فهرس الكتاب

الصفحة 876 من 2431

وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ؛ لإطلاق قوله: {وَسَطًا} فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطًا، إلا في بعض الأمور، ولقوله: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك، وفيها اشتراط العدالة في الحكم، والشهادة، والفتيا، ونحو ذلك 92.

ثالثًا: خيرية الأمة:

وصف الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بأنها خير الأمم، حيث قال جل شأنه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .

قال الماتريدي: «وقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، يحتمل معناها وجوهًا:

يحتمل: {كُنْتُمْ} : أي: صرتم خير أمة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير.

ويحتمل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.

{كُنْتُمْ} : صرتم خير أمة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحب إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم» 93.

وأصل الخطاب في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعم سائر أمته 94، وإنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة؛ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى 95.

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم -ثم ذكر كلام السلف في تأويل هذه الآية- بأن المعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ... ثم قال: والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيًا قبله ولا رسولًا من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه 96.

ولكن هذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله 97.

فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: «بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها» 98.

وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية: «أن مالك بن الصيف ووهب بن يهودا اليهوديين قالا لعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: نحن أفضل منكم وديننا خير من دينكم الذي تدعوننا إليه فأنزل الله هذه الآية» 99، والخلاصة: إن هذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية.

والآية تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الأمم، ولا صلاح لهم إلا إذا قاموا بحقه، فالأمم تصلح بالأمر بالمعروف، وتفسد بتركه، ولهذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر، مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، ولأنهما كذلك سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمهما في الذكر موافقًا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدمًا عليه 100. وقد استدل بهذه الآية على أن إجماع هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت