فهرس الكتاب

الصفحة 2328 من 2431

قال ابن عاشور: «التثاقل: تكلف الثقل، أي: إظهار أنه ثقيل لا يستطيع النهوض. والثقل حالة في الجسم تقتضي شدة تطلبه؛ للنزول إلى أسفل، وعسر انتقاله، وهو مستعمل هنا في البطء مجازًا مرسلًا، وفيه تعريض بأن بطأهم ليس عن عجز، ولكنه عن تعلق بالإقامة في بلادهم وأموالهم» 96.

وقوله عن المنافقين: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} [التوبة: 87] .

وقوله: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} [التوبة: 81] .

وقوله: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: 83] .

فكلُّ هذه تبين أثر الوهن الذي تمكن من القلوب، فثبطها عن النهوض إلى الطاعة، وحال بينها وبين المسارعة في الخيرات.

وقال تعالى: {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .

«فالفئة الواهنة ادعت أنها لا تطيق مواجهة جالوت، فردت عليها الفئة المؤمنة مبينة لها أن ذلك وهن، وعليهم أن يؤمنوا بالله ويصبروا، فهم يطيقون المواجهة ولكنهم وهنوا» 97.

ثانيًا: الشح بالمال:

قال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 35 - 38] .

فالآيات تنهى المؤمنين عن الوهن ومسالمة الأعداء، فهم الأعلون والله معهم، وأجورهم غير منقوصة، فكيف يهنون؟! ثم بينت لهم أن الحياة الدنيا التي هي سبب وهن القلوب إنما هي لعب ولهو. ثم بينت لهم أن من يبخل بالنفقة في سبيل الله فإنما يبخل عن نفسه، فالبخل سببه حبُّ الدنيا والتعلق بها، وذلك يوهن القلب، ويجعله يشح بالإنفاق في سبيل الله.

وهذا ما بينته آيات التغابن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن: 14 - 17] .

فبينت للمؤمنين أن الأموال والأولاد إذا أعاقوا الإنسان عن الإنفاق والطاعة، ففتر قلبه عن المسارعة في الخيرات، فإنما هم عدوٌّ له.

ثالثًا: الفتور عن الطاعة:

ومن آثار الوهن في الفرد هو فتوره عن الطاعة، وتأخره عنها، فالقرآن الكريم دعا المؤمنين إلى المسارعة في الخيرات، ومدحهم بذلك، فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 99] .

والواهن لا يسارع في الخيرات بل يتقاعس عنها، كما ورد في الحديث: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) 98.

قال ابن عثيمين: «ولا شك أن التأخر عن الصلاة أشد من التأخر عن الصف الأول، وعلى هذا فيخشى على الإنسان إذا عوَّد نفسه التأخر في العبادة أن يبتلى بأن يؤخره الله عز وجل في جميع مواطن الخير» 99.

فواهن القلب لا يزال يدفعه ما في قلبه من وهن وضعف وفتور إلى التأخر عن الطاعات والتثاقل عنها، حتى يغلب عليه الكسل عن العبادة، وقد ذمَّ الله المنافقين بالتكاسل عن الصلاة فقال: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء: 142] .

وقوله: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى} [التوبة: 54] .

قال الواحدي: «أي: متثاقلين متباطئين» 100.

وقال الخليل: «الكسل: التثاقل عما لا ينبغي» 101.

وقال ابن عاشور: «الكسل: الفتور في الأفعال لسآمة أو كراهية، والكسل في الصلاة مؤذن بقلة اكتراث المصلي بها وزهده في فعلها، فلذلك كان من شيم المنافقين» 102.

ثالثًا: غثائية الأمة:

يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أثر الوهن في الأمم، فيقول: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) ، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن) ، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حبُّ الدنيا، وكراهية الموت) 103.

فذكر أهم آثار الوهن في الأمم، وهي: ضعف الأمة مما ينتج عنه تداعي الأمم عليها والغثائية التي تعيشها الأمة، ونزع مهابة الأمة من صدور أعدائها.

قال في عون المعبود: «غثاء السيل: ما يحمله السيل من زبد ووسخ، شبههم به؛ لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم» 104.

وقال البيضاوي: «والمعنى: ولكنكم تكونون متفرقين، ضعيفي الحال، خفيفي العقل، دنيئي القدر، كغثاء السيل» 105.

وقال الزجاج «الغثاء: الهالك البالي من ورق الشجر الذي إذا خرج السيل رأيته مخالطًا زبده» 106.

وأبرز مظاهر غثائية الأمة: تفرقها وضعف أمرها، وهو ما جاء النهي عنه في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] .

«وعوامل القوة في الأمة تكمن في اجتماع كلمتها، ووحدة صفها، وإقامتها للدين، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، ونصرتها للحق، ودفاعها عن المظلوم، وأخذها على يد الظالم، واهتمامها بمعالي الأمور، ومسارعتها في الخيرات والطاعات، وشدة بأسها، وأخذهم بقوة لكل أسباب القوة.

وبهذه العوامل تكون الأمة قوية، مرفوعة الجبين، مرهوبة الجانب، يهابها أعداؤها، ويخضعون لها. فإذا دبَّ الوهن في أمة من الأمم، فإن الوهن ينخر في كل عوامل القوة، فيتبعثر الصف، وتتفرق الكلمة، وتتنافر القلوب، ويتثاقل الناس عن الجهاد، بل يعيبون المجاهدين فيهم، ويتخلون عن مقتضيات القيام بالدين، فيتقاعسون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويفترون عن نصرة الحق وأهله؛ فيعود الدين غريبًا.

فالصلوات تضيع، والشهوات تتبع، والمنكرات تبتدع، وينتشر الظلم، ويضعف أهل الحق، ويستشري اليأس في النفوس، ويستعذب الناس حياض الذل، ويرتعون في مستنقعات الهوان، ويغلب عليهم الاهتمام بسفاسف الأمور، ويغطون في ظلمات الجهل، ويتخلون عن حمل الأمانة، وتتمزق الأواصر، وتهتري الأخلاق. وبذلك تصبح أمة (غثائية) » 107.

وقد سمى القرآن الكريم هذه الحالة (ذهاب الريح) ، فقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] .

قال ابن كثير في تفسير: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} : «أي: قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال» 108.

وقال أبو السعود: «أي: تذهب دولتكم وشوكتكم، فإنها مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بها في هبوبها وجريانها» 109.

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق تفسير لذهاب الريح، (ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم) .

رابعًا: تداعي الأمم عليها:

جاء في عون المعبود: «التداعي: الاجتماع، ودعاء البعض بعضًا، والمراد من الأمم: فرق الكفر والضلالة (إلى قصعتها) الضمير للأكلة، أي: التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع، فيأكلونها عفوًا وصفوًا، كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم، قاله القاري.

قال في المجمع: أي: يقرب أنَّ فرق الكفر وأمم الضلالة أن تداعى عليكم، أي: يدعو بعضهم بعضًا إلى الاجتماع؛ لقتالكم وكسر شوكتكم؛ ليغلبوا على ما ملكتموها من الديار، كما أن الفئة الآكلة يتداعى بعضهم بعضًا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير مانع، فيأكلونها صفوًا من غير تعب» 110.

ويبين الحديث أنَّ الأمم لا تتداعى على الأمة إلا بعد وهن قلوبها، كما قال: (وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن) ، وسببه حبُّ الدنيا وكراهية الموت. وقد بَيِّنَ القرآن الكريم أنَّ الكافرين لا يتمكنون من المؤمنين إلا في حال غفلتهم، كما قال تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102] .

قال ابن عاشور: «وقوله: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلخ، ودهم هذا معروف؛ إذ هو شأن كلِّ محارب، فليس ذلك المعنى المعروف هو المقصود من الآية، إنما المقصود أنهم ودوا ودًّا مستقربًا عندهم؛ لظنهم أنَّ اشتغال المسلمين بأمور دينهم يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم؛ جهلًا من المشركين لحقيقة الدين، فطمعوا أن تلهيهم الصلاة عن الاستعداد لأعدائهم، فنبه الله المؤمنين إلى ذلك كيلا يكونوا عند ظنِّ المشركين، وليعودهم بالأخذ بالحزم في كل الأمور، وليريهم أنَّ صلاح الدين والدنيا صنوان» 111.

وهذا يوضحه قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] .

أي: «قلتم: من أين لنا هذا الخذلان ونحن مسلمون ورسول الله فينا؟ {قُلْ} لهم {هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ؛ لأنكم تركتم المركز فخذلتم» 112.

وقال السعدي: « {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية» 113.

أرشد القرآن الكريم المؤمنين إلى العلاج الشافي من هذا الداء، وتبين الآيات الواردة في سورة آل عمران وغيرها من السور كثيرًا من مكونات هذا العلاج. ومن ذلك:

أولًا: الإيمان بالقدر:

قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 144 - 148] .

قال الواحدي: « {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} أي: ما كانت نفسٌ لتموت {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} بقضائه وقدره، كتب الله ذلك {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} إلى أجله الذي قدر له فلم انهزمتم؟ والهزيمة لا تزيد في الحياة» 114.

وجاء في التفسير البسيط 115: «وقال ابن الأنباري: عاتب الله تعالى بهذا المنهزمين يوم أحد؛ رغبةً في الدنيا، وضنًّا بالحياة، وأخبرهم أن الحياة (لا تزيد) ولا تنقص، وأن الموت بأجلٍ عنده، لا يتقدم ولا يتأخر» .

وقال ابن كثير 116: «وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه» .

وهذا المعنى أكدته سورة آل عمران في أكثر من موضع، كقوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154] .

وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 156 - 158] .

وفي سورة النساء: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] .

فالقتال لن يقدم في الأجل، وتركه لن يؤخر في الأجل، فالموت والحياة بإذن الله، ولن ينفع الفارُّ فراره، كما قال تعالى: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} [الأحزاب: 16] .

ثانيًا: فقه سنن الله:

قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 137 - 142] .

تبين هذه الآيات للمؤمنين أنَّ لله سننًا، كمداولة الأيام بين الناس، وابتلاء المؤمنين، وفتنة الكافرين، وعلى المسلمين السير في الأرض والتفقه في سنن الله، وعدم الاستسلام لعوامل الوهن، فإنَّ التبصر في سنن الله يساعدهم على تجاوز آثار الهزيمة، والتغلب على الحزن الذي استبد بهم، ويقوي عزائمهم، ويرفع من الهمم.

قال السعدي: «فما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك» 117.

قال ابن القيم مبينًا سنن الله وحكمته التي تتحدث عنها هذه الآيات:

«فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم وإحياء عزائمهم وهممهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140] .

فقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104] .

فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.

ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عرض حاضر، يقسمها دولًا بين أوليائه وأعدائه، بخلاف الآخرة، فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا. ثم ذكر حكمة أخرى، وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين، فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحسِّ.

ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء، فإنه يحب الشهداء من عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة.

ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم، وهو تمحيص الذين آمنوا، وهو تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب، ومن آفات النفوس، و أيضًا فإنه خلصهم، ومحَّصهم من المنافقين، فتميزوا منهم، فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدوهم.

ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وإنَّ هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه، فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] .

أي: ولما يقع ذلك منكم فيعلمه، فإنه لو وقع لعلمه فجازاكم عليه بالجنة، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد العلم، فإنَّ الله لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه.

ثمَّ وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه. فقال: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران: 143] .

قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالًا يستشهدون فيه، فيلحقون إخوانهم، فأراهم الله ذلك يوم أحد وسببه لهم، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم، فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران: 143] » 118.

ثالثًا: الصبر:

تربط الآيات التي تحذر المؤمنين من الوهن بينه وبين الصبر، حيث تبين لهم أن الصبر سلاح قوي يتسلح به المؤمن، فيعصمه الله من الوهن، قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] .

وقال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 249 - 250] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45 - 46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت