فهرس الكتاب

الصفحة 1994 من 2431

استثنى الله سبحانه وتعالى من الوعيد بالدرك الأسفل من النار من آمن من المنافقين، وأصلح حاله، واعتصم بالله دون الاعتزاز بالكافرين، وأخلص دينه لله.

قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 145 - 146] .

يخبر تعالى عن مآل المنافقين أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشرّ الحالات من العقاب، فهم تحت سائر الكفار؛ لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين، على وجه لا يشعر به ولا يحس، ورتبوا على ذلك جريان أحكام الإسلام عليهم، واستحقاق ما لا يستحقونه، فبذلك ونحوه استحقوا أشد العذاب، وليس لهم منقذ من عذابه ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه، وهذا عام لكل منافق إلا من منّ الله عليهم بالتوبة من السيئات، وأصلحوا له الظواهر والبواطن، والتجأوا إلى الله في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ} الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان {لِلَّهِ} فقصدوا وجه الله بأعمالهم الظاهرة والباطنة، وسلموا من الرياء والنفاق، فمن اتصف بهذه الصفات {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتأمل كيف خصّ الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: {وَأَصْلَحُوا} ؛ لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح؛ لشدة الحاجة إليهما خصوصًا في هذا المقام الحرج، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيًا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما.

وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا، مع أن السياق فيهم، بل قال: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} ؛ لأن هذه القاعدة الشريفة لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتّب عليه ثوابًا أو عقابا وكان ذلك مشتركًا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتّب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، فالتائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم 39.

والمتدبر لآيات التوبة في مواضعها في القرآن يلحظ أنه «كان يكتفي بأن يقول: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله، ولكنه هنا ينص على الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله؛ لأنه يواجه نفوسًا تذبذبت، ونافقت، وتولت غير الله، فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح، على التجرد لله، والاعتصام به وحده، وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة، وتلك الأخلاق المخلخلة .. ليكون في الاعتصام بالله وحده قوة وتماسك، وفي الإخلاص لله وحده خلوص وتجرد.

بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار.

وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين المعتزين بعزة الله وحده، المستعلين بالإيمان، المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان» 40.

وأخبر سبحانه وتعالى عن المنافقين أنهم إذا رجعوا إلى الإيمان والتوبة فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذّبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم.

قال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74] .

قال أبو جعفر: «اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله، ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنهم يحلفون بالله كذبًا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها، وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة أن الجلاس قاله، وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي بن سلول، والقول ما ذكره قتادة عنه أنه قال، ولا علم لنا بأن ذلك من أيٍّ؛ إذ كان لا خبر بأحدهما يوجب الحجة ويتوصل به إلى يقين العلم به، وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جل ثناؤه: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة: 74] » 41.

ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة رفقًا بهم ولطفًا بالرغم من أفعالهم العظيمة، فقال تعالى: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 74] .

فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه، يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك خيرًا لهم من النفاق، وإن يدبروا عن التوبة فيأبوها، ويصروا على كفرهم يعذّبهم عذابًا موجعًا في الدنيا، إما بالقتل، وإما بعاجل خزي لهم فيها، ويعذّبهم في الآخرة بالنار 42.

وفي الآية دلالة أنه لا يحصل الخير إلا عند التوبة؛ لأن التوبة أصل السعادة في الدنيا والآخرة.

ثالثًا: التوبة عن المعاصي:

أخبر سبحانه وتعالى أن العبد إذا تاب من أمهات الكبائر: الشرك والقتل والزنا، وفّقه للتوبة وقبلها منه.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 68 - 71] .

روى مسلم بسنده، عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ ناسًا من أهل الشّرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثمّ أتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: إنّ الّذي تقول وتدعو لحسنٌ، ولو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارةً، فنزل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} 43.

ومعنى الآية: «والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر فيشركون في عبادتهم إياه، بل يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة، ولا يقتلون النفس بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها، كالكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس بغير حق، ولا يأتون ما حرّم الله عليهم إتيانه من الفروج، ومن يفعل خصلة من خصال الفجور السالفة، يلق في الآخرة جزاء إثمه وذنبه الذي ارتكبه، بل سيضاعف له ربه العذاب يوم القيامة ويجعله خالدا أبدًا في النار مع المهانة والاحتقار، فيجتمع له العذاب الجسمي والعذاب الروحي. وبعد أن أتم تهديد الفجار على هذه الأوزار أتبعه بترغيب الأبرار في التوبة والرجوع إلى حظيرة المتقين فيفوزون بجنات النعيم، فقال: لكن من رجع عن هذه الآثام مع إيمانه وعمله الصالحات فأولئك يمحو الله سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت لهم لواحق طاعته، ومن تاب عن المعاصي التي فعلها، وندم على ما فرط منه، وزكى نفسه بصالح الأعمال، فإنه يتوب إلى الله توبة نصوحًا، مقبولة لديه، ماحية للعقاب، محصلة لجزيل الثواب، إلى أنه ينير قلبه بنور من عنده يهديه إلى سواء السبيل، ويوفقه للخير، ويبعده عن الضير» 44.

-التوبة من القتل خطأ.

أخبر سبحانه وتعالى بأنه لا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه.

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ? وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ? فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: 92] .

اختلف المفسرون فيمن نزلت: منهم من قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله.

قال السدي: «نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فكان أخًا لأبي جهل بن هشام لأمه، وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام ومعهما رجل من بني عامر بن لؤي، فأتوه بالمدينة، وكان عياش أحب إخوته إلى أمه، فكلّموه وقالوا: إن أمك قد حلفت أن لا يظلها بيت حتى تراك وهي مضطجعة في الشمس، فأتها لتنظر إليك ثم ارجع.

وأعطوه موثقًا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة، فأعطاه بعض أصحابه بعيرًا له نجيبًا، وقال: إن خفت منهم شيئًا فاقعد على النجيب، فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامري، فحلف ليقتلن العامري. فلم يزل محبوسًا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامري وقد أسلم ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ?) يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ?) فيتركوا الدية» 45.

وقال آخرون: نزلت في أبي الدرداء: قال ابن زيد في قوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) الآية. قال: نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء كانوا في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلًا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله قال: فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئًا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا شققت عن قلبه؟) فقال: ما عسيت أجد. هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء؟ قال: (فقد أخبرك بلسانه، فلم تصدّقه) قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: (فكيف بلا إله إلا الله؟) قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: (فكيف بلا إله إلا الله؟) حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) حتى بلغ: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)

قال الطبري رحمه الله: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرّف عباده بهذه الآية ما على من قتل مؤمنًا خطأ من كفارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه. وأي ذلك كان: فالذي عنى الله تعالى بالآية تعريف عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عقل عنه من عباده تنزيله، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه» 46.

ومعنى الآية: «على القاتل الخطأ (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) كفارة لذلك، تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء، ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة؛ لأن المقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير.

وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد (مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ) جبرًا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ما ترك الميت، فالدية داخلة فيما ترك.

وقوله: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو؛ لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت (فَإِنْ كَانَ) المقتول (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) أي: من كفار حربيين (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: وليس عليكم لأهله دية؛ لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم (وَإِنْ كَانَ) المقتول (مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ?) وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) الرقبة ولا ثمنها، بأن كان معسرًا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة، (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر، فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم. (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفيرًا لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، في أي وقت كان وأي محل كان 47.

-التوبة من الذنوب.

أخبر الله سبحانه أنه يقبل التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها.

قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَ?ئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: 17] .

المعنى: ما التوبة على الله لأحد من خلقه إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار، وترك العود إلى مثله من قبل نزول الموت بهم 48، فالله سبحانه لا يطارد عباده الضعاف، ولا يطردهم متى تابوا إليه وأنابوا. وهو سبحانه غني عنهم، وما تنفعه توبتهم، ولكن تنفعهم هم أنفسهم، وتصلح حياتهم وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه. ومن ثمّ يفسح لهم في العودة إلى الصف تائبين متطهرين 49.

وأجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية هي بجهالة عمدًا كانت أو جهلًا 50.

قبول التوبة لا يجب على الله عقلًا، وأما من جهة السمع فتضافرت ظواهر الآي والسنة على قبول الله التوبة، وأفادت القطع بذلك 51.

اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين؛ لقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31] .

وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب؛ خلافًا للمعتزلة 52.

-التوبة من الربا.

أخبر سبحانه وتعالى أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) [البقرة: 278 - 279] .

أي: عقاب شديد من نوع الحروب، فإنّ الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص يقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله: من التعزير والحبس، إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة 53.

وقوله تعالى: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم عليه، فإنما لكم رؤوس أموالكم، لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها 54.

-التوبة عن السرقة.

أخبر سبحانه وتعالى أنه من تاب من بعد سرقته، وأصلح في كل أعماله، فإن الله يقبل توبته.

قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:38 - 39] .

يقول جل ثناؤه: من رجع من هؤلاء السراق عما يكرهه الله من معصيته إياه إلى ما يرضاه من طاعته من بعد ظلمه، وظلمه: هو اعتداؤه وعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس، وأصلح نفسه بحملها على مكروهها في طاعة الله والتوبة إليه مما كان عليه من معصيته، فإن الله عزو جل يرجعه إلى ما يحب ويرضى عما يكرهه ويسخط من معصيته، إن الله -عز ذكره- ساتر على من تاب وأناب عن معاصيه إلى طاعته ذنوبه بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة، وتركه فضيحته بها على رؤوس الأشهاد، رحيم به وبعباده التائبين إليه من ذنوبهم 55.

قال الشافعي: «إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحاكم بأخذه، فتوبته ترفع عنه حكم القطع قياسًا على توبة المحارب» 56. «فأما أموال الناس فلابد من ردّها إليهم أو بدلها عند الجمهور» 57، أو الاستحلال منها 58.

رابعًا: التوبة عن التقصير:

المؤمن الحق لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي، فخوف التقصير ملازم له طالما فيه عين تطرف، وقلب ينبض، وقد يحدث التقصير: إما على سبيل السهو، أو على سبيل ترك الأولى.

وهذا الخلق من شيم الكرماء، يأتون بأبلغ وجوه الكرم ويستقلونه، ويعتذرون من التقصير، وفي قمة هؤلاء: الأنبياء عليهم السلام، والصحابة الكرام رضي الله عنهم.

وقد ذكر الله لنا أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام طلبا التوبة بالرغم من أنهما قاما ببناء قواعد البيت بتكليف إلهي، قال تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128] .

عن وهيب بن الورد أنه قرأ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .

ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مشفق أن لا يتقبل منك 59.

وقال تعالى عن رحمته بالنبي والمهاجرين والأنصار: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117] .

قال ابن عطية رحمه الله: «التوبة من الله رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في الأكثر رجوعًا من حالة طاعة إلى أكمل منها، وهذه توبته في هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رجع به من حاله قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمل مشقاتها إلى حاله بعد ذلك كله، وأما توبته على «المهاجرين والأنصار» فحالها معرضة، لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجدٍّ في الغزو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق الذي كاد أن يزيغ فرجوع من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا» 60.

هذا وقد حكى الله تعالى لنا عن حال المؤمنين الخلّص في قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60] .

أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وقلوبهم وجلة 61.

في الآيات: دلالة على أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى الأنبياء عليهم السلام والمهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، والخلّص من المؤمنين.

خامسًا: التوبة عن كتمان العلم:

أخبر سبحانه وتعالى أن من شروط قبول توبة كاتم العلم أن يصلح ما أفسده، وأن يبيّن ما كتمه.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159 - 160] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت