فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 2431

ومن قال بالقول الأول حجته: أن الأشهر جمعٌ، وأقلّه ثلاثةٌ، وأيضًا فإن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج: من رمي الجمار، والذبح والحلق، وطواف الزيارة، والبيتوتة، يعني ليالي منى، وإذا حاضت المرأة، فقد تؤخّر الطواف الذي لابد منه إلى انقضاء أيامٍ بعد العشرة، ومذهب عروة تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.

وأجيب على حجتهم هذه: أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد؛ بدليل قوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] .

وأيضًا فإنه نزّل بعض الشهر منزلة كلّه، فإن العرب تسمّي الوقت تامًّا بقليله وكثيره، يقال: زرتك سنة كذا، وأتيتك يوم الخميس، وإنما زاره، وأتاه في بعضه، وأيضًا فإن الجمع ضمّ شيءٍ إلى شيءٍ، فإذا جاز أن يسمى الاثنان جماعةً جاز أن يسمى الاثنان وبعض الثالث جماعةً، وأما رمي الجمار فإنما يفعله الإنسان وقد حلّ بالحلق والطواف والنحر، فكأنه ليس من أعمال الحج، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في حكم القضاء لا في حكم الأداء. والأشهر: جمع، وأقلّه ثلاثة، وقد حملناه على شهرين وبعض الثالث، وذلك شوال، وذو القعدة، وبعض ذي الحجة» 71.

وإذا علم أن أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وبعض ذي الحجة أو كلها، فلا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج، فمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه، ويكون ذلك عمرة، كمن دخل في صلاة قبل وقتها، فتكون نافلة، والدليل على هذا قوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} فخصّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها، فلو كان الإحرام بالحج في غير هذه الأشهر منعقدًا جائزًا لما كان لهذا التخصيص فائدة، مثل الصلوات علّقها بمواقيت لم يجز تقديمها عليها 72.

وقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ} أي: في أشهر؛ لقوله بعده: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} . و (الحج) مبتدأ، و (أشهر) خبره، والمبتدأ والخبر لابد أن يصدقا على ذاتٍ واحدٍ، و (الحج) فعل من الأفعال، و (أشهر) زمانٌ، فهما غيران، فلابد من تأويل، وهو القول أن في الكلام حذفًا تقديره: أشهر الحج أشهر، أي: لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهلية في غيرها، كقوله: البرد شهران، أي: وقت البرد شهران، أو: وقت الحج أشهر، أو: وقت عمل الحج أشهر، والغرض إنما هو أن يكون الخبر عن الابتداء هو الابتداء نفسه، والحج ليس بالأشهر، فاحتيج إلى هذه التقديرات، ومن قدّر الكلام: الحج في أشهر، فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ بنصبها أحد 73.

وقوله: {مَعْلُومَاتٌ} أي: عند المخاطبين مشهورات، بحيث لا تحتاج إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره، وكما بيّن تعالى أوقات الصلوات الخمس، وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم التي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم. قال ابن عاشور: «ووصف الأشهر بمعلومات حوالة على ما هو معلوم للعرب من قبل، فهي من الموروثة عندهم عن شريعة إبراهيم، وهي من مبدأ شوال إلى نهاية أيام المحرم، وبعضها بعض الأشهر الحرم؛ لأنهم حرّموا قبل يوم الحج شهرًا وأيامًا، وحرّموا بعده بقية ذي الحجة والحرام كله؛ لتكون الأشهر الحرم مدة كافية لرجوع الحجيج إلى آفاقهم، وأما رجب فإنما حرّمته مضر؛ لأنه شهر العمرة» 74.

والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبًا. قال الزجاج: معناه أشهر الحج أشهر معلومات، وهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، قال ابن عباس: جعلهن الله للحج وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، وأما العمرة فإنه يحرم بها في كل شهر، فآخر هذه الأشهر يوم عرفة، وقد جاء في بعض الأخبار في تفسير أشهر الحج: وعشر من ذي الحجة، وفي بعضها: تسع من ذي الحجة، فمن قال: تسع فإنما عبّر به عن الأيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحج عرفة) 75 فمن وقف بعرفة في يوم عرفة من ليل أو نهار فقد تم حجه، ومن قال: عشرة عبّر به عن الليالي، فمن لم يدركه إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج، والشهور إنما يؤرخ بالليالي 76.

ثالثًا: الأهلة مواقيت الحج:

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189] .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «قال العوفي عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} يعلمون بها حلّ دينهم، وعدّة نسائهم، ووقت حجّهم» 77.

وفي البخاري عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} 78.

والمعنى: يسألك أصحابك -أيها النبي-: عن الأهلة وتغيّر أحوالها، قل لهم: جعل الله الأهلة علامات يعرف بها الناس أوقات عباداتهم المحددة بوقت، مثل الصيام، والحج، ومعاملاتهم، وليس الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية، وأول الإسلام من دخول البيوت من ظهورها حين تحرمون بالحج، أو العمرة، ظانين أن ذلك قربة إلى الله، ولكن الخير هو فعل من اتقى الله، واجتنب المعاصي، وادخلوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة، واخشوا الله تعالى في كل أموركم، لتفوزوا بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة.

وفي قوله: {مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} يدخل فيه مواقيت الصلوات والصيام والزكاة والعقود وغيرها، وإنما خص الحج بالذكر لكثرة ما يترتب عليه من الأوقات العامة والخاصة، وكذلك هي مواقيت للعدد والديون والإجارات وغيرها، قال تعالى لما ذكر العدة: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1] .

وقوله في الصيام: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] .

وقال تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226] .

{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] .

وقال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف: 12] .

وذلك لمعرفة كمال قدرة الله في إفاقتهم، فلو استمروا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم، فمتى ترتب على ضبط الحساب وإحصاء المدة مصلحة في الدين والدنيا كان مما حث وأرشد إليه القرآن 79.

قال ابن عاشور: «وذكر فوائد خلق الأهلة في هذا المقام للإيماء إلى أن الله جعل للحج وقتًا من الأشهر، لا يقبل التبديل؛ وذلك تمهيدًا لإبطال ما كان في الجاهلية من النسيء في أشهر الحج في بعض السنين» 80. ونلحظ هنا أنهم سألوا عن الأهلة فأجابهم الحق تبارك وتعالى بغير ما ينتظرون؛ إشارة إلى أن السؤال عن سر الاختلاف ليس فيه منفعة شرعية، وإنما ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية.

ومما سبق كله نجد أن سياق النص وسبب نزوله يشير إلى أن ذكر الحج هنا قد جاء في معرض إبطال الشرك، وتصحيح الفهم الجاهلي، فكأنه يقول: إن الأهلة مواقيت للناس والحج، وما يفعلونه في الحج من التمنع من دخول البيوت من تحت السقوف إنما هو محض افتراء على الله عز وجل، ولا علاقة له بالبر أبدًا.

رابعًا: أماكن ومشاعر للحج ورد ذكرها في القرآن:

ورد ذكر أماكن ومشاعر للحج في القرآن، منها: الصفا والمروة، وعرفات، والمشعر الحرام.

أما ذكر الصفا والمروة، وكونهما من شعائر الله، فقد قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .

ومعنى الآية: إن الصفا والمروة من معالم دين الله الظاهرة التي تعبّد الله عباده بالسعي بينهما، فمن قصد الكعبة حاجًّا أو معتمرًا، فلا إثم عليه ولا حرج في أن يسعى بينهما، بل يجب عليه ذلك، ومن فعل الطاعات طواعية من نفسه مخلصًا بها لله تعالى، فإن الله تعالى شاكر يثيب على القليل بالكثير، عليم بأعمال عباده فلا يضيعها، ولا يبخس أحدًا مثقال ذرة.

وقوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} الصفا: جمع الصّفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال امرؤ القيس:

لها كفل كصفا المسيل

أبرز عنها جحاف مضر

والمروة: من الحجارة ما لان وصغر، قال أبو ذؤيب الهذلي:

حتى كأني للحوادث مروة

بصفا المشرق كل يوم تقرع

أي: صخرة رخوة صغيرة، وإنما عنى الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكة، دون سائر الصفا والمروة؛ فلذلك أدخل فيهما الألف واللام 81. فالألف واللام فيهما للتعريف لا للجنس، ومع توسعة المسجد الحرام صارا متصلين به.

واختلف في اشتقاق الصفا، فقيل: من قولهم: صفا يصفو: إذا خلص. وحكي عن جعفر بن محمد قال: نزل آدم على الصفا وحواء على المروة فسمّي الصفا باسم آدم المصطفى، وسميت المروة باسم المرأة، وقيل: إن اسم الصفا ذكّر بإساف، وهو صنم كان عليه مذكر الاسم، وأنّثت المروة بنائلة، وهو صنم كان عليه مؤنث الاسم 82.

وقوله: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الشعائر: جمع شعيرة، من الإشعار بمعنى الإعلام، ومنه قولك: شعرت بكذا، أي: علمت به، وقد كانت الشعائر كلها معروفة لديهم، وهي أمكنة وأزمنة وذوات؛ فالصفا والمروة والمشعر الحرام من الأمكنة، والشهر الحرام من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد من الشعائر الذوات.

وكون الصفا والمروة من شعائر الله أي: أعلام دينه ومتعبداته، تعبدنا الله بالسعي بينهما في الحج والعمرة.

وشعائر الحج: معالمه الظاهرة للحواس، التي جعلها الله أعلامًا لطاعته، ومواضع نسكه وعباداته، كالمطاف والمسعى والموقف والمرمى والمنحر.

وتطلق الشعائر أيضًا على العبادات التي تعبدنا الله بها في هذه المواضع؛ لكونها علامات على الخضوع والطاعة والتسليم لله تعالى 83. فكل ما كان معلمًا لقربان يتقرب به إلى الله عز وجل من دعاء، وصلاة، ومن ذبيحة، وأداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة.

والصفا والمروة داخلة في الشعائر التي أمرنا بتعظيمها، كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .

وأن تعظيمها المنصوص في هذه الآية: يدل على عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة. وإنما جعلها كذلك لأنها من أثار هاجر وإسماعيل وما جرى عليهما من البلوى، ويستدل بذلك على أن من صبر على البلوى، لابد وأن يصل إلى أعظم الدرجات 84.

وسيأتي تفصيل الكلام على هذا الركن -السعي بين الصفا والمروة- في أركان الحج التي ذكرت في القرآن.

ومن مناسك الحج التي ذكرت في القرآن، عرفات والمشعر الحرام:

فقال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] .

وسبب نزولها: أن قريشًا كانوا يقفون يوم عرفة بالمزدلفة، ويقولون: نحن قطّان بيت الله، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم؛ لأن عرفات خارج عن الحرم، وعامة الناس يقفون بعرفات، فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو عرفات، لا من المزدلفة كفعل قريش، وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وحكى ابن جرير عليه الإجماع. حيث قال: «والذي نراه صوابًا من تأويل هذه الآية: أنه عنى بهذه الآية قريشًا، ومن كان متحمسًا معها من سائر العرب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله» 85.

وفي قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} أي: دفعتم، والتعبير بـ {أَفَضْتُمْ} يصوّر لك هذا المشهد، كأن الناس أودية تندفع؛ وأصل الإفاضة: الدفع بقوة، من فاض الماء إذا نبع بقوة، ثم استعمل في مطلق الاندفاع على سبيل المبالغة 86. والعرب كانوا يسمون الخروج من عرفة الدفع، ويسمون الخروج من مزدلفة إفاضة، وكلا الإطلاقين مجاز؛ لأن الدفع هو إبعاد الجسم بقوة، ومن بلاغة القرآن إطلاق الإفاضة على الخروجين لما في (أفاض) من قرب المشابهة من حيث معنى الكثرة دون الشدة؛ ولأن في تجنب (دفعتم) تجنبًا لتوهم السامعين أن السير مشتمل على دفع بعض الناس بعضًا؛ لأنهم كانوا يجعلون في دفعهم ضوضاء وجلبة وسرعة سير، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في حجة الوداع، وقال: (يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس في الإيضاع) 8788.

وقوله: {مِنْ عَرَفَاتٍ} (من) ابتدائية، والتصريح باسم (عرفات) في هذه الآية للرد على قريش؛ إذ كانوا في الجاهلية يقفون في (جمع) وهو المزدلفة؛ لأنهم حمس، فيرون أن الوقوف لا يكون خارج الحرم، ولما كانت مزدلفة من الحرم كانوا يقفون بها، ولا يرضون بالوقوف بعرفة؛ لأن عرفة من الحل ... ؛ ولهذا لم يذكر الله تعالى المزدلفة في الإفاضة الثانية باسمها، وقال: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} لأن المزدلفة هو المكان الذي يفيض منه الناس بعد إفاضة عرفات؛ فذلك حوالة على ما يعلمونه 89.

وعرفات: فيه الصرف وعدمه كأذرعات، وسمي عرفات لقول إبراهيم الخليل عليه السلام لجبريل حين علّمه المناسك: قد عرفت، أو لمعرفة آدم حواء فيها 90. أو لأن جبريل عرّف فيه الأنبياء مناسكهم، أو أنه سمّي بذلك لعلو الناس فيه، والعرب تسمي ما علا (عرفة) و (عرفات) ومنه سمّي عرف الديك لعلوه 91. لأنه مرتفع؛ وكل شيء مرتفع يسمى بهذا الاسم. ومنه: أهل الأعراف، كما قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا} [الأعراف: 48] .

وقيل في اشتقاق عرفة: أنه من الاعتراف؛ لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والاستغناء، ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة، ويقال: إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه وتعالى: الآن عرفتما أنفسكما.

وقيل: إنه من العرف وهو الرائحة الطيبة، قال تعالى: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 6] .

أي: طيّبها لهم، ومعنى ذلك أن المذنبين لما تابوا في عرفات، فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب، ويكتسبون به عند الله تعالى رائحة طيبة 92. وقيل: لأن الناس يتعارفون بينهم؛ إذ إنه مكان واحد يجتمعون فيه في النهار، فيعرف بعضهم بعضًا. وقيل: لأنه أعرف الأماكن التي حوله 93.

وتسمى عرفات المشعر الحلال، والمشعر الأقصى، وإلال -على وزن هلال-، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:

وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له

إلال إلى تلك الشّراج القوابل 94.

وبقي ليوم عرفة خمسة أسماء أخرى فأحدها: يوم الحج الأكبر.

قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 3] .

وثانيها: الشفع، وثالثها: الوتر، ورابعها: الشاهد، وخامسها: المشهود في قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3] 95.

وذكر (عرفات) باسمه تنويهًا به، ويدل على أن الوقوف به ركن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) 96، فلم يذكر من المناسك باسمه غير عرفة، والصفا والمروة، وفي ذلك دلالة على أنهما من الأركان، خلافًا لأبي حنيفة في الصفا والمروة 97. كما سيأتي.

وقوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} يقول الحق جل جلاله: فإذا وقفتم بعرفة، وأفضتم منها، فانزلوا المزدلفة وبيتوا بها، فإذا صليتم الصبح بغلس فقفوا عند (المشعر الحرام) وهو جبل في آخر المزدلفة، واذكروا الله عنده بالتهليل والتكبير والتلبية إلى الإسفار، هكذا فعل الرسول عليه الصلاة والسلام.

واختلف في الذّكر المأمور به عند المشعر الحرام ما هو؟ فقال بعضهم: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء، والصلاة تسمّى ذكرًا؛ قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] .

وأيضًا فإنه أمر بالذكر هناك، والأمر للوجوب، ولا ذكر هناك يجب إلا هذا. وعن سفيان بن عيينة قوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وهي الصلاتين جميعًا 98.

وقال الجمهور: هو ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان الناس إذا أدركوا هذه الليلة لا ينامون» 99. قال ابن عثيمين: «وقوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أي: باللسان والقلب والجوارح، فيشمل كل ما فعل عند المشعر من عبادة، ومن ذلك صلاة المغرب والعشاء والفجر» 100.

و (المشعر) هو المعلم، وسمي بذلك لأن الدعاء عنده، والمقام فيه من معالم الحج، فهو (مفعل) اسم مكان، وهو المكان الذي تؤدى فيه شعيرة من شعائر الله عز وجل، وهو اسم مشتق من الشعور، أي: العلم، أو من الشعار، أي: العلامة؛ لأنه أقيمت فيه علامة كالمنار من عهد الجاهلية، ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم يدفعون من عرفات آخر المساء، فيدركهم غُبْس ما بعد الغروب، وهم جماعات كثيرة، فخشوا أن يضلوا الطريق، فيضيق عليهم الوقت 101.

وحدّ المشعر: ما بين منى ومزدلفة، من حد مفضي مأزمي عرفة إلى محسر، وليس مأزما عرفة من المشعر. قال في المحرر: «و (المشعر الحرام) هو جمعٌ كله، فهي كلها مشعر إلى بطن محسر، كما أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، بفتح الراء وضمها، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة كلها مشعر، وارتفعوا عن بطن محسر) 102 وذكر هذا عبد الله بن الزبير في خطبته، وفي المزدلفة قرن قزح الذي كانت قريش تقف عليه، وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام ندبٌ عند أهل العلم» 103.

ووصف المشعر بـ (الحرام) أي: ذي الحرمة؛ لأنه داخل حدود الحرم، وقال العلماء: إن هذا الوصف وصف قيدي؛ ليخرج المشعر الحلال، وهو عرفة، وقالوا: إن المشعر مشعران: حلال وهو عرفة، وحرام وهو مزدلفة. فعرفة مشعر حلال؛ لأنها من الحل؛ ولهذا يجوز للمحرم أن يقطع الأشجار بعرفة. وفيها: دلالة على أن مزدلفة في الحرم، كما قيده بالحرام، وأن عرفة في الحل، كما هو مفهوم التقييد بـ (مزدلفة) .

والمشعر الحرام: مزدلفة، سميت مزدلفة؛ لأنها ازدلفت من منى، أي: اقتربت؛ لأنهم يبيتون بها قاصدين التصبيح في منى، ويقال للمزدلفة أيضًا (جمع) لأن جميع الحجيج يجتمعون في الوقوف بها الحمس وغيرهم من عهد الجاهلية، قال أبو ذؤيب:

فبات بجمع ثم راح إلى منى

فأصبح رادًا يبتغي المزح بالسحل 104.

أو: لأنه يجمع فيها بين صلاة العشاء والمغرب، وقيل: إن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها، أي: دنا منها. قال الرازي: «وفي تسمية المزدلفة أقوال: أحدها: أنهم يقربون فيها من منى، والازدلاف: القرب، والثاني: أن الناس يجتمعون فيها، والاجتماع: الازدلاف، والثالث: أنهم يزدلفون إلى الله تعالى، أي: يتقربون بالوقوف» 105. قال ابن عاشور: «ومن قال: إن تسميتها جمعًا لأنها يجمع فيها بين المغرب والعشاء فقد غفل عن كونه اسمًا من عهد ما قبل الإسلام، وتسمى المزدلفة أيضًا (قزح) بقاف مضمومة، وزاي مفتوحة ممنوعًا من الصرف، باسم قرن جبل بين جبال من طرف مزدلفة، ويقال له: الميقدة؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا يوقدون عليه النيران، وهو موقف قريش في الجاهلية، وموقف الإمام في المزدلفة على قزح» 106.

واختلف في المبيت في مزدلفة هل هو ركن أم واجب؟

قال ابن كثير: «وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به؟ كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض أصحاب الشافعي، منهم: القفال، وابن خزيمة؛ لحديث عروة بن مضرس، أو واجب، كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء، كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء» 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت