فهرس الكتاب

الصفحة 762 من 2431

وهو خطاب لجميع الأمة من غير فرق بين محصر وغير محصر، وإليه ذهب جمع من أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمحصرين خاصة: أي: لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ محله.

وقوله: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي: مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، واختلفوا في تعيينه:

فقيل: هو موضع الحصر؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أحصر في عام الحديبية، وأجيب عن نحره صلى الله عليه وسلم في الحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم، وردّ بأن المكان الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم.

وقيل: هو الحرم؛ لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] .

وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت 201.

قوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} ... الآية، معناه: ولا تحلقوا رءوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو أذى. والمراد بالمرض هنا: ما يصدق عليه مسمى المرض لغة، والمراد بالأذى من الرأس: ما فيه من قمل أو جراح ونحو ذلك، ومعنى الآية: إن من كان مريضًا، أو به أذى من رأسه، فحلق، فعليه فدية 202.

ومما يؤخذ من الآية: أن النهي عام لكل الرأس ولبعضه؛ إذ لو حلق بعضه وقع في الإثم؛ لأن النهي يتناول جميع أجزاء المنهي عنه؛ فإذا قيل: «لا تأكل هذه الخبزة» وأكلت منها فإنك لم تمتثل 203.

ومما يؤخذ من الآية: أن المحرّم ما يسمى حلقًا، فأما أخذ شعرة أو شعرتين أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق، وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم، فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين، وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين، وإذا أخذ ثلاث شعرات فدم، أو إطعام ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام.

وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس، فإن حلق دون الربع فلا شيء عليه، وهذا لا شك أنه تحكّمٌ لا دليل عليه؛ فلا يكون صحيحًا، بل هو ضعيف.

وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى، ومعنى يماط: يزال، أي بما يحصل به إزالة الأذى، وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس.

قالوا: لأن الله تعالى قال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} فدل هذا على أن المحرّم الذي تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى، وهذا مذهب مالك، وهو صحيح من حيث أن الفدية لا تجب إلا بما يماط به الأذى فقط، لكنه غير صحيح من كون التحريم يتعلق بما يماط به الأذى فقط، فالتحريم يتعلق بما يسمّى حلقًا، والفدية تتعلق بما يماط به الأذى 204.

قال الشيخ ابن عثيمين: «فإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم، فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟

فالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} هذا عام لكل حلق، فكل ما يسمى حلقًا فإنه منهي عنه لهذه الآية.

ثم قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقًا يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: {أَوْ بِهِ أَذًى} فلو قدّرنا محرمًا رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئًا يسيرًا لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب الفدية بحلق ما يزول به الأذى.

ويدل لذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه، ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع الحجامة، ولم ينقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم افتدى، فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى، دون الشيء اليسير» 205.

ومما يؤخذ من الآية: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير.

ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك، أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء رحمهم الله من كونه يصح في كل مكان، لكن الفورية فيه أفضل.

ومنها: أن كفّارات المعاصي فدًى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} .

ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس مع أنه من محظورات الإحرام إلا الفدية، ومقتضى ذلك أن النسك صحيح.

وهذا مما يخالف الحجّ والعمرة فيه غيرهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها. وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام، ما عدا شيئين، وهما: الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد.

فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة، وجزاء الصيد يجب فيه مثله، أو إطعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا، وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم 206.

-آداب الحج تنقسم إلى قسمين:

-آداب واجبة.

-آداب مستحبة.

فأما الآداب الواجبة: فهي أن يقوم الإنسان بواجبات الحج وأركانه، وأن يتجنب محظورات الإحرام الخاصة، والمحظورات العامة، الممنوعة في الإحرام وفي غير الإحرام؛ لقوله تعالى: (? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 197] .

وقد سبق بيان الآداب الواجبة في الحج.

وأما الآداب المستحبة في سفر الحج: فأن يقوم الإنسان بكل ما ينبغي له أن يقوم به، من الكرم بالنفس والمال والجاه، وخدمة إخوانه، وتحمّل أذاهم، والكف عن مساوئهم، والإحسان إليهم، سواء كان ذلك بعد تلبّسه بالإحرام، أو قبل تلبّسه بالإحرام؛ لأن هذه آداب عالية فاضلة تطلب من كل مؤمن في كل زمان ومكان، وكذلك الآداب المستحبة في نفس فعل العبادة، كأن يأتي الإنسان بالحج على الوجه الأكمل، فيحرص على تكميله بفعل مستحباته القولية والفعلية.

لأنه لا ينال فضل الحج ولا تنال منفعته الروحية والقلبية إلا من خلال التمسك بهذه الآداب، فهي الخلال الكفيلة بجعل الحج حجًّا بالقلب إلى الله، قبل أن يكون حجًّا بالجسد إلى البيت والأماكن المقدسة.

والآيات التي تناولت الحج، وما يتعلق به تشتمل على كثير من الآداب التي دلت عليها الآيات أحيانًا بمنطوقها، وأحيانًا أخرى بمفهومها، وأحيانًا أخرى بالإشارة والإيماء.

والمتأمل في سورة البقرة وسورة الحج يجد أنهما قد سبحتا سبحًا طويلًا في حديثهما عن البيت الحرام، وعن آداب الحج، ومناسكه، وأحكامه، ومن هذه الآداب التي ذكرت في هاتين السورتين:

1.إخلاص النية لله في الحج والعمرة.

والآية التي تشير إلى هذا هي قوله تعالى: (? ? ? ?) [البقرة: 196] .

فإن الآية تحث على أن يكون الحج والعمرة تامّين لله، وهذا يعني أنه لابد من أن يكون القصد بالحج وجه الله تعالى، وأن تكون الغاية رضاه، وأن لا يقصد بذلك مراءاة الناس، أو الكسب الدنيوي، أو أي غرض غير طلب مرضاة الله ورجاء عفوه، ولا شك أن هذا الأدب من الأهمية بمكان، يدل على ذلك كونه أول أمر تعرضت له الآيات بعد طلب الإتيان بالحج والعمرة تامّين، ويدل على تلك الأهمية أيضًا صيغة الطلب التي وردت في آل عمران بقوله تعالى: (ھ ھ ے ے ?) [آل عمران: 97] .

فلقد وردت هنا صيغة الطلب والإلزام مغايرة لما عهد من صيغ الطلب المعروفة الواردة في غير الحج، وفي مجيء الطلب بهذه الصيغة عدة إشارات، منها: تقديم القصد من الحج على الإلزام به، فقبل أن يوجبه بيّن أنه لابد من كونه لله، فقال: (ھ) وهذا يشير إلى أن القصد من الحج مقدم على الفعل له، وأنه لابد من تقديم النية على الامتثال.

2.الحرص على الإتيان بالحج والعمرة تامّين.

وهذا ما يرشد إليه قوله تعالى: (? ? ? ?) فهنا نلحظ أنه سبحانه وتعالى لم يأمر عباده بفعل الحج والعمرة ولا بالقيام بهما فحسب، وإنما ورد الأمر بفعلهما تامّتين، وهذا يشير إلى أن من آداب الحج أن يسعى الحاج جاهدًا إلى أن يأتي بأفعال الحج والعمرة على الوجه الكامل، لا أن يأتي بالأفعال ناقصة، وكون الإتمام بحد ذاته مطلوبًا، والنص على إتمام الحج يشعر بأهميته، ويشير إلى مشقته التي قد تدفع البعض للإتيان به ناقصًا، أو على أي وجه كان، فكان لابد من التأكيد على فعله تامًّا.

3.ترك الرفث والفسوق والجدال.

وقد سبق الكلام على قوله تعالى: (پ ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 197] .

ومما يلفت النظر في هذه الآية مجيء النهي فيها عن الرفث والفسوق والجدال بأسلوب عجيب، حيث لم تأت العبارة بصيغة النهي، فلم يقل الله: فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل، وإنما قال: (پ ? ? ? ? ?) ، فجاء النهي عن هذه الخصال الثلاثة بالنفي باللام النافية للجنس، وهذا أبلغ أشكال النهي، وأقواها، فهو ليس نهيًا فحسب، إنما هو بيان بأن هذه الخصال الثلاثة مما ينبغي أن لا تكون موجودة أصلًا، بل ينبغي أن تنعدم، وأن لا تقوم لها قائمة، وهذا أمر معلوم، فحين يأتي النهي بصيغة النفي يكون أبلغ في النهي عنه، فإذا كان النفي بلام الجنس كان أشد وأقوى؛ لأنه نهي يطالب فيه بأن لا يكون لهذه الأمور وجود.

والنهي عن هذه الأمور يقتضي الأمر بأضدادها، فالنهي عن الرفث هو أمر بحفظ اللسان، والنهي عن الفسوق هو أمر بحفظ الأفعال، والنهي عن الجدال هو أمر بحفظ العقل أو القلب، فاللسان ينبغي أن ينشغل بذكر الله، وأن يحفظ عما يشغله عن مبدعه وخالقه.

4.الإكثار من فعل الخير في الحج.

وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ) [البقرة: 197] .

فقد جاء الحث على فعل الخير وسط الحديث عن آداب الحج؛ إشارة إلى أن هذا الأمر من آداب الحج، فالحاج ينبغي أن ينشغل بفعل الخير؛ لأنه الفعل الذي يتناسب مع ما هو فيه من أماكن مقدسة وساعات تجلٍّ إلهي؛ ولأن فعل الخير مفتاح لتلك التجليات والمعاني العظيمة حتى تنفذ إلى قلبه.

ونلحظ أن الحث على فعل الخير في الحج جاء بأسلوب الشرط، وذلك أبلغ في الحث؛ لأن الشرط يفيد الإلهاب والتهييج بما فيه من ربط الجزاء بالشرط، ولقد ربط الشرط هنا بجزاء عظيم، فلقد ربطه بعلم الله، وكون الله يعلم أن الإنسان يفعل الخير أمر مسلم فيه؛ ولذا فالمراد هنا أنه لا يمكن أن يعلم الله عبده يفعل الخير إلا وسيكافئه عليه أوفى المكافأة، ونلحظ أيضًا أن الشرط جاء بـ (ما) التي تفيد العموم؛ ليشير بذلك إلى أن المطلوب كل أعمال الخير، أو عموم أفعال الخير، أو كل ما يصدق عليه أنه عمل صالح.

5.إعداد الحاج الزاد من مال يكفيه في حجه.

يقول الله تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 197] .

ولعل بعضنا يتساءل ما علاقة إعداد الزاد الكافي بآداب الحج؟ وهل يجني الحاج بذلك نفعًا أخرويًّا أو روحيًّا؟ نقول: أجل، فإن إعداد الزاد الكافي أمر ذو صلة بالنفع الروحي والقلبي؛ وذلك لأن الحاج حين يجد ما يكفيه من زاد في حجه لا ينشغل قلبه عن الله في البحث عن الزاد، أو القوت أو المال، فالمحتاج قد تشغله حاجته عن الله، وعن الخشوع وعن الإقبال على الله، أو قد تدفعه إلى سؤال الناس، وهذا مما يشوّش عليه صفاءه ونقاء قلبه، كيف لا والإسلام نهى عن سؤال الناس، فسؤال الناس أمر لا يرضاه الله ولا رسوله، وهو من ثمّ يبعد السائل عن أن يكون في رحمة الله، فكيف ينال رحمة الله وتجلياته من تلبّس فيما لا يرضاه؟!

6.التقوى والتوبة قبل الحج.

وفي قوله تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 197] .

قضية مهمة، وهي أن التقوى صفة ينبغي على الحاج أن يلجها قبل مغادرته؛ وذلك لأن الله جعلها خير زاد، فهو يشير هنا إلى أن التقوى هي الصفة التي ينبغي على الحاج أن يتزود منها قبل خروجه إلى الحج، وإنما استنبطنا تلك الإشارة من كون الآية هنا جعلت التقوى زادًا، وجعلته خير زاد، والزاد في العادة يعدّ قبل الخروج لا بعده، إذن فالحاج مطالب قبل خروجه إلى الحج أن يتسلح بالتقوى، فيترك ما نهى الله عنه، ويمتثل ما أمر الله به، حتى يصل إلى تلك الأماكن طاهر القلب نقيًّا، فالتسلح بالتقوى يجعل القلب متهيئًا لعطايا الله وهباته في تلك الأماكن المقدسة، ولا شك أن الأمر بالتقوى قبل الحج يستلزم توبة العبد عما كان عليه؛ حتى تتحقق فيه صفة التقوى.

7.انشغال الحاج بالذكر والاستغفار.

نجد أن الله تعالى أمر الحاج بالانشغال في الذكر في عدة مواطن، ففي سورة الحج يبين أن الغاية من إقبال الناس على الحج من كل فج عميق أمران، هما: شهود المنافع، وذكر الله في أيام معلومات.

يقول سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ں) [الحج: 27] .

وفي سورة البقرة حين الحديث عن آداب الحج تكرر طلب ذكر الله من الحاج في عدة مواطن، فعند الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام يأمرهم بالذكر، فيقول: (چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک) [البقرة: 198] .

ونلحظ أنه سبحانه يلهب مشاعر المؤمنين بالإقبال على الذكر عند المشعر الحرام بصيغة الأمر، وبتذكيرهم أنه من قبيل شكرهم لله على هدايته لهم؛ حثًّا لهم على الإقبال على ذكر الله تعالى.

ثم يأمرهم بالاستغفار عند الإفاضة، فيقول: (ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [البقرة: 199] .

وكذلك يأمرهم بالذكر عند انقضاء المناسك، فيقول: (ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ) [البقرة: 200] .

ونلحظ هنا أنه أمرهم بذكر الله ذكرًا أشد من ذكر آبائهم الذي كانوا يفعلونه عند انقضاء النسك، وهذا يعني أن الحاج مطالب بالإكثار من الذكر عند انقضاء المناسك، وإنما استنبطنا أنه مطالب بكثرة الذكر؛ لأنه جرت عادة الناس بعد الفراغ من النسك أن تتحرك أشواقهم إلى أهليهم وآبائهم؛ لقرب العودة وعدم وجود ما يشغلهم من النسك، وعندئذ يكثر ذكراهم لأهلهم، فالله يأمرهم أن يكون ذكرهم لله أكثر من ذكر الآباء والأهل الذي هو كثير في تلك الآونة، والغرض من طلب الذكر بعد انقضاء المناسك هو أن يحافظ العبد على نورانية الحج، وأن لا يضيعها بأحاديث تذهب ببهاء حجته.

ثم نجده أيضًا يأمر بالذكر في أيام منى، فيقول: (? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 203] .

ونلحظ أنه قد تكرر طلب الذكر في آيات الحج، وهذا يعني التأكيد على طلب الذكر من الحاج، ويشير بنفس الوقت إلى أهمية الذكر في الحج؛ لأن التكرار وسيلة من وسائل التوكيد، ويشير بنفس الآونة إلى الاهتمام بالأمر المكرر.

8.التواضع في الحج.

فالحاج مأمور بالتواضع في الحج في أخلاقه وفي لباسه وفي مأكله وفي مشربه، وذلك حتى يكون محط نظر الله ورحمته؛ لأن الله يمقت الكبر وأهله، فالكبر يخرج الحاج من دائرة رحمة الله، ونجد الإشارة إلى طلب التواضع في قوله تعالى: (ک ک گ گ گ گ) [البقرة: 199] .

فالحاج مأمور بأن يكون كسائر إخوانه من الحجيج؛ حتى لا يكسر قلب الفقير منهم، فكسر قلب الفقير أمر خطير يبعد فاعله عن أن يكون في نظر الله، ومن هنا فالحاج مأمور بعدم التكبر أو التفاخر سواء في المركب أم في الملبس أم في المقام، فعن أنس رضي الله عنه قال: حج رسول الله على رحل رث، وقطيفة تساوي أربعة دراهم، أو لا تساوي، ثم قال: (اللهم حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة) 207.

وقد يقال: لا دليل في الآية على التواضع، إنما هي تتعلق بأقوام كانوا لا يفيضون من حيث أفاض الناس كما هو معروف في سبب نزول هذه الآية، والجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

9.إكثار الحاج من الدعاء وأن يطلب لدنياه وآخرته معًا.

وإنما كان من أدب الحج إكثاره من الدعاء لأن تلك الأماكن مظنة لإجابة الدعاء فيها، فلله تجليات في الأمكنة وفي الأزمنة وفي الأشخاص، ولقد حثنا القرآن على الإكثار من الدعاء في تلك الأماكن.

وبيّن أن الناس على صنفين:

-صنف يطلب لنفسه أمور الدنيا فقط.

-وصنف يطلب الدنيا والآخرة.

أما الصنف الأول فيعطى الدنيا وليس له نصيب من الآخرة، وأما الصنف الثاني فيطلب الدنيا والآخرة، فيعطى خيري الدنيا والآخرة، ولا شك أن ذكر هذين الصنفين فيه إشارة أن العاقل هو من يطلب الاثنين معًا؛ لأن طالب الأولى يعطاها فقط دون الأخرى، أما طالب الاثنتين فيعطاهما معًا، فالصنف الأول محروم من الأخرى.

أما الصنف الثاني فيغنم الأولى والأخرى.

يقول سبحانه وتعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 200 - 202] .

فقد بيّنت الآية أن بعض الناس يطلب الدنيا فيعطاها، لكن لا خلاق له ولا نصيب في الآخرة، وأن بعضهم يطلب في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ويستجير بالله من عذاب النار، وهؤلاء هم الذين يعطون نصيبهم من كل أمر سألوه، والحق أن بيان هذه الآية للصنفين، وبيان ما يلقاه كل صنف وما يحصده من دعوته، هو عبارة عن وضع نماذج للناس؛ تشويقًا لهم إلى اختيار ما هو الأعظم ترتيبًا في الجزاء، وهم الصنف الثاني، فالآية تحث على انتهاج سلوكهم من خلال ما ذكره من ثمرات دعواتهم، ومن خلال الإشارة إليهم بإشارة البعد إيذانًا بعلو مرتبتهم، وحثًّا للسامعين على سلوك طريقهم، ومن خلال ما بيّنه من نيلهم نصيبًا من كل أمر كسبوه، فهنا إذن نيل للنصيب وكسب، يقابله في الفئة الأولى نفي للخلاق والنصيب، وفي هذا حث للناس على سلوك منهج الفئة الثانية؛ لأن العاقل دائمًا يفضّل ما له فيه مغنم، لا ما فيه نقص ومغرم.

10.الأكل من الهدي.

أمر الله تعالى بالأكل من الهدي، فقال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 27] .

والأمر هنا مجمل، يحتمل الوجوب، ويحتمل الإباحة، ويحتمل الندب، وقرينة عدم الوجوب ظاهرة؛ لأن المكلّف لا يفرض عليه ما الداعي إلى فعله من طبعه، وإنما أراد الله إبطال ما كان عند أهل الجاهلية من تحريم أكل المهدي من لحوم هديه، فبقي النظر في أنه مباح بحت، أو هو مندوب 208.

فمذهب الجمهور أن الأكل مستحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يؤخذ من كل جزور بضعة، فطبخت، وأكل لحمها، وحسي من مرقها 209.

قال الشنقيطي: «فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين: للاستحباب والندب، لا للوجوب، والقرينة الصارفة عن الوجوب في صيغة الأمر هي ما زعموا من أن المشركين كانوا لا يأكلون هداياهم، فرخّص للمسلمين في ذلك» 210.

وقال ابن كثير في تفسيره: «استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب» 211.

وقال القرطبي: « {فَكُلُوا مِنْهَا} أمر معناه الندب عند الجمهور، ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر، مع تجويزهم الصدقة بالكل، وأكل الكل، وشذت طائفة، فأوجبت الأكل والإطعام، بظاهر الآية، ولقوله عليه السلام: (فكلوا وادّخروا وتصدّقوا) » 212213.

قال إلكيا: «قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا} يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه، ولا التصدق بجميعه» 214.

واستدل بعضهم لعدم وجوب الأكل بقوله: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36] .

قالوا: فجعلها لنا، وما هو للإنسان فهو مخير بين تركه وأكله، ولا يخفي ما في هذا الاستدلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت