.
معنى الربانية في التربية:
يراد بالربانية أمران:
فالتربية القرآنية «ربانية في غايتها تهدف إلى تربية الإنسان المسلم الذي يحسن صلته بربه، فيعيش في سعادة ورضا تام، يبعده عن الصراعات النفسية والفكرية، فيعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدًا» 61.
فالقرآن الكريم هو المصدر الرئيسي للتربية القرآنية، تستمد منها أصولها وتوجيهاتها.
«وأساس التربية الربانية أنها تنزيل من الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل:89] .
فهي تقوم على أسس ربانية، فتأتي مبرأة من كل عيب وقصور» 62.
ومن معاني الربانية في التربية: تربية الإنسان على التحرر من الأهواء والأشخاص وعدم الخضوع والإنقياد إلا لله وحده، انطلاقًا من قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:162] .
يقول السعدي: «من أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله. وقوله: (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي: ما آتيه في حياتي، وما يجريه الله علي، وما يقدر علي في مماتي، الجميع (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) لَا شَرِيكَ لَهُ ?) في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير، وليس هذا الإخلاص لله ابتداعًا مني، وبدعًا أتيته من تلقاء نفسي، بل (وَبِذَ?لِكَ أُمِرْتُ) أمرًا حتمًا، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) من هذه الأمة» 63.
ثانيًا: التدرج:
التدرج سنة كونية ابتداءً في إنشاء هذا الكون؛ فالله سبحانه لم ينشأ الكون دفعة واحدة مع القدرة عليه، بل خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
ويعرف المختصون التدرج في التربية بأنه: «الارتقاء التصاعدي في إكساب الفرد معالي الأمور» 64. أو «البدء بالسهل ثم الصعب والانتقال في التعلم من البسيط إلى المعقد مراعاة للفروق الفردية بين المتعلمين، وللقدرة العقلية على الفهم والاستيعاب، حيث إن فروقًا كثيرة بين الناس في استعداداتهم وقدراتهم النفسية العقلية» 65.
والتدرج في التربية أسلوب يدلّ على حكمة صاحبه، وقدرته على التلطف في مخاطبة العقول والأفهام، فينتقل من فكرة إلى فكرة، معتمدًا على المحاكمة العقلية، والحجة المقنعة، والبرهان الواضح.
التدرج في التربية في القرآن الكريم:
نزل القران الكريم منجمًا رحمة للمؤمنين حتى يمكنهم من حفظه وتلاوته وفهمه وإدراك الأمور ويكون ذلك عونًا على ثباته في أنفسهم، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ? كَذَ?لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ? وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ?32?) [الفرقان:32] .
يقول السعدي حول التدرج المشار إليه في الآية الكريمة: «كلما نزل عليه شيء من القرآن إزداد طمأنينة وثباتًا وخصوصًا عند ورود أسباب القلق فإن نزول القرآن عند حدوث السبب يكون له موقع عظيم وتثبيت كثير أبلغ مما لو كان نازلًا قبل ذلك، ثم تذكره عند حلول سببه» 66.
والتدرج مظهر من مظاهر التبشير والتيسير المذكور في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة:185] .
ونزول القرآن الكريم منجمًا حوى عدة حكم تربوية، ذكرها الله سبحانه في الآية الكريمة. ومن هذه الحكم:
الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) .
قال القاسمي: «أي: نقوّيه به على القيام بأعباء الرسالة، والنهوض لنشر الحق بين قادة الجهالة. فإن ما يتواتر إنزاله لذلك، أبعث للهمة وأثبت للعزيمة وأنهض للدعوة، من نزوله مرة واحدة» 67.
الحكمة الثانية: التدرج في تربية هذه الأمة، وتستمد هذه الحكمة من قوله تعالى: (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) ) حيث فسر ذلك سيد قطب بقوله: «الترتيل هنا هو: التتابع والتوالي، وفق حكمة الله وعلمه بحاجات تلك القلوب وإستعدادها للتلقي» 68.
فلو جاءتهم جملة واحدة لثقلت عليهم؛ لأنه من العسير أن يتحول أمة بين ليلة وضحاها إلى حياة أخرى مختلفة تمامًا عن التي إعتادوها.
الحكمة الثالثة: مراعاة مناسبات الأحداث؛ لقوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ?33?) [الفرقان:33] .
والمتأمل للقرآن الكريم يجد جوانب من التدرج، نذكر منها:
أولًا: التدرج في الحفظ والفهم.
كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الجمعة:2] .
ثانيًا: التدرج في انتزاع الفاسد وتثبيت الصحيح من العقائد والعبادات.
ومن العادات التي علاجها بالقطع الحاسم ما يلي:
ثالثا: التدرج في انتزاع المنكر من العادات والأخلاق وتثبيت المعروف.
يقول الدكتور محمد قطب في كتابه القيم (منهج التربية الاسلامية) :
«وقد بدأ الاسلام -وهو ينشأ في الجاهلية- بإزالة العادات السيئة التي وجدها سائدة في البيئة العربية، واتخذ لذلك إحدى وسيلتين: إما القطع الحاسم، وإما التدرج البطيء، حسب نوع العادة التي يعالجها، وطريقة تمكنها في النفس» 70.
والقرآن الكريم زاخر بالأمثلة على الأخذ بمبدأ التدرج، منها:
التدرج في تحريم الخمر، والتدرج في تحريم الربا، والتدرج في تعليم الولد الآداب الإجتماعية.
ثالثًا: الشمول والتكامل:
الشمول مصدر شمل، ومعناه العموم، قال ابن فارس: «شمل: شملهم الأمر يشملهم، إذا عمهم» 71.
والعموم والإتمام وعدم الاحتياج إلى غيره، من أهم خصائص التربية في القرآن الكريم.
فالشمول في التربية القرآنية تعني: أنها تتناول كل جوانب الحياة، وتهتم بالإنسان ككل، روحه وجسمه وعقله ونفسه. وأنها تشمل كل الأزمنة والأمكنة. فالشمول في التربية تعني:
1.أنها تربية شاملة لجميع جوانب الشخصية الإنسانية للمسلم (الجسم، العقل، الروح) .
قال تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ? ثُمَّ إِلَى? رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام:38] .
يقول الرازي: «قوله (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) يجب أن يكون مخصوصًا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها» 72. فالقرآن الكريم عالج كل جوانب الشخصية الإنسانية فاهتم بالجسم ومتطلباته وبالروح وبالعقل. وفي مبجث (مجالات التربية) فصلنا القول في ذلك.
2.إنها شاملة لجميع فئات المجتمع.
فلا تقتصرعلى فئة دون أخرى. فالقرآن الكريم اهتم بالطفل كاهتمامه بالشاب، واهتم كذلك بالشيوخ والعجائز. تربيته شملت المرأة كالرجل. فحفاظًا على سلامة الأم أثناء الحمل، دعا لتحقيق حاجاتها ومعاملتها بأحسن ما يمكن.
قال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ? وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى? يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ?) [الطلاق:6] .
3.إنها تربية شاملة لكل الأزمنة والأمكنة.
فالقرآن الكريم ربى بتوجيهاته الجيل الذي عاش في زمن النبوة وما بعدها، ويربي كذلك الإنسان في عصرنا الحاضر والمستقبل. وتنبع شمولية التربية القرآنية من قدرة الواضع لها على إدراك ومعرفة صغائر الأمور وكبائرها، فلم تتخلف قابلية المنهج في التطبيق على زمان دون آخر.
والتربية القرآنية إلى جانب شمولها، متكاملة.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي: «فليست التربية مقصورة الغاية على جانب واحد من جوانب الإنسان، التي يهتم بكل واحدة منها أهلها والمختصون بها. إنها لا تضع كل إهتماماتها في الناحية الروحية أو الخلقية التي يهتم بها الفلاسفة والعقليون. ولا تجعل أكبر همها في التدريب والجندية التي يحرص عليها العسكريون. ولا تحصر نشاطها في التربية الإجتماعية كما يصنع المصلحون الإجتماعيون. إنها في الواقع تهتم بكل هذه الجوانب وتحرص على كل هذه الألوان من التربية» 73.
والقرآن الكريم يؤكد على هذا التكامل من خلال استنكاره على المنكرين له عدم تدبر تشريعاته وأحكامه وأوامره. ولو تدبروه لوجدوه متكاملًا يكمل بعضه بعضًا.
قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ? وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ?82?) [النساء:82] .
يقول سيد قطب: «والتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدًا .. ومستوياتها ومجالاتها، مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها -بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه- ما يملك إدراكه، في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد، وكل جيل، مخاطب بهذه الآية. ومستطيع -عند التدبر وفق منهج مستقيم- أن يدرك من هذه الظاهرة -ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق- ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه. وتلك الطائفة في ذلك الجيل كانت تخاطب بشيء تدركه، وتملك التحقق منه بإدراكها في حدودها الخاصة» 74.
رابعًا: الواقعية:
الواقعية تعني: «مراعاة الطاقة المتوسطة المقدورة لجماهير الناس والإعتراف بالضعف البشري، وبالدوافع البشرية، وبالحاجات الإنسانية؛ نفسية أو مادية» 75.
والمتأمل للتوجيهات التربوية للقرآن يجد أنها توافق الفطرة وتنسجم مع الواقع؛ لأن الله تعالى هو صاحب القرآن وهو خالق الإنسان وهو أعلم بمطالبه وحاجاته وطاقاته. قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ?14?) [الملك:14] .
قال الطبري: « (أَلَا يَعْلَمُ) الرب جل ثناؤه (مَنْ خَلَقَ) من خلقه؟ يقول: كيف يخفي عليه خلقه الذي خلق (وَهُوَ اللَّطِيفُ) بعباده (الْخَبِيرُ) بهم وبأعمالهم» 76.
وطاقة الإنسان محدودة، فلم يكلفه الله سبحانه إلا في حدود طاقته. قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة:286] .
وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْھ) [التغابن:26] .
والمتأمل في أوامر ونواهي وتوجيهات القرآن الكريم يرى بوضوح هذه الخاصية.
والإنسان ضعيف بطبعه، والله عزوجل يعرف ضعفه إزاء المغريات.
قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ?) [آل عمران:14] .
وللتغلب على هذا الضعف جعل محفزات ومرغبات للعمل الصالح، ومرهبات ومنفرات عن العمل السيء، وهو ما يعرف بمبدأ (الثواب والعقاب) .
قال تعالى: (? وَسَارِعُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133 ) ) [آل عمران:133] .