وقال ابن الجوزي: «وفي معنى تحريفهم الكلم قولان: أحدهما: أنهم كانوا يسألون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الشيء، فإذا خرجوا، حرفوا كلامه، قاله ابن عباس. والثاني: أنه تبديلهم التوراة، قاله مجاهد» 121.
وقال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة:13] .
قال السمعاني: «تحريفهم الكلم: هو تبديلهم نعت الرسول، وقيل المراد به: تحريفهم بسوء التأويل» 122.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة:41] .
قال أبو حيان: «أي: يزيلونه ويميلونه عن مواضعه التي وضعها الله فيها. قال ابن عباس والجمهور: هي حدود الله في التوراة، وذلك أنهم غيروا الرجم، أي: وضعوا الجلد مكان الرجم، وقال الحسن: يغيرون ما يسمعون من الرسول عليه السلام بالكذب عليه، وقيل: بإخفاء صفة الرسول، وقيل: بإسقاط القود بعد استحقاقه. وقيل: بسوء التأويل» 123.
ثانيًا: واجب المسلمين تجاه التوراة المنزلة والتوراة المحرّفة:
المسلم يؤمن بأن التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام حق من عند الله تعالى، وقد اشتملا على الأحكام والمواعظ والأخبار، التي فيها هدى ونور للناس في معاشهم وحياتهم وآخرتهم، كما يعتقد المسلم أن التوراة والإنجيل أنزلا من عند الله، ولكن شابهما الكثير من التحريف والتبديل، ولا نصدق منها إلا ما وافق القرآن والسنة.
وقد أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى قد حرّفوا كتبهم، وأضافوا إليها وأنقصوا منها، فلم تبق كما أنزلها الله تعالى.
فالتوراة الموجودة الآن ليست هي التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، لأن اليهود حرفوا وبدّلوا، وتلاعبوا بكثير من أحكامها.
قال تعالى: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) [النساء:46] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فتبعوه وتركوا التوراة) 124.
وقد استقر هذا المعنى في نفوس الصحابة والمؤمنين بعدهم.
يقول ابن عباس: (يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) 125.
ولا يمنع هذا من صحة بعض مواضع في التوراة، لما فيها من آثار الأنبياء؛ ففي التوراة حق وباطل كما أخبر الله ورسوله، ومن النصوص التي اشارت إلى شيء من الحق في كتبهم ألبسوه الباطل والزور قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [آل عمران:71] .
وقوله تعالى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) [المائدة:43] .
وفي صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا:(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى? وَعِيسَى? وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ) [البقرة:136] 126.
وقد بينت الآيات موقف المسلمين من التوراة بجلاء ووضوح، إذ يخبرنا الله أنها وحيٌ منه.
قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) [المائدة:44] .
ولكن الناس قد توارثت كتبًا بديلة عن التوراة نسبت إلى الله، لكنها خالية -إلا قليلًا- من الهدى والنور، فقد حملت هذه الأسفار في طياتها ضعف البشر وجهلهم، فجاءت متناقضة، مليئة بالكثير مما لا يرضي العقلاء نسبته إلى الله ووحيه القويم.
ومما يثبت أن هذه الأسفار ليست توراة موسى عليه السلام، أن القرآن الكريم نسب إلى أسفار موسى من المعاني التي نفتقدها في النصوص الحالية للتوراة، ومن ذلك قوله تعالى: (نَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ?) [التوبة:111] .
ولا وجود لهذا المعنى في العهد القديم ولا الجديد، ومثله قوله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ?16? وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ?17? إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ?18? صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [الأعلى:16 - 19] .
فهذا المعنى لا وجود له في صحف الأسفار المنسوبة لموسى، والتي تخلو من الحديث عن الآخرة والقيامة 127.
وللتوراة أسماء كثيرة قد وضعها حاخامات اليهود؛ فتعرف بالعهد القديم، وهو مصطلح يستخدمه المسيحيون للإشارة إلى كتاب اليهود المقدس، بينما يستخدم مصطلح (العهد الجديد) للإشارة إلى الأسفار التي تضمنتها الأناجيل الأربعة، وأما اليهود فيستخدمون عبارة (الكتب المقدسة) ، وأحيانًا (الكتب) ، وأحيانًا (التوراة) للتعبير عن العهد القديم 128.
فالعهد القديم هو الكتاب الذي يضم ثلاثة أشياء: التوراة، والأنبياء، والمكتوبات.
والجزء الأول هو الذي نزل على موسى عليه السلام، وقد حرّفوه، أما الجزءان الآخران فهما صناعة بشرية خالصة 129.
فالتوراة والتي هي كتب موسى تطلق عندهم على الأسفار الخمسة: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر التثنية، وسفر اللاويين، وسفر العدد 130.
وعليه: فنحن نؤمن بتوراة موسى كل الإيمان، ونؤمن بأنها حرفت ولم تحفظ، وأن القوم أخفوا منها شيئًا وكتبوا أشياء، وضاع منها الكثير، وما بين يديهم لا يخلو من بعض الحق، وعلى المسلم أن يحترمها ولا يهينها ولا يدنسها؛ لأنها قد تحتوي في طياتها على شيء من بقايا كلام الله الذي لم يحرف.
ثالثًا: واجب المسلمين تجاه الإسرائيليات:
تنقسم الأخبار الإسرائيلية إلى أقسام ثلاثة، وهى ما يأتي:
القسم الأول: ما يعلم صحته؛ بأن نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلًا صحيحًا، وذلك كتعيين اسم صاحب موسى عليه السلام بأنه الخضر، فقد جاء هذا الاسم صريحًا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إنما سمي الخضر أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء) 131، أو كان له شاهد من الشرع يؤيده. وهذا القسم صحيح مقبول.
القسم الثاني: ما يعلم كذبه بأن يناقض ما عرفناه من شرعنا، أو كان لا يتفق مع العقل، وهذا القسم لا يصح قبوله ولا روايته.
القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا هو من قبيل الأول، ولا هو من قبيل الثاني، وهذا القسم نتوقف فيه، فلا نؤمن به ولا نكذّبه، وتجوز حكايته، لما تقدّم من قوله صلى الله عليه وسلم: في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا:(آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى? وَعِيسَى? وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:136] 132.
وهذا القسم غالبه مما ليس فيه فائدة تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا اختلافًا كثيرًا، ويأتي عن المفسّرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين بعض البقرة الذى ضرب به قتيل بنى إسرائيل، ونوع الشجرة التي كلّم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن ولا فائدة في تعيينه تعود على المكلّفين في دنياهم أو دينهم.
ثم إذا جاء شيء من هذا القبيل -أي: ما سكت عنه الشرع ولم يكن فيه ما يؤيده أو يفنده- عن أحد من الصحابة بطريق صحيح، فإن كان قد جزم به فهو كالقسم الأول، يقبل ولا يرد، لأنه لا يعقل أن يكون قد أخذه عن أهل الكتاب بعد ما علم من نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تصديقهم. وإن كان لم يجزم به فالنفس أسكن إلى قبوله، لأن احتمال أن يكون الصحابي قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو ممن سمعه منه، أقوى من احتمال السماع من أهل الكتاب، لا سيما بعد ما تقرر من أن أخذ الصحابة عن أهل الكتاب كان قليلًا بالنسبة لغيرهم من التابعين ومن يليهم.
أما إن جاء شيء من هذا عن بعض التابعين، فهو مما يتوقف فيه ولا يحكم عليه بصدق ولا يكذب، وذلك لقوة احتمال السماع من أهل الكتاب، لما عرفوا به من كثرة الأخذ عنهم، وبعد احتمال كونه مما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا إذا لم يتفق أهل الرواية من علماء التفسير على ذلك، أما إن اتفقوا عليه: فإنه يكون أبعد من أن يكون مسموعًا من أهل الكتاب، وحينئذ تسكن النفس إلى قبوله والأخذ به 133.
ويجمل الشنقيطي الأمر فيقول: «ومن المعلوم: أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات، في واحدة منها يجب تصديقه وهي: ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه، وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي: إذا ما دل القرآن والسنة على كذبه، وفي الثالثة: لا يجوز التكذيب ولا التصديق، وهي ما إذا لم يثبت في كتابٍ ولا سنّة صدقه ولا كذبه» 134.
قال تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) } [آل عمران:48 - 50] .
قال السمرقندي: «فعلّمه الله بالوحي والإلهام والحكمة، يعني: الفقه، والتّوراة والإنجيل، يعني: يحفظ التوراة عن ظهر قلبه. وقال بعضهم: وهو عالم بالتوراة، وقال بعضهم: ألهمه الله بعد ما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة» 135.
وقال ابن عطية: «والتّوراة هي المنزلة على موسى عليه السلام، ويروى أن عيسى كان يستظهر التوراة وكان أعمل الناس بما فيها، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر قلب إلا أربعة: موسى، ويوشع بن نون، وعزير، وعيسى عليهم السلام» 136.
وقال ابن كثير: « {وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} ؛ فالتوراة: هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران، والإنجيل: هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى عليهما السلام، وقد كان عيسى عليه السلام، يحفظ هذا وهذا» 137.
وفي قوله تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) } [آل عمران:50] .
قال الطبري: «وإنما قيل: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} ؛ لأن عيسى صلوات الله عليه، كان مؤمنًا بالتوراة مقرًّا بها، وأنها من عند الله. وكذلك الأنبياء كلهم، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم، لمخالفة الله بينهم في ذلك. مع أنّ عيسى كان - فيما بلغنا - عاملًا بالتوراة لم يخالف شيئًا من أحكامها، إلا ما خفّف الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددًا عليهم فيها» 138.
ويقول الرازي: «اعلم أنه عليه السلام لما بين بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولًا من عند الله تعالى، بين بعد ذلك أنه بماذا أرسل، وهو أمران، أحدهما: قوله: ومصدقًا لما بين يدي من التوراة ... ، وأنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقًا لجميع الأنبياء عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقًا لموسى بالتوراة، ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم؛ تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين، وأما المقصود الثاني من بعثة عيسى عليه السلام قوله: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم» 139.
وقال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) } [المائدة:46] .
قال القنوجي: «أي: مصدقًا وهاديًا وواعظًا {لِلْمُتَّقِينَ} . وهذا ليس بتكرار للأول؛ لأن في الأول إخبارًا بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة، وفي الثاني إخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة، فظهر الفرق بينهما» 140.
قال ابن كثير: « {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} ، أي: متبعًا لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بيّن لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ؛ ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة» 141.
فعلم أن عيسى عليه السلام كان مؤمنًا بالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، متبعًا لها، لم يخالفها إلا في أشياء قليلة.
وموسى وعيسى وجميع الأنبياء كان دينهم الإسلام العام، وهو: توحيد الله عز وجل، وعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19] .
وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران:85] .
وقال عن نوح عليه السلام: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:72] .
وقال عن إبراهيم عليه السلام: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) } [آل عمران:67] .
وقال عن موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) } [يونس:84] .
وقال عن يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف:101] .
فلا يقال: دين موسى عليه السلام اليهودية، بل دينه الإسلام، وأتباعه سموا باليهود؛ إما لقولهم: هدنا إليك، أي: تبنا ورجعنا، أو نسبة ليهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام، وكذلك دين عيسى عليه السلام الإسلام، وليس النصرانية، والنصارى هم أتباعه الذين نصروه وآزروه.
لكنه عليه السلام كان متبعًا للتوراة حافظًا لها مقرًّا بها؛ لأنه من جملة بني إسرائيل الذين أرسل فيهم موسى عليه السلام، ثم أنزل الله عليه الإنجيل، وفيه تصديق لما في التوراة، كما سبق. فنبي الله عيسى عليه السلام من بني إسرائيل من غير خلاف، «لا ريب أن قوم موسى عليه السلام هم بنو إسرائيل، وبلسانهم نزلت التوراة، وكذلك بنو إسرائيل هم قوم المسيح عليه السلام، وبلسانهم كان المسيح يتكلم» 142.
قال ابن القيم: «لو لم يظهر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لشهادتهم وشهادة لهم بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) } [الصافات:37] » 143.
فلقد جاءت صفات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصفات الذين على دينه في التوراة، إلى أن وصل الحد ببني إسرائيل أن يعرفوه كما يعرفون أبناءهم.
قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) } [البقرة:146] .
وفيما يلي بيان لبعض صفاته وصفات الذين معه كما وردت في التوراة.
أولًا: صفات الرسول الكريم في التوراة:
إنّ وصف النبي في التوراة واضحٌ وضوح الشمس في رابعة النهار، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) } [الأعراف:157] .
قال ابن كثير: «وهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم» 144.
قال أبو السعود في معرض صفاته المذكورة في الآية: «فإن ما بيّن فيه: من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحلال الطيبات، وتحريم الخبائث، وإسقاط التكاليف الشاقة؛ كلّها من آثار رحمته الواسعة» 145.
ولقد جاءت صفات النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة كما جاءت في القرآن، ويظهر ذلك في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه (عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا) 146.
فلقد جمع هذا الحديث الكثير من صفاته صلى الله عليه وسلم في التوراة، وفي القرآن والسنة نظير لها، وفيما يلي تفصيل ذلك:
الوصف الأول: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا) ، ويناظره في القرآن: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) } [الأحزاب:45] .
وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) } [الفتح:8] .
الوصف الثاني: (حرزًا للأميين) ، أي: حصنًا للأميّين، وهم: الذين لا كتاب لهم من العرب وغيرهم، ويقابله في القرآن قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) } [الجمعة:2] .
الوصف الثالث: (أنت عبدي ورسولي) ، ويقابله في القرآن قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) } [الجن:19] .
وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) } [البقرة:23] .
وقوله أيضًا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } [الإسراء:1] .
الوصف الرابع: التوكل على الله؛ (سمّيتك المتوكّل) ، وقد جاءت في هذا المعنى آيات كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159] .