فهرس الكتاب

الصفحة 1036 من 2431

ثالثًا: النعي على تاركي التفكر في الآيات الكونية:

نعى القرآن الكريم على تاركي التفكر في الآيات الكونية ووصفهم بأنهم فارغو العقول لا يفكرون في ما حولهم، وشنع عليهم تركهم التفكر.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) } [الروم:8 - 11] .

وأمر بالنظر في ملكوت السماء والأرض وبالتفكر فيهما قائلًا: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:185] .

وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) } [ق:6] .

وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الروم:8] 76.

يقول الحق جل جلاله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ} أي: «أولم يثبتوا التفكر في أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة، فيتفكروا بها في مصنوعات الله، حتى يعلموا أنها ما خلقت عبثًا، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكن زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقوله: اعتقده في قلبك، أو: أو لم يتفكروا في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها، وهم أعلم بأحوالها، فيتدبروا ما أودعها الله تعالى، ظاهرًا وباطنًا، من غرائب الحكمة الدالة على التدبير من الحكيم القديم، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازي فيه، على الإحسان إحسانًا، وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق مثلها، وأنه لا بد لهم من الانتهاء إلى ذلك الوقت، فيعلموا أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، أي: ما خلقها باطلًا وعبثًا من غير حكمة ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة البالغة، وتنتهي إلى أجل مسمى وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، بالثواب والعقاب، فيخرب هذا العالم، ويقوم عالم آخر، لا انتهاء لوجوده» 77.

فقد نعاهم وشنع بذكر ووصفهم بأنهم مكذبون وكافرون بهذه الآيات ووبخهم وتهكم عليهم.

فقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) } [الأنبياء:30 - 32] 78.

وهذه الآية كقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) } [يوسف:105] .

وفي الآية نعي لمن لا يتفكر في الآيات الكونية.

قال أبو جعفر الطبري: «يقول جل وعز: وكم من آية في السماوات والأرض لله، وعبرة وحجة، وذلك كالشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك من آيات السماوات، وكالجبال والبحار والنبات والأشجار وغير ذلك من آيات الأرض {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} ، يقول: يعاينونها فيمرون بها معرضين عنها، لا يعتبرون بها، ولا يفكرون فيها وفيما دلت عليه من توحيد ربها، وأن الألوهة لا تنبغي إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كل شيء، فدبرها» 79.

كما نعى الله من لم ينظر في الآيات الكونية بقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) } [ق:6 - 8] .

والمعنى في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا} يقول تعالى ذكره: أفلم ينظر هؤلاء المكذبون بالبعث بعد الموت المنكرون قدرتنا على إحيائهم بعد بلائهم: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} ، فسويناها سقفًا محفوظًا، وزيناها بالنجوم، {وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} يعني: وما لها من صدوع وفتوق، قوله: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} والرواسي الجبال {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} : أي من كل زوج حسن المنظر وقوله: {تَبْصِرَةً} يقول: فعلنا ذلك تبصرة لكم أيها الناس نبصركم بها قدرة ربكم على ما يشاء، {وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} يقول: وتذكيرًا من الله عظمته وسلطانه، وتنبيهًا على وحدانيته {لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} يقول: لكل عبد رجع إلى الإيمان بالله، والعمل بطاعته 80.

-ضرب الله تعالى بالآيات الكونية مثلًا للعبرة والعظة، ومن ذلك قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ?17? صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ?18? أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ?19?يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:17 - 20] .

فالآيات الكونية في الآية هي: النار والظلمات والصيب الذي هو المطر والرعد والبرق والصواعق، وهذا المثل ضربه الله تعالى للمنافقين في تجملهم بظاهر الإسلام وحقنهم دماءهم بما أظهروا، فمثل ما تجملوا به من الإسلام كمثل النار التي يستضيء بها المستوقد، وقوله: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} معناه، إطلاع الله المؤمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر الله عز وجل من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، أي: عذبهم، فلانور لهم؛ لأن الله جل وعز قد جعل للمؤمنين نورًا في الآخرة، وسلب الكافرين ذلك النور، والدليل على ذلك قوله: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} [الحديد:13] 81.

وقوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} ثنى الله سبحانه وتعالى في شأنهم بتمثيل آخر لزيادة الكشف والإيضاح، شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارًا، وإظهار الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وهنا شبه دين الإسلام بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من جهة أهل الإسلام بالصواعق 82.

وفي هذا المثل شبه سبحانه وتعالى حالهم بأمرين: كل واحد منهما تشبيهٌ قائمٌ بذاته.

أولهما: إنه سبحانه وتعالى شبه حالهم بحال قوم أصابهم مطر شديد ينصب عليهم انصبابًا، صحبه غمام بعد غمام، فيه ظلمة بعد ظلمة، وفيه رعد وبرق، وفيه الإنذار بالعذاب الشديد، فهم في خوف ووجل يحسبون كل صيحة فيها الموت، ويجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت.

وفي هذا تصوير لنفس منافقة، فهي نفس تائهة فارغة، دائمًا لا تستقر على أمر، ولا تطمئن على قرار، فهم في اضطراب؛ لأنهم لا يؤمنون بشيء، والإيمان هو المطمئن دائمًا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.

وإذا كان التشبيه السابق يصور حالهم في طلب الدليل وعدم الأخذ به؛ لغلبة الهوى، وسيطرة الشهوة، والجحود الموروث، فهذا التشبيه يصور حالهم من هلع مستمر، وخوف من غير مخوف، ولذلك يقول بعض علماء النفس: إن النفاق منشؤه ضعف في النفوس 83.

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } [البقرة:26] .

قال الإمام الرازي: «ولما كان كل بق وبعوضة داعيًا إلى معرفة الذات والصفات قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26] .

ذلك؛ لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله، وبحسب تركيبها العجيب تدعو إلى علم الله، وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله، فكأنه تعالى يقول: مثل هذا الشيء كيف يستحيا منه» 84.

ومعنى الآية: إنه تعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها، فهو لا يستصغر شيئًا يضرب به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها.

كما ضرب المثل بالذباب في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) } [الحج:73] .

وغير ذلك من أمثال الكتاب العزيز 85.

كما ضرب الله تعالى مثلًا بالكلب لمن ترك العمل بكتاب الله وآياته، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) } [الأعراف:175 - 177] 86.

يقال: لهث الكلب يلهث لهثًا ولهاثًا إذا دلع لسانه، قال مجاهد: هذا مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به، والمعنى: أن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء، كحالتي الكلب، فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثًا، وإن ترك وربض كان لاهثًا، وهذا التمثيل لم يقع لكل كلب وإنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك أحسن ما يكون وأبشعه 87.

قال الإمام الرازي: «واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض، كان مشبهًا بأخس الحيوانات، وهو الكلب اللاهث، وفي تقرير هذا التمثيل أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش، وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين وأغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، ويلقي نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة» 88.

وضرب الله مثلًا للحق وأهله والباطل وحزبه بقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) } [الرعد:17] .

قوله: {وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} يعني: الماء والذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس، قوله: {فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} أي: يبقى ولا يذهب، جعل هذا مثلًا للحق والباطل في القلوب، يعني: أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع ويهلك، والحق كالماء وكهذه الأشياء يمكث ويبقى في القلوب 89.

هذا مَثَلٌ ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، كما ضرب الأعمى والبصير والظلمات والنور مثلًا لهما، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء، فتسيل به أودية الناس، فيحيون به، وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلى منه، واتخاذ الأواني والآلات المختلفة، ولو لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفى به، وأن ذلك ماكث في الأرض باقٍ بقاءً ظاهرًا، يثبت الماء في منافعه، وتبقى آثاره في العيون والبئار والجبوب، والثمار التي تنبت به مما يدخر ويكنز، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن المنفعة، بزبد السيل الذي يُرمى به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب 90.

وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} أي: مطرًا {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} أي: أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرًا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علمًا كثيرًا، ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها، {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبدٌ عالٍ عليه، هذا مثل.

وقوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ} ، هذا هو المثل الثاني، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، أي: ليجعل حلية نحاس أو حديد، فيجعل متاعًا، فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه، كذلك يضرب الله الحق والباطل، أي: إذا اجتمعا، لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب والفضة، ونحوهما مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق، ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس، يذهب ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء، وذلك الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} كقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت:43] .

وقال بعض السلف: كنت إذا قرأت مثلًا من القرآن فلم أفهمه، بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} 91.

وضرب الله عز وجل مثلًا للإيمان به بالشجرة الطيبة، وضرب مثلًا للكفر به بالشجرة الخبيثة، والشجرة من الآيات الكونية.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) } [إبراهيم:24 - 26] .

فجعل مثل المؤمن في نطقه بتوحيده والإيمان بنبيه واتباع شريعته، كالشجرة الطيبة، فجعل نفع الإقامة على توحيده كنفع الشجرة الطيبة التي لا ينقطع نفعها وثمرها، وجاء في التفسير أن الشجرة الطيبة النخلة، والدليل على أن هذا المثل يراد به توحيد الله، والإيمان بنبيه وشريعته قوله عز وجل: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم:27] 92.

قال الإمام ابن كثير: «قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً} شهادة أن لا إله إلا الله، كشجرة طيبة وهو المؤمن، {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء، وهكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد: إن ذلك عبارة عن عمل المؤمن، وقوله الطيب، وعمله الصالح، وإن المؤمن كشجرة من النخل لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت وصباح ومساء» 93.

وضرب الله مثلًا لحالة المؤمن، ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فطر عليها، بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية بقوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) } [النور:35] .

قال الإمام الماوردي: «قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فيه أربعة أقاويل:

أحدها: معناه الله هادي السماوات والأرض، قاله ابن عباس وأنس.

الثاني: الله مدبر السماوات والأرض، قاله مجاهد.

الثالث: الله ضياء السماوات والأرض، قاله أٌبيٌ.

الرابع: منور السماوات والأرض، فعلى هذا فبما نورهما به ثلاثة أقاويل:

أحدها: الله نور السماوات بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء.

الثاني: أنه نور السماوات بالهيبة ونور الأرض بالقدرة.

الثالث: نورهما بشمسها وقمرها ونجومها، قاله الحسن، وأبو العالية.

{مَثَلُ نُورِهِ} فيه أربعة أقاويل:

أحدها: مثل نور الله، قاله ابن عباس.

الثاني: مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن شجرة.

الثالث: مثل نور المؤمن، قاله أٌبيٌ.

الرابع: مثل نور القرآن، قاله سفيان.

فمن قال: مثل نور المؤمن، يعني في قلب نفسه، ومن قال: مثل نور محمد، يعني في قلب المؤمن، ومن قال: نور القرآن، يعني في قلب محمد، ومن قال: نور الله، فيه قولان:

أحدهما: في قلب محمد.

الثاني: في قلب المؤمن.

{كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} فيه خمسة أقاويل:

أحدها: أن المشكاة كُوَة لا منفذ لها والمصباح السراج، قاله كعب الأحبار.

الثاني: المشكاة القنديل والمصباح الفتيلة، قاله مجاهد.

الثالث: المشكاة موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأنبوب، والمصباح الضوء قاله ابن عباس.

الرابع: المشكاة الحديد الذي به القنديل وهي التي تسمى السلسلة والمصباح هو القنديل، وهذا مروي عن مجاهد أيضًا.

الخامس: أن المشكاة صدر المؤمن والمصباح القرآن الذي فيه والزجاجة قلبه، قاله أُبيٌ.

والمشكاة لفظ حبشي معرب.

{الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} فيه قولان:

أحدهما: يعني أن نار المصباح في زجاجة القنديل؛ لأنه فيها أضوأ، وهو قول الأكثرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت