فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 2431

الحق

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الحاء والقاف، أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته» 1.

وقال علماء اللغة: الحق خلاف الباطل، وجمعه حقوق وحقان، ومعنى: حقّ الأمر، يحقّ حقًّا وحقوقًا، أي: ثبت ووجب، وأحققت الشيء، أي: أوجبته، وتحقق عنده الخبر، أي: صلح، وكلامٌ محقق، أي: رصين 2.

والحاقة: القيامة، وسميت بذلك؛ لأن فيها حواق الأمر، وحاقّه، أي: خاصمه، وادعى كل واحد منهما الحق 3.

نخلص مما سبق أن الحق في اللغة يطلق على الثابت والواجب من كل الأمور، الذي هو خلاف الباطل، والذي يجب التمسك به وعدم تركه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

تعددت تعريفات العلماء للمعنى الاصطلاحي للحق؛ نظرًا لتنوع اهتماماتهم، وأقربها لموضوعنا هو أنه: «الحكم المطابق للواقع، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك» 4.

فالحق أمر ثابت، لا جدال فيه، ولا تغيير، ولا ترك له.

ورد الجذر (ح ق ق) في القرآن (278) مرة، يخص موضوع البحث منها (247) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المصدر ... 247 ... {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون:71]

وأطلق الحق في القرآن على سبعة أوجه 6:

الأول: الله تعالى: ومنه قوله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] يعني: الله تعالى.

الثاني: القرآن: ومنه قوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) } [الزخرف: 29] يعني: القرآن.

الثالث: الإسلام: ومنه قوله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) } [الإسراء: 81] يعني: الإسلام.

الرابع: العدل: ومنه قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء: 112] يعني: بالعدل.

الخامس: التوحيد: ومنه قوله تعالى: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) } [الصافات: 37] يعني: بالتوحيد.

السادس: الصدق: ومنه قوله تعالى: {قَوْلُهُ الْحَقُّ} [الأنعام: 73] يعني: الصدق.

السابع: الحق الذي يضاد الباطل: ومنه قوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} [الأحقاف: 3] .

الصدق:

الصدق لغة:

نقيض الكذب، صدق، يصدق، صدقًا، وصدقًا، وتصادقًا، قيل: صدقه الحديث: أنبأه بالصدق، ويقال: صدقت القوم، أي: قلت لهم صدقًا وتصادقًا في الحديث وفي المودة 7.

الصدق اصطلاحًا:

مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلّم 8.

وقال الراغب: الصّدق مطابقة القول الضّمير والمخبر عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًّا 9.

الصلة بين الحق والصدق:

الحق أعم من الصدق؛ لأنه وقوع الشيء في موقعه الذي هو أولى به، والصدق: الإخبار عن الشيء على ما هو به، والحق يكون إخبارًا وغير إخبار 10.

الحقيقة:

الحقيقة لغة:

الثبات، والاستقرار، والقطع، واليقين، ومخالفة المجاز 11. وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له من أصل اللغة 12.

الحقيقة اصطلاحًا:

هو كل لفظ يبقى على موضوعه، وقيل: ما اصطلح الناس على التخاطب به 13.

الصلة بين الحقيقة والحق:

الحقيقة ما وضع من القول موضعه في أصل اللغة، حسنًا كان أو قبيحًا، والحق: ما وضع موضعه من الحكمة، فلا يكون إلا حسنًا، وإنما شملهما اسم التحقيق؛ لاشتراكهما في وضع الشيء منهما موضعه من اللغة والحكمة 14، ولم يرد لفظ الحقيقة في القرآن الكريم.

العدل:

العدل لغة:

ضد الجور، وهو ما قام في النفوس أنه مستقيم، من عدل يعدل فهو عادل. يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله 15.

العدل اصطلاحًا:

هو تحرّي المساواة والمماثلة بين الخصمين بألّا يرجّح أحدهما على الآخر بشيءٍ قطّ، بل يجعلهما سواءً 16.

الصلة بين العدل والحق:

العدل: هو العدول بالفعل إلى الحق دون جور أو ظلم، أما الحق فهو النتيجة من العدول بالفعل إلى الحق، وهو ما وجب وتحقق عنده الفعل 17.

الباطل:

الباطل لغة:

هو خلاف الحق وضده 18.

الباطل اصطلاحًا:

هو: ما لا ثبات له، ولا خير فيه، سواء أكان اعتقادًا أم فعلًا أم كلامًا أم غيره 19.

الصلة بين الحق والباطل:

الحق ضد الباطل.

خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون، ووضع له نواميس، وأوجد له سننًا تدل على حكمته وعلمه سبحانه وتعالى.

قال عز وجل: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 18] .

وقال سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] .

وهذه السنن الإلهية هي من تقديره سبحانه وتعالى، قال عز وجل: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .

وعندما نتعرف سنن الله في خلقه وتدبيره تطمئن نفوسنا؛ لأننا نعلم أن لله سبحانه وتعالى سننًا يسيّر الخلق بناءً عليها بلا فوضى ولا اضطراب، وسنن الله سبحانه وتعالى كثيرة، لابد للمسلم أن يتفطن لها، وهذه السنن لا تبدل ولا تغير فيها.

قال سبحانه وتعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62] .

أولًا: الحق سنّة الله سبحانه وتعالى في خلقه:

من هذه السنن سنة الحق، وعلى هذا خلق الله سبحانه وتعالى الخلق، وأوجد أهل الحق، الذين يذودون عن حياضه، وهم الرسل وأتباعهم، نموذج الحق والخير على وجه الأرض، الذين يبتغون الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبالمقابل فهناك الشيطان وأتباعه، أهل الباطل الذين لا يبغون إلا نشر الفتنة، واغتصاب الحقوق، والتعدي على الآخرين، فهم نموذج الفساد والإفساد على وجه الأرض.

وقد حصل التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل منذ بدء الخليقة؛ لأن وجود أحدهما يستلزم مزاحمة الآخر وطرده وإزالته، أو إضعافه، ومنعه من أن يكون له تأثير.

قال عز وجل: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251] .

قال الطبري في تفسير الآية: «يعني تعالى ذكره بذلك، ولولا أن الله يدفع ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا، -وهم أهل المعصية لله والشرك به- كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له، وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداءً: من بعثة ملك عليهم؛ ليجاهدوا معه في سبيله، بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر، جالوت وجنوده {لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} يعني: لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم» 20.

ثانيًا: الحق سنّة الله في تدبيره:

بيّن القرآن الكريم أن الحق غالب، وأن الباطل مهما علا فهو مدحور مهزوم، قال سبحانه وتعالى: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} [الشورى: 24] .

معنى الآية: أن من شأن الله سبحانه وتعالى أن يزيل الباطل ويفضحه؛ بإيجاد أسباب زواله، وأن يوضح الحق؛ بإيجاد أسباب ظهوره، حتى يكون ظهوره فاضحًا لبطلان الباطل، فلو كان القرآن مفترى على الله لفضح الله بطلانه، وأظهر الحق، فالمراد بالباطل جنس الباطل، وبالحق جنس الحق 21.

وقال سبحانه وتعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18] .

قال القاسمي في معنى الآية: « {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} ، أي: يمحقه بالكلية، كما فعلنا بأهل القرى المحكية، {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} ، أي: هالك بالكلية» 22.

وهذه قصة موسى عليه السلام مع فرعون دليل على أن الحق منتصر في النهاية.

قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 117 - 118] .

والمعنى: أن الحق ثبت، وفسد ما كانوا يعملون من الحيل والتخييل، وذهب تأثيره؛ إذ تبين لمن شهده وحضره أن موسى رسول من عند الله يدعو إلى الحق، وأن ما عملوه ما هو إلا إفك السحر وكذبه ومخايله 23.

ومن الأمثلة على نصرة الله سبحانه وتعالى للحق ما أنزل من الملائكة يوم بدر، قال عز وجل: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7 - 8] .

قال المراغي: «أي: وعد الله بما وعد، وأراد إحدى الطائفتين ذات الشوكة، ليحق الحق (وهو الإسلام) ويثبته، ويبطل الباطل (وهو الشرك) ويزيله، {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} أولو الاعتداء والطغيان، ولا يكون ذلك بالاستيلاء على العير، بل بقتل أئمة الكفر من قريش، الذين خرجوا إليكم من مكة ليستأصلوكم» 24.

وفي ختام هذا المبحث نقول بأن سنة الله في نصر أهل الحق لا تتحقق إلا إذا هيأ المسلمون في أنفسهم ومجتمعاتهم عوامل النصر، التي أرشد القرآن الكريم إليها، وأمر الله بها، وأبعدوا عن أنفسهم ومجتمعاتهم عوامل الفشل، ومعوقات النصر.

صفة الحق صفة جليلة، وهي صفة كمال وبهاء وعظمة لله عز وجل، صفة ذاتية ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع أهل السنة، ومعنى هذه الصفة أنه هو الحق في وجوده، وفي كونه سبحانه وتعالى، وهو الحق في وعده، وهو الحق في لقائه، وهو الحق في عقابه سبحانه وتعالى. ومن الآيات القرآنية الدالة على ثبات هذه الصفة لله عز وجل، قوله سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج: 6] .

نبه سبحانه وتعالى بهذه الآية على أن كل ما سوى الله سبحانه وتعالى -وإن كان موجودًا حقًّا- فإنه لا حقيقة له من نفسه؛ لأنه مسخر مصرف، والحق الحقيقي هو الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول هو الله سبحانه وتعالى 25.

أولًا: الله سبحانه وتعالى هو الحق:

إن الله سبحانه وتعالى هو الحق، وهذه الصفة ثابتة لله سبحانه وتعالى، ومن الآيات الدالة على ثبوت صفة الحق لله سبحانه وتعالى قوله عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62] .

قال الرازي في تفسيرها: «ما معنى قوله ذلك بأن الله هو الحق؟ وأي تعلق له بما تقدم؟ الجواب فيه وجهان: أحدهما: المراد أن ذلك الوصف الذي تقدم ذكره من القدرة على هذه الأمور، إنما حصل لأجل أن الله هو الحق، أي: هو الموجود الواجب لذاته، الذي يمتنع عليه التغير والزوال، فلا جرم أتى بالوعد والوعيد. ثانيهما: أن ما يفعل من عبادته هو الحق، وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل» 26. وكلا المعنيين تحتمله الآية.

ومن الأدلة على ثبوت صفة الحق لله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: { ... وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25] .

قال الشوكاني: «أي: ويعلمون عند معاينتهم لذلك، ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز، أن الله هو الحق الثابت في ذاته وصفاته وأفعاله، المبين المظهر للأشياء كما هي في نفسها، وإنما سمي سبحانه وتعالى الحق؛ لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره، وقيل: سمي بالحق، أي: الموجود؛ لأن نقيضه الباطل، وهو المعدوم» 27.

يتبين مما سبق أن الله سبحانه وتعالى حقٌ ثابت في ذاته وصفاته وأفعاله، لا يزول ولا يتغير.

كما أكدت السنة الشريفة على هذه الصفة وثبوتها لله عز وجل، فقد ورد في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في قيام الليل: ( ... وأنت الحق، وقولك الحق ... ) 28، ووجه الدلالة في ذلك أن اسم الله سبحانه وتعالى الحق، ويتضمن صفة الحق، والعبد الذي يعتقد بهذه الصفة اعتقادًا جازمًا يصدق بوجود الله سبحانه وتعالى، فهو يتعبد لربه سبحانه وتعالى، ويصدق بوعد الله عز وجل ولقائه، ويحمله ذلك على أن يصدق بأنه سيقف أمام الله عز وجل، ويحاسبه على كل كبيرة وصغيرة. وهذا التصديق بأن الله سبحانه وتعالى حق، يحمله على المسارعة في الخيرات؛ فلا يتكلم إلا بالحق، ولا يفعل إلا الحق، ولا يناصر إلا الحق، ولا يحيد عن الحق، ولا يحمله الغضب أن يحيد عن الحق، ولا يميله الحب أو العاطفة عن الحق 29.

ولقد اقترن اسم الله عز وجل (المَلِك) باسمه (الحقّ) في موضعين من القرآن الكريم، وهما قوله عز وجل: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [طه: 114] .

وقوله سبحانه وتعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116] .

قال أبو السعود: «الملك الحق الذي يحقّ له الملك على الإطلاق إيجادًا وإعدامًا، بدءًا وإعادةً، إحياءً وإماتةً، عقابًا وإثابةً، وكلّ ما سواه مملوكٌ له، مقهورٌ تحت ملكوته» 30.

وقال ابن عاشور: «تفرع على ما تقدم بيانه من دلائل الوحدانية، والقدرة، والحكمة، ظهور أن الله هو الملك الذي ليس في اتصافه بالملك شائبة من معنى الملك، فملكه الملك الكامل في حقيقته، الشامل في نفاذه، والتعريف في الملك للجنس. والحق: ما قابل الباطل، ومفهوم الصفة يقتضي أن ملك غيره باطل، أي: فيه شائبة الباطل، لا من جهة الجور والظلم؛ لأنه قد يوجد ملك لا جور فيه ولا ظلم، كملك الأنبياء والخلفاء الراشدين، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلفاء والأمراء، بل من جهة أنه ملك غير مستكمل حقيقة المالكية، فإن كل من ينسب إلى الملك عدا الله سبحانه وتعالى، هو مالك من جهة، ومملوك من جهة لما فيه من نقص واحتياج، فهو مملوك لما يتطلبه من تسديد نقصه بقدر الحاجة، ومن استعانة بالغير لجبر احتياجه، فذلك ملك باطل؛ لأنه ادعاء ملك غير تام» 31.

يتبيّن مما سبق أن الله سبحانه وتعالى يبيّن في الآيات الكريمة أن ملكه يختلف عن ملك غيره، فملكه سبحانه وتعالى حق ثابت له مستكمل لحقيقة الملك، فهو صاحب الملك؛ لأنه الخالق الذي هو في غنى عن غيره، بخلاف ملك غيره فهو ملكٌ مخلوق ناقص، يحتاج إلى غيره دائمًا ليقوّم له عوجه، فملكه ملكٌ غير تام.

نخلص مما سبق أن الله سبحانه وتعالى هو الحق في ذاته، وصفاته، فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، ووجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفًا، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا، فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق.

قال سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62] 32.

ثانيًا: الملائكة:

إن عالم الملائكة من عوالم الغيب التي يجب الإيمان بها، بصفته ركنًا من أركان الإيمان، والإيمان بهم يتضمن التصديق بوجودهم، وإنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه كالإنس والجن، مأمورون مكلفون، لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه. والأدلة على وجود الملائكة كثيرة جدًّا، ففي القرآن الكريم آيات عديدة تناولت الحديث عنهم، منها قوله سبحانه وتعالى: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الحجر: 8] .

أي: تنزيلًا متلبسًا بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن نأتيكم بهم عيانًا تشاهدونهم، ويشهدون لكم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار، ومثله قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الحجر: 85] 33.

ومنها قوله سبحانه وتعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [القدر: 4] .

قال ابن عاشور: «تنزل الملائكة يكون للخير، ويكون للشر لعقاب مكذبي الرسل. قال سبحانه وتعالى: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} [الحجر:8] .

وقال سبحانه وتعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [الفرقان: 22] .

وجمع بين إنزالهم للخير والشر في قوله سبحانه وتعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال: 12] الآية. فأخبر هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا وقاموا ليلة القدر فهذه بشارة» 34.

ومن الأدلة القرآنية على وجود الملائكة قوله سبحانه وتعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285] .

يقول الطبري: «وصدّق المؤمنون أيضًا مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ورسله» 35.

وفي السنة النبوية أيضًا أحاديث متعددة تثبت وجود هذا العالم الكريم، ومن أشهر الأدلة حديث جبريل عليه السلام الذي فيه: (فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت) 36.

فوجود الملائكة عليهم السلام مثلما هو حق ثابت بالكتاب والسنة، فهو ثابت بالإجماع، يقول ابن حزم: «واتفقوا أن الملائكة حق، وأن جبريل وميكائيل ملكان، رسولان لله عز وجل، مقربان عظيمان عند الله سبحانه وتعالى، وأن الملائكة كلهم مؤمنون» 37.

ولا يجوز إنكار وجودهم، ومن أنكر وجودهم فهو كافر بنص القرآن الكريم، قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] .

وقد أجمع المسلمون على كفر من أنكر وجود الملائكة؛ لأن إنكار وجودهم فيه إنكار للرسالة والقرآن 38.

يتبيّن مما سبق أن الملائكة حق؛ لأنهم الوسائط بين الله سبحانه وتعالى وأنبيائه، والمبلغون لكتبه، فالإيمان بهم يوجب إجلالهم وإكرامهم فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

ثالثًا: الكتب المنزلة:

إن الله سبحانه وتعالى أنزل على رسله عليهم السلام كتبًا، لهداية الناس إلى طريق العبادة التي ارتضاها لهم، فمنها ما سماها لنا في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة، ومنها ما لم يسمه لنا، بل ذكرت مجملة، قال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] .

ومن هذه الكتب السماوية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم، والتوراة والإنجيل، والصحف، والزبور، وهي حق من عند الله سبحانه وتعالى.

قال عز وجل: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 3 - 4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت