وفي الختام لابد من الإشارة إلى أن العفو ليس محمودا على إطلاقه، بل مقيد بما إذا كان ثمة مصلحة من ورائه، كما يدل على ذلك سياق الآيات الحاثة على ذلك، كقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] .
وقوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] .
قال ابن سعدي: «وشرط الله في العفو الإصلاح فيه؛ ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورًا به» 51.
وأكد على ذلك ابن عثيمين بقوله: «العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] ؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفًا بالصلاح ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة، ونعلم أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام وصلحت حاله؛ فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك، وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فسادًا وإفسادًا؛ فترك العفو عنه أولى، بل قد يجب ترك العفو عنه» 52.
وقيده الماوردي بالتائب دون المصر، فقال: «أصلح بينه وبين أخيه، وهذا مندوب إليه في العفو عن التائب دون المصر» 53.
وأيضًا العفو الممدوح هو العفو عند المقدرة، كما يقول إبراهيم النخعي: «كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا» 54.
والأنبياء والرسل عليهم السلام أوذوا في سبيل الله أذى كثيرا، فصبروا وتحملوا أذى قومهم، وليس ذلك في مرحلة الضعف فحسب، بل في مرحلة القوة والقدرة والتمكين؛ وذلك هو كمال العفو: «العفو عند المقدرة» .
وهنا نورد مثالين فقط على عفو الأنبياء وصفحهم:
المثال الأول: نبي الله يوسف عليه السلام لما صار ملكا لمصر عفا وصفح عن إخوته، فقال مخاطبا لهم: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لإخوته: {لَا تَثْرِيبَ} يقول: لا تعيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة، ولكن لكم عندي الصفح والعفو 55.
وكذلك يعقوب عليه السلام عفا عن أبنائه الذين كادوا له ولابنه يوسف، وذلك حينما اعترفوا بخطئهم وطلبوا منه أن يستغفر لهم، فقالوا: {قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: 97] .
فعفا عنهم ولبى طلبهم، فقال: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف: 98] .
المثال الثاني: خاتم النبيين وإمام المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن العفو والصفح من أجل صفاته، كما جاء في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وفيه: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) 56.
وقد طبق ذلك عليه الصلاة والسلام في حياته العملية، فقال لأهل مكة الذين ناصبوه العداء وآذوه: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) 57.
وهكذا فعل الخلفاء الراشدون مع من أساء إليهم، فقد عفا أبو بكر عن مسطح بعد نزول قول الله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] .
والعفو سجية من سجايا عباد الله المؤمنين، قال تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] .
قال ابن كثير: «أي: سجيتهم وخلقهم وطبعهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس» 58.
وعفا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ذلك الأعرابي الذي أساء إليه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
تعددت أساليب القرآن الكريم في الترغيب في العفو والحث عليه والندب إليه، ومن تلك الأساليب:
أولًا: أسلوب الطلب:
وذلك من خلال فعل الأمر؛ كما في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
وقوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] .
وقوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] .
وقوله: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] .
وقد سبق أن نقلنا كلام المفسرين في السابق مما أغنى عن إعادته هنا.
ثانيًا: أسلوب التحضيض:
كما في قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] .
ففي هذه الآية الكريمة حث الله عباده المؤمنين على العفو عمن أساء إليهم، وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبينا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 - 134] .
وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيط والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثا على ذلك، ودلت أيضًا على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به. وكقوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149] .
وقد بين تعالى في هذا الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثا عليه، وكقوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] .
وكقوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .
إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] ، دليل على أن العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت قال أبو بكر: بلى والله نحب أن يغفر لنا ربنا. ورجع للإنفاق في مسطح، ومفعول: {أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} محذوف؛ للعلم به، أي: يغفر لكم ذنوبكم 59.
وقد اتفق الفقهاء على أن العفو والصفح عن المسيء حسن ومندوب إليه؛ لقوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} والأمر هنا للندب والإرشاد، وليس للوجوب؛ لأن الإنسان يجوز له أن يقتص ممن أساء إليه، فلو كان العفو واجبًا لما جاز طلب القصاص 60.
وهذه الآية وإن كان سبب نزولها خاصا في أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلا أنها عامة في الحث على العفو والصفح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وفي قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149] .
في هذه الآية الكريمة حذف متعلق الأفعال الثلاثة؛ لإرادة العموم، كما أشار إلى ذلك ابن عاشور: «وحذف متعلق الأفعال الثلاثة؛ لظهور أن المراد من أولادكم وأزواجكم فيما يصدر منهم مما يؤذيكم، ويجوز أن يكون حذف المتعلق؛ لإرادة عموم الترغيب في العفو.
وإنما يعفو المرء ويصفح ويغفر عن المذنب إذا كان ذنبه متعلقا بحق ذلك المرء وبهذه الأفعال المذكورة هنا مطلقة، وفي أدلة الشريعة تقييدات لها.
وجملة: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} دليل جواب الشرط المحذوف المؤذن بالترغيب في العفو والصفح والغفر، فالتقدير: وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا يحب الله ذلك منكم؛ لأن الله غفور رحيم، أي: للذين يغفرون ويرحمون، وجمع وصف رحيم الخصال الثلاث» 61.
وقال المفسرون: جملة الجزاء تحريض على العفو ببيان أن فيه تخلقًا بالكمال؛ لأن صفات الله غاية الكمالات. والتقدير: «إن تبدو خيرًا» إلخ تكونوا متخلقين بصفات الله، فإن الله كان عفوًا قديرًا، وهذا التقدير لا يناسب إلا قوله: «أو تعفوا عن سوء» ، ولا يناسب قوله: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ} إلا إذا خصص ذلك بإبداء الخير لمن ظلمهم وإخفائه عمن ظلمهم 62.
{أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} لكم المؤاخذة عليه، وهو المقصود، وذكر إبداء الخير وإخفائه تشبيب له، ولذلك رتب عليه قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} أي: يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على العفو بعد ما رخص له في الانتصار حملا على مكارم الأخلاق 63.
وقد بين تعالى في هذا الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثا عليه، وكقوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85] ، وكقوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] ، إلى غير ذلك من الآيات 64.
وقد ختم الله هذه الآية الكريمة ببعض أسمائه الحسنى ليرشد عباده إلى التخلق بها، فقال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} كأنه يقول لهم: اعفوا أيها الناس، فإن الله عفو، فلله صفات يحب أن تكون في عباده، وصفات لا يحب أن تكون إلا له وحده سبحانه وتعالى، ومن الصفات التي يحب الله أن تكون في عباده أنه: كريم يحب الكرم، رحيم يحب من عباده الرحماء، عفو يحب من عباده العافين عن الناس، فصفة العفو يحبها سبحانه وتعالى في العباد، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) 65.
ثالثًا: أسلوب الترغيب:
فقد رغب الله تعالى في العفو في آيات عديدة، كقوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
في هذه الآية الكريمة مدح الله سبحانه: من كظم غيظه وعفا عمن اجترم إليه، وكظم الغيظ والعفو مندوب إليهما، موعود بالثواب عليهما من الله تعالى 66.
قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: «العفو عن الناس أجل ضروب فعل الخير، حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث يتجه حقه» 67.
وقال الشنقيطي: «وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيط والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثا على ذلك، ودلت أيضًا على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به» 68.
وقال ابن جرير: «وأما قوله: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبة ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم.
وأما قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعد للعاملين بها الجنة التي عرضها السموات والأرض، والعاملون بها هم محسنون، وإحسانهم هو عملهم بها» 69.
وقال أبو السعود: «وفي هذين الوصفين إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا مخالفة أمره عليه السلام، وندب له عليه السلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي الله عنه، حيث قال حين رآه قد مثل به: (لأمثلن بسبعين مكانك) 70.
وجاء الترغيب في العفو في قوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} [البقرة: 109] .
قال الشوكاني عند تفسيره لهذه الآية: «وفيه الترغيب في ذلك والإرشاد إليه» 71 أي: الترغيب في العفو والصفح.
وفي قوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] .
ففي هذه الآية تكفل الله تبارك وتعالى بمكافأة المتصفين بالعفو، وكفى بذلك ترغيبا! قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية: « {فَمَنْ عَفَا} عمن أساء إليه إساءته إليه، فغفرها له ولم يعاقبه بها وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه الله، فأجر عفوه ذلك على الله، والله مثيبه عليه ثوابه» 72.
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء، كما قال تعالى: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .
{فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} وهو وعد مبهم، لا يقاس أمره في التعظيم 73.
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} أي: من عفا عمن ظلمه وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه، أي: أن الله سبحانه يأجره على ذلك، وأبهم الأجر تعظيما لشأنه وتنبيها على جلالته. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة 74.
وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل 75.
وفي قوله تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237] .
ففي هذه الآية أخبر الله تبارك وتعالى أن العفو سبب من أسباب حصول التقوى ودليل عليها، وكفى بذلك حثا عليه، قال الشنقيطي: «فانظر ما في هذه الآية من الحض على مكارم الأخلاق من الأمر بالعفو والنهي عن نسيان الفضل» 76.
فإن قال قائل: وما في الصفح عن ذلك من القرب من تقوى الله، فيقال للصافح العافي عما وجب له قبل صاحبه: فعلك ما فعلت أقرب لك إلى تقوى الله؟ قيل له: الذي في ذلك من قربة من تقوى الله مسارعته في عفوه ذلك إلى ما ندبه الله إليه ودعاه وحضه عليه، فكان فعله ذلك -إذا فعله ابتغاء مرضاة الله، وإيثار ما ندبه إليه على هوى نفسه- معلوما به؛ إذ كان مؤثرا فعل ما ندبه إليه مما لم يفرضه عليه على هوى نفسه، أنه لما فرضه عليه وأوجبه أشد إيثارا، ولما نهاه أشد تجنبا. وذلك هو قربه من التقوى 77.
وقال ابن سعدي عند تفسيره لهذه الآية: «رغب في العفو، وأن من عفا كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة؛ لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو أخذ الواجب وإعطاء الواجب. وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم» 78.
وفي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92] .
قال الراغب: «وقوله: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} أي: يعفوا عن الدية، فجعل العفو عنها صدقة منهم؛ تنبيهًا على فضيلة العفو وحثا عليه، وأنه جار مجرى الصدقة في استحقاق الثواب الآجل به دون طلب العوض العاجل، وهذا حكم من قتل في دار الإسلام خطأ» 79.
وقوله: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} أي: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو؛ لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت 80.
من خلال جمعنا لآيات العفو في القرآن الكريم واستعراضنا لأقوال أئمة التفسير حول هذه الآيات يمكننا أن نقسم العفو إلى نوعين:
أولًا: عفو مطلق:
المقصود به عفو المجروح إن كان باقيًا، أو وارثه إن كان هالكًا عن عقوبة القصاص في القتل العمد، وما دونها من الأطراف والجروح، فيعفون عفوًا مطلقًا شاملًا، للقصاص والدية معًا، وهو ما يمكن أن نسميه العفو دون مقابل؛ لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92] .
ففي هذه الآية أخبر جل ثناؤه عباده بحكم من قتل من المؤمنين خطأ، فقال: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ} فعليه تحرير {رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} في ماله {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} تؤديها عاقلته {إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} إلا أن يصدق أهل القتيل خطأ على من لزمته دية قتيلهم، فيعفوا عنه ويتجاوزوا عن ذنبه، فيسقط عنه 81.
وقال تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] .
فقد ذكر المفسرون أن هذه الآية تحتمل ثلاثة معان:
أحدها: أن تكون {فَمَنْ} للجروح أو ولي القتيل، ويعود الضمير في قوله: {لَهُ} عليه أيضًا، ويكون المعنى أن من تصدق بجرحه أو دم وليه فعفا عن حقه في ذلك فإن ذلك العفو كفارة له عن ذنوبه، ويعظم الله أجره بذلك، ويكفر عنه.
والمعنى الثاني: أن تكون {فَمَنْ} للجروح أو ولي القتيل، والضمير في {لَهُ} يعود على الجارح أو القاتل إذا تصدق المجروح أو على الجارح بجرحه وصفح عنه؛ فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب، فكما أن القصاص كفارة فكذلك العفو كفارة، وأما أجر العافي فعلى الله تعالى، وعاد الضمير على من لم يتقدم له ذكر؛ لأن المعنى يقتضيه.
والمعنى الثالث: أن تكون للجارح أو القاتل والضمير في له يعود عليه أيضًا، والمعنى: إذا جنى جان فجهل وخفي أمره، فتصدق هو بأن عرف بذلك ومكن الحق من نفسه؛ فذلك الفعل كفارة لذنبه 82.
قال ابن عباس: « {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} فمن عفا وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب. وقال أيضًا: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} فهو كفارة للجارح، وأجر المجروح على الله عز وجل» 83.
{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} أي: عفا عن القصاص ممن يستحقه سواء كان هو المجروح إن كان باقيًا، أو وارثه إن كان هالكًا {فَهُوَ} أي: التصدق بالقصاص {كَفَّارَةٌ لَهُ} أي: ستارة لذنوب هذا العافي 84.
وقوله تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} أي: بالقصاص المتعلق بالنفس، أو بالعين، أو بما بعدها {فَهُوَ} أي: فذلك التصدق، عاد الضمير على المصدر؛ لدلالة فعله عليه، وهو كقوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] 85.
وكذلك عفو المجروح إن كان باقيًا، أو وارثه إن كان هالكًا عن عقوبة الدية، فيما إذا كان القتل لا يوجب غير ذلك، وذلك في قتل الخطأ؛ لقوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92] .
قال أبو بكر بن العربي: «أوجب الله تعالى الدية في قتل الخطأ جبرا، كما أوجب القصاص في قتل العمد زجرا، وجعل الدية على العاقلة رفقا؛ وهذا يدل على أن قاتل الخطأ لم يكتسب إثمًا ولا محرمًا، والكفارة وجبت زجرًا عن التقصير والحذر في جميع الأمور» 86.
وقال أيضًا: «أوجب الله تعالى الدية لأولياء القتيل: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} بها على القاتل، والاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها إذا صلح ذلك فيها، وإلا عاد إلى ما يصلح له ذلك منها، والذي تقدم الكفارة والدية، والكفارة حق الله سبحانه، ولا تقبل الصدقة من الأولياء؛ لأن الصدقة من المتصدق عليه لا تنفذ إلا فيما يملكه» 87.
وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} معناه أن الدية تجب على قاتل الخطأ لأهل المقتول، إلا أن يعفوا عنها ويسقطوها باختيارهم فلا تجب حينئذ؛ لأنها إنما فرضت لهم؛ تطييبًا لقلوبهم، وتعويضًا عما فاتهم من المنفعة بقتل صاحبهم، وإرضاء لأنفسهم عن القاتل؛ حتى لا تقع العداوة والبغضاء بينهم، فإذا طابت نفوسهم بالعفو عنها حصل المقصود، وانتفى المحذور؛ لأنهم يرون أنفسهم بذلك أصحاب فضل، ويرى القاتل لهم ذلك، وهذا النوع من الفضل والمنة لا يثقل على النفس حمله كما يثقل عليها حمل منة الصدقة بالمال، وقد عبر عنه بالتصدق للترغيب فيه 88.
ثانيًا: عفو مقيد: