فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 2431

وتزيين الله تعالى للإيمان في الآية الثالثة، يقصد به توفيقه لعباده المؤمنين لقبولهم الحق بما أودعه في قلوبهم من محبة القلب وإيثاره، وما رافق الحق من حجج قاطعة تدل عليه، فيستقيم في القلب راسخًا لا يتزحزح 47.

الآخر: يتعلق بخلق الله تعالى، وبديع صنعه، والمتتبع لهذه الآيات يلحظ أن التزيين خصت به السماء في معظم الآيات، وهي على النحو الآتي:

قال تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ(16 ) ) [الحجر: 16] .

وقال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ. إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ?6?) [الصافات: 6] .

وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ?6?ڑ) [ق: 6] .

وقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ? وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ?5?) [الملك: 5] .

ويبدو أن سبب التركيز على عرض زينة السماء، يعود إلى كون البروج العظيمة الدائرة فيها، لا تغيب عن ناظر أحد، فجعلت أشكالًا تقع موقع الحسن في الأنظار؛ للدلالة على عظيم قدرة الله، وبديع صنعه، وانفراده بالخلق، ولو صدق الكفار في دعواهم المستمرة بطلب المعجزات من أجل الإيمان، لكفتهم هذه المعجزة السماوية في تحقيق مطلبهم 48.

3.ذكر التزيين غير مسمى إلى فاعله.

وقد ورد هذا، في تسعة مواضع؛ اختصت ثمانية منها للحديث عن تزيين الأعمال للكفار أو المنافقين، واختلفت أقوال المفسرين في إسناد فعل التزيين على عدة أوجه؛ فمنهم من قال: إن فعل التزيين منسوب إلى الله تعالى. وقال آخرون: إن إسناد الفعل للشيطان. في حين ذهب آخرون إلى أن المزين هم الرؤساء للمرؤوسين 49.

المقصود الإلهي من تزيين الدنيا وزخرفتها:

قبل الحديث عن الحكمة الإلهية من تزيين الدنيا وزخرفتها، لا بد من تقرير قاعدة مهمة، وهي أن أصل الزينة في الحياة الدنيا أمرٌ ليس بمذمومٍ في نفسه وذاته إذا روعي فيه ما أوصى الله برعيه، دليل ذلك من المنقول، قول الله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ? قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ) ? [الأعراف: 32] .

أما دليله من المعقول، فإن الناظر يرى، أن الله تعالى أودع في جنس البشر حبًا للعلم والمعرفة، وميلًا للشهوات الحسية والعقلية، والزينة الصورية والمعنوية، فانطلقوا تلبية لذلك نحو استكشاف كل مجهول يواجهونه في حياتهم، «فكانت غريزة حب الزينة وغريزة حب الطيبات من الرزق سببًا لتوسع البشر في أعمال الفلاحة والزراعة وما يرقيها من فنون الصناعة وسائر وسائل العمران، وإظهار عجائب علم الله وحكمته وقدرته في العالم ورحمته وإحسانه بالخلق» 50، فكانت بذلك سببًا من أسباب التقدم والرقي؛ لذا فهي غير مذمومة في ذاتها، إنما تقترن بها أشياء تذم لأجلها؛ كالإسراف فيها، بحيث تشغل عن عبادة الله تعالى، أو عن معالي الأمور، وإضاعة الوقت الطويل في التلذذ بها، وسلوك سبل غير قويمة للحصول عليها، واستعمالها وسيلة للصد عن طاعة الله وعبادته.

والأدلة على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى? رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ?) [يونس: 88] .

وقوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى? قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ? قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [القصص: 79] .

أما عن تزيين الدنيا، وما عليها من موجودات، فله حكم إلهية عديدة، جاءت في قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(7 ) ) [الكهف: 7] .

وقد فصل رشيد رضا، وابن عاشور، في تعداد هذه الحكم أثناء تفسيرهما هذه الآية، نجملها فيما يأتي 51:

خطورة الانجرار وراء الدنيا:

حب الدنيا والغرور بزينتها، يصرفان جميع قوى النفس إلى التفاني في طلبها، والسعي في تحصيل متعها، وبذلك تنصرف عن النظر الصحيح في آيات الحق وبيناته، وتعمى عن سبيل الله وصراطه، فشهوة الزعامة تصرف صاحبها إلى المسارعة في حب الظهور، والامتياز، والشهرة، والاستعلاء على أقرانه، وشهوة المال تصرف صاحبها إلى تخطي كل الحدود لتكديس المزيد من الأموال في خزائنه، وهكذا في شأن كل متع الدنيا وزخرفها.

لذا جاءت آيات عديدة تحذر من الاغترار بالدنيا، والتنبيه على سرعة انقضائها، وزوال نعيمها وملذاتها، وقد استعمل القرآن في سبيل ذلك، منبهات توقظ القلوب، فمن ذلك استعمال مصطلح «متاع» ثلاث عشرة مرة، في وصف الدنيا تنبيهًا أن لكل إنسان في الدنيا تمتعًا لمدة معلومة،53 كما في قوله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185] .

وها هو ذا، رشيد رضا يقول في تفسيره لهذه الآية: «وهي على كل حالٍ متاع الغرور؛ لأن صاحبها دائمًا مغرورٌ مخدوعٌ لها تشغله كل حينٍ بجلب لذاتها ودفع آلامها، فهو يتعب لما لا يستحق التعب، ويشقى لتوهم السعادة، ويتعب نقدًا ليستريح نسيئةً» 54.

ثانيًا: المال والبنون.

محبوبات النفس البشرية:

يعد المال والبنون، من أخطر الأشياء على النفس البشرية، وأشدها تأثيرًا على سلوك الإنسان، وتصرفاته، «وجعل القرآن الكريم نفس «الأموال والأولاد» فتنة لكثرة حدوث فتنة المرء من جراء أحوالهما مبالغةً في التحذير من تلك الأحوال وما ينشأ عنها، فكأن وجود الأموال والأولاد نفس الفتنة» 55.

فقال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(28 ) ) [الأنفال: 28] .

وقال أيضًا (? ں ں إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ? وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌہ) [التغابن: 15] .

كما عدهما القرآن الكريم، من أكثر المحبوبات إلى النفس البشرية، فقال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: 46] .

وإنما ذكرهما دون غيرهما من الزينة؛ لأنهما الجالب لها، والحافظ عليها، ففي المال جمالٌ ونفعٌ، وفي البنين قوةٌ ودفعٌ 56، وقد بين مدى تغلغل حب المال في قلب الإنسان، فقال تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ?20?) [الفجر: 20] .

وقال تعالى: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) [البقرة: 177] .

لذلك فإن المال يستعمل كوسيلة إغراء، تستمال من خلالها القلوب، وتروض الأفكار، فتتطوع الأجساد، وتخضع الإرادات، وهذا ما فعلته ملكة سبأ حين أرسلت وفدًا إلى نبي الله سليمان؛ وفدًا محملًا بالهدايا لاختباره، فإن كان ملكًا قبلها، وعرفت أن علاجه في بعض الخراج، والأموال تساق إليه كل عام، وإن كان نبيًا فلن يقبل منها شيئًا حتى تدخل هي وقومها في دينه 57 فقالت: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) [النمل: 35] .

والإمداد بالمال ليس دائما علامة رضا من الله تعالى، فالله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، وقد يوسع الله على العاصي ويضيق على الطائع، فإذا اقترن الإمداد بحال الغفلة والعصيان، كان ذلك دلالة على الاستدراج إلى المعاصي، واستجرار إلى زيادة الإثم 58.

قال تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ(55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ? بَل لَّا يَشْعُرُونَ (56) [المؤمنون: 55 - 56] .

فها هو ذا، قتادة يقول: «مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، فلا تعتبروا الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبروهم بالإيمان والعمل الصالح» 59

تقديم المال على الأولاد:

ورد ذكر المال والأولاد في القرآن الكريم على صور مختلفة؛ فجاء ذكر المال مفردًا في ستة وأربعين موضعًا، واقترن مع ذكر الأولاد في ستة وعشرين موضعًا، أما الاقتران بالأنفس، فجاء في خمسة عشر موضعًا، وانفرد بموضع واحد مقترنًا بالأهل والديار لكل منهما على حدة.

وبالتدقيق في المواضع القرآنية المشتملة على ذكر المال والأولاد تلاحظ الأمور الآتية:

••قدم الأموال من باب السبب، فإنه إنما شرع النكاح عند قدرته على مؤونته، فهو سببٌ. والتزويج سببٌ للتناسل، ولأن المال سببٌ للتنعيم بالولد وفقده سببٌ لشقائه 61.

••الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة، وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها 62.

••إن إعجاب الناس يسبق إلى المال قبل الإعجاب بالولد.

••إن المال فيه صفة الزينة، والإمداد لكلٍ من الآباء والأبناء في جميع الأوقات، أما البنون فزينتهم وإمدادهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ مبلغ الأبوة، ثم إن المال أقدم وجودا من البنين، و المال مناطٌ لبقاء النفس، والبنين لبقاء النوع، ولأن الحاجة إليه أمس من الحاجة إليهم 63.

••أما عن تقديم البنين على المال، في الموضعين (آل عمران والتوبة) فيرجع ذلك، إلى أن شهوة حب الولد الجبلية، أقوى في القلب من شهوة المال، فالمال يبذل في سبيل تحصيل الزواج المسبب للولد، فكان التقديم ترتيب للمحبوبات 64. قلت: ومما يقوي هذا، أن كثيرًا من الناس، ممن حرم الولد يبذل الغالي والنفيس في سبيل الإنجاب.

حب المال مدعاة لارتكاب المحرمات وتربية الخصال السيئة في القلب:

إن بريق الأموال وزينتها الأخاذة، تدفع النفس البشرية إلى السعي للحصول عليها، حتى لو اضطر بعض الناس إلى تخطي كثير من الحدود والمحرمات، وحب جمع المال يربي في النفس الكثير من الخصال السيئة ذات التأثير الخطير على شخصية محب المال والمجتمع من حوله، وقد ذكرت الآيات القرآنية صورًا عديدة لتلك المحرمات، والخصال السيئة، وهي على النحو الآتي:

••الاعتداء على أموال الضعفاء؛ كالأيتام، والنساء.

فجاء الأمر الإلهي بإرجاع الحقوق إلى أصحابها كاملة، من غير نقصان، ولا استبدال، فقال تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى? أَمْوَالَهُمْ ? وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء: 2] .

وقال أيضا: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ?) [النساء: 4] .

ونهى عن استخدام أساليب تكره المرأة على التنازل عن مالها أو جزء منه فقال تعالى: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) [النساء: 19] .

وجاء الوعيد الإلهي شديدًا، وقاسيًا، لكل من تعدى على مال اليتيم ظلمًا، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى? ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ? وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء: 10] .

••أكل حقوق الآخرين في الخصومات، ودفع الرشوة إلى الحكام للتغلب بأكل هذه الأموال 65.

قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ?188? ?) [البقرة: 188] .

••الصد عن سبيل الله.

لأن لذة جمع المال تطغى على العقل، حتى إنها تدفع صاحبها لمحاربة كل القيم والأخلاق الحميدة التي تقف حائلًا دون جمع المال الموصل إلى السيادة، والزعامة، واستمراريتها، وهذا ديدن الكافرين والظالمين في كل زمان، كما أخبر الله تعالى، عن ذلك في أكثر من موضع في القرآن الكريم، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ?) [الأنفال: 36] .

وقال على لسان موسى: (وَقَالَ مُوسَى? رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ? رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى? أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى? يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ?88?) [يونس: 88] .

وكما يستعمل المال للصد عن سبيل الله، كذلك، فإن الأولاد يستعملون لإرهاب الناس، وتخويفهم من اتباع الحق، وقد بين هذا المنهج نبي الله نوح؛ في شكواه إلى الله 66، فقال: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) [نوح: 21] .

••التلاعب بالأحكام الشرعية بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، وكتمان الحق؛ تلبية لرغبة أصحاب الأهواء، والشهوات، مقابل الحصول على مكافآت مالية.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? أُولَ?ئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) [البقرة: 174] .

••التكبر على خلق الله، والتعالي عليهم.

المصحوب بخلق الغرور والعجب بما جمع من الأموال مع نسيان المنعم، وجحود نعمته، كل ذلك يفضي إلى طغيان يغمر النفسية البشرية، ويتخلل في كل أجزائها، كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى? ?6?أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى? ?7?) [العلق: 6 - 7] .

وقد ضرب القرآن الكريم لذلك مثلين:

الأول: في قوله تعالى عن صاحب الجنتين: (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ?34?) [الكهف: 34] .

والآخر: قارون صاحب خزائن المال الذي جحد نعمة الله عليه، فقال: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص: 78] ؛وخرج خرجة، مليئة بالزهو والصلف، كما قال تعالى: (. فَخَرَجَ عَلَى? قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ?) [القصص: 79] .

••الركون للدنيا والخلود إليها.

قال تعالى: (ٹ ٹ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ?2?يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ?3?) [الهمزة: 2 - 3] .

ذلك أن جمع المال يورث في الإنسان طول الأماني، فيعمل على تشييد البنيان، وغرس الأشجار، وجري الأنهار، ونحو ذلك عمل من يظن أن ماله أبقاه حيًا، ويمكن أن يحمل المعنى على الحقيقة، فمن أشرب قلبه حب المال وجمعه، أصيب بفرط الغرور، واشتغل بالجمع والتكاثر عما أمامه من قوارع الآخرة 67.

خطورة إغراق القلب بحب المال:

حذر الله تعالى عباده المؤمنين من التلبس بما تلبست الأقوام السابقة من الانصراف إلى تكثير الأموال والأولاد، فينشغلوا عن مصيرهم وآخرتهم،68 فقال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ(1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) [التكاثر: 1 - 2] .

ووصف الله تعالى، أن كل ما من شأنه الزينة لا ديمومة له، فهو غرور يمر ولا يبقى، كالهشيم المتكسر، فقال تعالى: (ٹ ٹاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ? كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ? وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ? وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ?20?) [الحديد: 20] .

وفصل سبحانه وتعالى، في أكثر من موضع في القرآن الكريم، أن المال ليس هو السبيل النافع والمنجي يوم القيامة، فقال تعالى: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) [الليل: 11] .

ويوم القيامة يخاطب أهل النار بالقول: (قَالُوا مَا أَغْنَى? عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأعراف: 48] .

وذكر جل جلاله، أن العمدة في النجاح والفلاح يوم القيامة، والقربة منه سبحانه وتعالى، قائم على الإيمان، والعمل الصالح المستقر في القلب السليم، وليس كثرة الأموال والأولاد 69.

فقال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ?88?إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ?89?) [الشعراء: 88 - 89] .

وقال أيضا: (ھ ے ے وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى? إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) [سبأ: 37] .

وسيلة النجاة من فتنة المال وتبعاته الدنيوية والأخروية:

بعد استقراء الآيات التي تناولت الحديث عن الجانب المالي في حياة الإنسان، ومعاملاته اليومية، تبين، أن شهوة المال، يمكن أن تطغى على القلب البشري فتودي به إلى المهالك، لكن القرآن الكريم، كما وصف لنا المشكلة، وحذرنا منها، فإنه كذلك يقدم الحلول الواقعية، والأدوية الناجعة، لمنع حدوث المرض، بل حتى علاجه إذا وقع، ومن خلال النظر في الآيات القرآنية ذات العلاقة، يتجلى بوضوح أن البلسم الشافي لعلاج شهوة حب المال، وإطفاء نارها من القلب، هو الإنفاق والصدقة، من ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) [التوبة: 103] .

فالصدقة بعمومها -واجبها ونفلها- مطهرة من دنس البخل، والطمع، والدناءة، والقسوة على الفقراء البائسين، وما يتصل بذلك من الرذائل 70، وتربي في النفس قيمة الشعور والمسؤولية تجاه الآخرين، ومشاركتهم بما من الله عليه من مال هو بالأصل مالكه، امتثالا لقوله تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ?) [النور: 33] .

بمعنى آخر، فإن الصدقة تصحح بوصلة القلب نحو الآخرة، والتعلق بما هو باق، وتخلصه من رق كنز المال الذي هو فان.

وقد استعمل القرآن الكريم، الأساليب التشجيعية للحث على الصدقة؛ لأن إخراج المال ليس بالشيء السهل على النفس البشرية، وهذه الوسائل هي:

••الوقاية من عذاب النار، لقوله تعالى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ?17?الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى? ?18?) [الليل: 17 - 18] .

••مغفرة الذنوب ورفع الدرجات، لقوله تعالى: (. خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: 103] .

••مضاعفة الأجر والثواب، لقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 261] .

••ضمان دخول الجنة، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ?) [التوبة: 111] .

••الأمان من الخوف، والحزن في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: (. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 274] .

ثالثًا: الأمل:

لقد ورد ذكر الأمل في القرآن الكريم مرتين اثنتين، هما:

الأولى: في قوله تعالى: (. ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ? فَسَوْفَ يَعْلَمُونَٹ) [الحجر: 3] .

وفسر الأمل في هذه الآية على أوجه عدة، هي 71:

••الطمع بهلاك النبي صلى الله عليه وسلم، وتمني هلاك ملكه وأمره.

••تقديرهم بامتداد حياتهم؛ ليبقى لهم الرياسة، والشرف، وذلك الذي كان يمنعهم من الإجابة عنه، والانقياد له.

••الطمع أن المشركين وآباءهم قد أصابوا الحق، فمنعهم ذلك الإجابة عن الآيات والحجج، والنظر فيها.

وجاء الأمل في موضع الذم مع تعقيبٍ بالتهديد والوعيد؛ لأنه شغلهم عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة، ونسوا واجباتهم ومصائرهم الآخرة 72.

والتعبير القرآني، يصور الأمل بالمتحكم، بالقرارات والمسيطر على الأفعال، والحاجب عن رؤية الحق، حتى كأنه يحول صاحبه لمخلوق، همه الأكل، والتلذذ والتمتع، ويقول: هل من مزيد؟ يؤمل نفسه طول البقاء؛ ليزداد متعة، ولذة، فشابه الأنعام في أفعالها، ويمكن أن يطلق عليه، الأمل الكاذب.

قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد: 12] .

الآخر: في قوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف: 46] .

في هذه الآية تعقد مقارنة بين ما هو باق، وما هو فان، بين الأمل الصادق، والأمل الكاذب، فيبين منطوق الآية أن المال والبنون وما سواهما من المتع، زينة للحياة الدنيا التي هي في النهاية فانية، ويعقبه بذكر الأمل الصادق الذي يفضي إلى منفعة حقيقة، ومصلحة متحققة في الدنيا والآخرة، موعود بها من صادق الوعد جل جلاله، وذكر الباقيات بعد الزينة دل على أنها ليست باقية 73.

وذهب كثير من العلماء، إلى أن المراد بالباقيات الصالحات، جميع أعمال الخير؛ لأنها تبقى لصاحبها يوم القيامة 74،ففي الآية، توجيه إلهي لعباده المؤمنين، بضرورة الإكثار من أعمال الخير؛ لأنها الباقية الدائمة، متعددة النفع في الدنيا والآخرة.

رابعًا: التجارة والبيع:

أمر الله تعالى عباده بالسعي في الأرض، طلبا للرزق، والانتفاع مما هو مخلوق على وجه هذه الأرض، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ? وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ?15?) [الملك: 15] .

ويأتي هذا التوجيه الإلهي في إطار الحفاظ على عجلة الحياة في حركة دائمة منتجة، وتعد التجارة أبرز الأنشطة البشرية وقمتها في حركة الحياة؛ فهي قائمة على التبادلية بين منتج زارعٍ أو صانع، ومستهلك، وهي وسيلة عظيمة يستطيع الإنسان أن يحقق من خلالها الغنى والثراء، كما أنها تعد أحد أوجه القوة الفعالة المؤثرة في السياسات والقرارات الدولية.

ولما كان للتجارة هذا القدر من الأهمية، نبه الله تعالى إلى ضرورة الموازنة بين متطلباتها من مال، ووقت، وجهد، ومتابعة مستمرة، وبين الواجبات العبادية، فلا يطغى الجانب المادي على الجانب الروحي، ولا تهمل المعاملة مع الخالق في سبيل المعاملة مع المخلوق. وذكر أن من صفات عباده المؤمنين عدم انشغالهم بمتطلبات التجارة عن الواجبات العبادية.

فقال تعالى: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ? يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور: 37] .

ولعل تخصيص التجارة بذلك، يعود إلى أنها أقوى الصوارف للإنسان، وأشدها عن الواجبات العبادية؛ فكثرة الحديث عن حال السوق، والبضائع، وأسعار العملات، وغيرها من متعلقات التجارة، تصرف عن طاعة الله وذكره حتى يخلو القلب من ذلك، كما أن أمور البيع مما يشغل التاجر عن صلاته، فيؤخرها عن وقتها أو يضيعها أو لا يؤديها حقها؛ بإقامة أركانها، وتحقيق آثارها، وهي مانعة عن إخراج الزكاة، لأنه ينظر إليها على أنها تنقص من ماله 75.

وقد يتبادر إلى الذهن تساؤل: لما كان البيع داخلًا تحت جنس التجارة، فلم أعيد ذكره في الآية؟

والجواب كما ذكر أهل التفسير: إن أثر البيع في الإلهاء أقوى وأعظم؛ لأن ربحه متيقن ناجز، وربح ما عداه متوقع 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت