ففي هذه الآيات الكريمة بيانٌ لحال الإنسان الكافر في اختبار الله له بزوال النعمة أو إصابته بالشدة والضر، فإنه يصير يئوسًا؛ وذلك لأنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى، فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس. وكل ذلك لأنه مادي لا يؤمن إلا بالمادة، ولا يرجو ما عند الله الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل 187.
5.القنوط.
القنوط في اللغة: مصدر قنط، يقال: قنط يقنط ويقنط قنوطًا، وقنط قنطًا وهو قانطٌ: يئس. فالقنوط: اليأس، وقيل: اليأس من الخير، وقيل: أشد اليأس من الشيء 188.
وقد ورد لفظ (قنوط) بصيغة المبالغة في القرآن الكريم في موضعٍ واحدٍ فقط، دالًا على شدة يأس الإنسان، في قوله جل وعلا: (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ?49?) [فصلت: 49] .
أي: يئوس من الخير، قنوطٌ من الرحمة. وقيل: قنوطٌ أي: سيء الظن بربه، كأنه يقول: لا يكشف الله تعالى ما بي من البلاء والشدة 189.
وقد فرق بعض المفسرين بين اليأس والقنوط؛ إذ لو كانت الكلمتان متطابقتين لاستغنى السياق القرآني عن واحدة منها، فقالوا: اليأس من صفة القلب، وهو قطع الرجاء من رحمة الله تعالى، والقنوط من صفة البدن، بأن يظهر أثر اليأس في بدنه، فيتضاءل ويحزن وينكسر ويتذلل 190.
وقال بعضهم: هما مترادفان؛ وذكرهما معًا للتأكيد 191.
وقد جاءت تربية الشريعة للأمة على ذم القنوط.
قال تعالى حكايةً عن إبراهيم: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر: 56] 192.
والهدف منها واضحٌ جليٌ (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر: 6] .
ويرجع تاريخ تلك العداوة إلى اليوم الذي شكل الله عز وجل فيه آدم عليه السلام قبل أن ينفخ فيه الروح، فأخذ الشيطان يطيف به، ويقول: لئن سلطت علي لأعصينك، ولئن سلطت عليك لأهلكنك. فعن أنسٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما صور الله آدم في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك» 193. فلما نفخ الله في آدم الروح، وأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكان إبليس يتعبد الله مع ملائكة السماء فشمله الأمر، فسجدوا جميعًا إلا إبليس أبى أن يسجد لآدم عليه السلام.
قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى? وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 34] . فكان الاستعلاء والاستكبار من قبل إبليس ردًا على الأمر الإلهي بالسجود، إذ يعتقد بأفضليته وخيريته على آدم فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [الأعراف: 12] .
وقال: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) [الإسراء: 61] . والحسد على تكريم الله إياه، قال: (أَرَأَيْتَكَ هَ?ذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) [الإسراء: 62] .
فكان جزاؤه أن عامله الحق سبحانه وتعالى بنقيض قصده، حيث كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغرًا حقيرًا ذليلًا، (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [الأعراف: 13] .
لكن إبليس لم يرد أن يترك جهلًا محادته لله سبحانه وتعالى (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى? يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الأعراف: 14] .
أي: أمهلني فلا تعجل بموتي إلى يوم يبعثون، وقد ذكر ما يريد عمله من ذلك الإمهال وهو إضلال الناس، فأجابه الله إلى طلبه (قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) [الأعراف: 15] .
وقطع اللعين على نفسه عهدًا بإضلال آدم وذريته والكيد لهم: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ?16?ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ? وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ?17?) [الأعراف: 16 - 17] .
وابتدأ اللعين يعد عدته ويدبر للفتك بآدم وذريته، فبعد أن أكرم الله عز وجل آدم بأنواع التكريم، وأسجد له ملائكته، وبعد ما تحقق من إبليس ما تسبب في طرده- لعنه الله- من الجنة، زاد حقده على آدم أن يسكن الجنة التي طرد منها بسببه.
فعقد العزم على إغواء أبينا آدم، فجاءه وزوجه بطريق الوسوسة: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى? شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى? ?120?) [الأعراف: 20] .
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى? شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى? ?120?فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ? وَعَصَى? آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى? ?121?ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى? ?122?) [طه: 120 - 123]
بل أقسم على إضلال آدم وذريته، كما أخبر القرآن الكريم على لسانه: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَ?ذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا(62) قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ? وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ? وَكَفَى? بِرَبِّكَ وَكِيلًا) [الإسراء: 62 - 65] .
وقد أطال القرآن في تحذيرنا من الشيطان وبيان عداوته للإنسان، فقد ورد ذكره بصفة المفرد في سبعين آية، وبصفة الجمع في ثماني عشرة آية، وذلك لشدة عداوته وفتنته، ومهارته في الإظلال، ودأبه وحرصه على ذلك.
ومن خلال تتبع آيات القرآن الكريم في ذكره لكلمة (عدو) نجد أنها وردت مقرونةً بوصف (مبين) تسع مراتٍ، ثمانية منها في شأن العداوة مع الشيطان.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?168?) [البقرة: 168] .
وقال سبحانه (:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?208?) [البقرة: 208] .
وقال جل وعلا: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ? كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?142?) [الأنعام: 142] .
وقال تعالى: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ? فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ? وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ?22?) [الأعراف: 22] .
وقال تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى? إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ? إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?5?) [يوسف: 5] .
وقال تعالى: (?أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [يس: 60] .
قال تعالى: (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ(62 ) ) [الزخرف: 62] .
وقال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ? إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ?53?) [الإسراء: 53] .
ومعنى قوله: (نَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) بين العداوة لا يخفيها ولا يطويها، عداوته جلية واضحة 194.
والموضع الوحيد الذي وصفت فيه عداوة غير الشيطان بهذا الوصف هو قوله تعالى: (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) [النساء: 101] .
وزد على ذلك أن (الخسران) لم يوصف بأنه مبيٌن إلا في سياق العلاقة مع الشيطان!
وذلك في قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) [النساء: 119] .
وعداوة الشيطان للإنسان مستمرةٌ لانهاية لها بل هي باقيةٌ أبد الدهر، بيد أنه لا يعدو الشيطان في حياة الإنسان أنه مخلوقٌ باستطاعته أن يوسوس في صدر الإنسان بالشر، ويزين له ارتكاب الخطيئة بإرادته، ويعد مسئولا عنها مسئولية تامة. ففي المفاهيم الإسلامية عدة حقائق عن الشيطان تبين موقعه في حياة الإنسان، وأثره على إرادته، والحكمة الربانية من وجوده.
الحقيقة الأولى: تتلخص في أن الشيطان ليس له سلطانٌ على إرادة الإنسان، إلا من سلم قيادة نفسه له وتبعه مختارًا لنفسه طريق الغواية، ونجد الدليل على هذه الحقيقة في عدة نصوصٍ قرآنيةٍ، منها قول الله تعالى يخاطب إبليس رأس الشياطين:
ومنها قول الله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ?42?) [الحجر: 42] .
ومنها قول الله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ? وَكَفَى? بِرَبِّكَ وَكِيلًا ?65?) [الإسراء: 65] .
ومنها قول الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ?98?إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?99?إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ?100?) [النحل: 98 - 100] .
فمن الظاهر في هذه النصوص أن الله تبارك وتعالى لم يجعل للشيطان سلطانًا على الإنسان، وأن سلطانه لا يكون إلا على الذين يتولونه، ويجعلونه قائدًا لهم، ويتبعونه مختارين لأنفسهم طريق الغواية.
ومن أجل ذلك فإن الشيطان سيعلن هذه الحقيقة يوم القيامة للذين استجابوا لوساوسه في الدنيا.
ويدل على ذلك قول الله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ? وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ? فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ? مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ? إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ? إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?22?) [إبراهيم: 22] .
(مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) أي: ما أنا بقادرٍ على إغاثتكم وما أنتم بقادرين على إغاثتي، حينما يصرخ كلٌ منا طالبا من صاحبه أن يغيثه فيرفع عنه عذاب الله.
الحقيقة الثانية: تتلخص في أن وظيفة الشيطان في حياة الإنسان إنما هي الوسوسة في صدره وليس له قدرة على أكثر من ذلك، ويشعر الإنسان بهذه الوسوسة في صورة خواطر تزين له الإثم والمعصية، وتزين له الانحراف عن سواء السبيل، وقد تصوغ له ذلك بحججٍ مغرية.
قال الله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ?1?مَلِكِ النَّاسِ ?2?إِلَ?هِ النَّاسِ ?3?مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ?4?الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ?5?مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ?6?) [الناس: 1 - 6]
وقال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى? أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ? الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى? لَهُمْ ?25?) [محمد: 25] .
أي: غرهم بالأماني والآمال في وساوسه وتسويفاته، وهذا ما فعله مع آدم وحواء، إذ كانا في الجنة فوسوس لهما فأخرجهما من الجنة. فكيد الشيطان في الإضلال كيدٌ ضعيفٌ، وبذلك وصفه الله بقوله: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: 76] .
الحقيقة الثالثة: تتلخص في أن الله تبارك وتعالى جعل الشيطان في حياة الإنسان لإقامة التوازن بين دوافع الخير ودوافع الشر والمحرضات عليهما، وليطرح الإنسان عليه قسمًا من مسئولية الخطيئة التي يقع بها، فيجد لنفسه عذرًا بأن فعل الشر ليس من فطرته، وإنما كان بتأثير وساوس قرينه الشيطان الملازم له. وبهذا لا تظل صورة الخطيئة القبيحة ماثلةً في نفس الإنسان، إذ يشعر بأن القبح في العمل ليس من شأنه. وهذا الشعور الذي يشعر به المخطئ، قد يساعده على تقويم نفسه، مستعيذًا بالله من الشيطان، ساعيًا في التخلص مما علق به من أدناس المعاصي، كما يساعده على نسيان خطيئته إذا هو استغفر الله وتاب إليه؛ إذ من وسائل الإصلاح التربوي فتح باب العذر لمن نربيه إذا ارتكب الخطيئة، ولو عاقبناه عليها نظرًا إلى مسئوليته، وذلك لنبقى له مجالًا يحتفظ فيه بصورة الكمال التي يجب أن يتصورها الناس فيه، ولنبق له مجالًا للارتقاء في مراتب الكمال الإنساني 195.
[انظر: آدم: آدم وإبليس]
أولًا: نداءات الله للإنسان:
ورد نداء الله عز وجل للإنسان في القرآن الكريم في موضعين:
الموضع الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) } [الانفطار: 6 - 8] .
النداء هنا للتنبيه، تنبيهًا يشعر بالاهتمام بالكلام والاستدعاء لسماعه، فليس النداء مستعملًا في حقيقته، إذ ليس مرادًا به طلب إقبال، ولا هو موجه لشخصٍ معينٍ أو جماعةٍ معينةٍ، بل مثله يجعله المتكلم موجهًا لكل من يسمعه بقصدٍ أو بغير قصدٍ 196.
والتعريف في (الإنسان) تعريف للجنس، وعلى ذلك حمله جمهور المفسرين، أي: ليس مرادًا إنسانًا معينًا، وقرينة ذلك سياق الكلام عقبه: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) } [الانفطار: 9 - 10] 197.
وهذا العموم مراد به الذين أنكروا البعث 198.
وقد خاطب الله عز وجل الإنسان بصفة الإنسانية التي تميزه على المخلوقات؛ ليرعوي ويتذكر أنه إنسان مكرمٌ حريٌ به أن يستجيب لمن أكرمه بالنعم التي لا تعد ولا تحصى. ففي هذا الخطاب: استدعاء لمعاني الإنسانية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الإنسان، من قوى عاقلة مدركة، من شأنها أن تميز بين الخير والشر، وتفرق بين الإحسان والإساءة 199.
فتصدير الآية القرآنية بقوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ} ، أي: تنبه!!
إن الصفة التي أعطيتك إياها ما كان ينبغي أن يوجد معها الغرور، ومع ذلك وجد منك الغرور، واغتررت بربك الكريم، فلو أنك اغتررت بالذي وهب لو كان غير كريم لكان من الممكن أن تكون حفيظة نفسك قد أثرت فيك، ولكنه سبحانه وتعالى رب كريم، فما داعي الغرور إذًا؟!.
ويلاحظ أن جملة النداء وليها الجملة الاستفهامية {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} وهي تقرر وتوضح كرم الربوبية، وفي ذلك لفت وإثارة، والمعنى: أي شيءٍ خدعك وجرأك على عصيان ربك الكريم الذي أنعم عليك بنعمة الوجود والعقل والتدبر، ولا تزال أياديه تتوالى عليك، ونعمه تترى لديك؟ 200.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} فقال: جهله، وقاله عمر رضي الله عنه وقرأ: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) } [الأحزاب: 72] 201.
وقيل: غره عدوه المسلط عليه. وقيل: غره ستر الله تعالى عليه. وقيل: غره كرم الله تعالى. وقيل: غره طمعه في عفو الله عنه 202.
قال ابن جزي: «ولا تعارض بين هذه الأقوال؛ لأن كل واحدٍ منها مما يغر الإنسان، إلا أن بعضها يغر قومًا، وبعضها يغر قومًا آخرين» 203.
ثم يفصل الله عز وجل شيئًا من هذا الكرم الإلهي، الذي أجمله في النداء الموحي العميق الدلالة، المشتمل على الكثير من الإشارات المضمرة في التعبير. يفصل شيئًا من هذا الكرم الإلهي المغدق على الإنسان المتمثل في إنسانيته التي ناداه بها في صدر الآية، فيشير في هذا التفصيل إلى خلقه وتسويته وتعديله 204.
قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} وهذه صفاتٌ مقررةٌ للربوبية مبينةٌ وموضحةٌ لكرم الله على الإنسان. حيث إنه تعالى لما وصف نفسه بالكرم، ذكر هذه الأمور الثلاثة (الخلق والتسوية والتعديل) ، كالدلالة على تحقق ذلك الكرم، فقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ} لا شك أنه كرمٌ؛ لأنه وجود، والوجود خير من العدم، والحياة خير من الموت، كما قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] .
وقوله تعالى: {فَسَوَّاكَ} أي: جعلك سويًا سالم الأعضاء، ونظيره قوله تعالى: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) } [الكهف: 37] .
أي: معتدل الخلق والأعضاء 205.
وقوله: {فَعَدَلَكَ} أي: عدل أعضاءك بعضها ببعض، أي وازن بينها، فلم يجعل إحدى اليدين أطول من الأخرى ولا إحدى العينين أكبر من الأخرى، ولا إحداهما كحلى والأخرى زرقاء، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، وشبه ذلك من الموازنة 206.
ويلاحظ في هذه الآية الكريمة تعدد الصلات وإن كان بعضها قد يغني عن البعض، فإن التسوية حالة من حالات الخلق، وقد يغني ذكرها عن ذكر الخلق كقوله: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29] .
ولكن قصد إظهار مراتب النعمة، وهذا من الإطناب المقصود به التذكير بكل صلة والتوقيف عليها بخصوصها، ومن مقتضيات الإطناب مقام التوبيخ 207.
ثم أجمل ما فصله أولًا بقوله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) } :أي ركبك في صورةٍ هي من أبهى الصور وأجملها، وأدلها على بقائك الأبدي في نشأة أخرى بعد هذه النشأة، فإن الكريم يوفي كل مرتبة من الوجود حقها، فمن خص بهذه المنزلة الرفيعة لا ينبغي أن يعيش كما يعيش سائر الحيوان، ويموت كما يموت الوحش وصغار الذر، وإنما الذي يليق بعقله وقوة نفسه أن تكون له حياة أبدية لا حد لها، ولا فناء بعدها، يوفى كل ذي حق حقه، وكل عامل جزاء عمله 208.
نخلص من ذلك: إلى أن هذا النداء للإنسان فيه توبيخٌ له على جحود النعم وتحذيرٌ له من الانهماك في الدنيا، فالله عز وجل خلقه في أحسن تقويم، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) } [التين: 4] .
ومنحه من النعم ما لا يعد ولا يحصى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم: 34] .
وأهم هذه النعم ما يتعلق بنفسه، حيث خلقه الله من نطفة ولم يك شيئًا، وجعله سليم الأعضاء منتصب القامة، متناسب الأعضاء، وصوره في أحسن الصور وأعجبها، ومنحه عقلًا امتاز به على كثير من المخلوقات: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء: 70] ؛ كي يحقق العبودية لله تعالى، كما قال جل شأنه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .
فهل يليق بالإنسان بعد هذا الإكرام أن يكفر بنعمة المنعم أو يجحد إحسان المحسن؟.
والموضع الثاني: قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) } [الانشقاق: 6 - 15]
والخطاب عام لكل إنسانٍ، فاللام في قوله (الإنسان) لتعريف الجنس وهو للاستغراق، كما دل عليه التفصيل في قوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) } إلى قوله: {كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) } 209.فهو يشمل كل فردٍ من أفراد الناس الموضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان، بأسلوب الخطاب الإفرادي، لإعلام كل فرد فأنه محل عناية الرب في خطابه 210.
والمقصود الأول من هذا وعيد المشركين؛ لأنهم الذين كذبوا بالبعث. فالخطاب بالنسبة إليهم زيادة للإنذار، وهو بالنسبة إلى المؤمنين تذكير وتبشير 211.
وفي هذا الخطاب كذلك يستدعي الحق سبحانه وتعالى في الإنسان صفة الإنسانية التي تفرده في هذا الكون بخصائص من شأنها أن يكون أعرف بربه، وأطوع لأمره، ولعل في طبيعة هذا النداء ما يلفت الانتباه إلى هذه الربوبية، والدعوة للعودة إليها، بما يوحيه هذا النداء من بلاغةٍ في الخطاب، وذلك بما فيه من التخصيص لكل فردٍ فيه.
فهي دعوة تمتلئ شفقة ورحمة بالإنسان ليعود إلى ربه بما تحمله كلمة الرب من معاني العناية والرعاية، وكذلك بما توحيه أداة النداء التي للبعيد تنبيهًا على أن معاصيه أبعدته عن القرب من الله، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) } [الانشقاق: 6]
و (الكادح) : العامل بشدةٍ وسرعة واجتهاد مؤثر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته حدوثًا أو كدوحًا في وجهه يوم القيامة) 212.
والمعنى: يا أيها الإنسان المجد في سعيه، النشيط في عمله السريع في تحصيل معاشه وكسبه: إنك تكدح في طلب الدنيا، حتى استبطأت حركة الزمن، وكم تمنيت نهاية اليوم أو الشهر أو العام لتحصل على طلبك، أيها الإنسان ما أجهلك!!
ألم تعلم بأن هذا كله من عمرك، وأنت تكدح صائرًا إلى ربك، وتجدك واصلًا إلى نهايتك وموتك.
قال الشاعر:
يسر المرء ما ذهب الليالي
وكان ذهابهن له ذهابا
فأنت تجد في السير إلى ربك، فتلاقي عملك هناك أوضح من الشمس، فاعمل في دنياك على هذا الأساس. ستلاقي ربك يوم القيامة، وستلاقي عملك يوم يقوم الناس للعرض على الملك الجبار {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) } [الحاقة: 18] 213.
وقد خلق الله الإنسان ضمن ظروف هذه الحياة الدنيا في محيط الكبد، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) } [البلد: 4] .
أي: في محيطٍ من الشدة والمشقة والضيق، لذلك فهو بحاجة لتحقيق مطالبه من خيرٍ أو شرٍ إلى الكدح، أي: إلى السعي والعمل بنصبٍ ومشقةٍ.
فالإنسان حريصٌ على البقاء، ومن أجل ذلك فهو يتحمل أنواعًا من الكدح والمكابدة، فلا نكاد نجد في الناس إنسانًا غير كادحٍ، وهذه حقيقةٌ مشاهدة في السلوك الدائم للإنسان.
وهي التي جعلت المعري يقول 214:
تعبٌ كلها الحياة فما أع
جب إلا من راغبٍ في ازدياد