فهرس الكتاب

الصفحة 521 من 2431

قال الشوكاني: «والمراد من هذا: تنبيه العباد أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة، ولذا قال: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2] . أي: لعلكم عند مشاهدة هذه الآيات توقنون بذلك لا تشكون فيه، ولا تمترون في صدقه» 30.

إن الله تعالى سخر كل ما في هذا الكون لخدمة العباد واستخراج جميع ما فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية، فسخر الشمس والقمر والأرض وسخر ما يركب ويؤكل ويلبس، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: تسخير الشمس:

من نعم الله العظيمة تسخير الشمس في منافع العباد.

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } [الأعراف: 54] .

وقال سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) } [النحل: 12] .

بينت الآيات: أن من نعم الله على العباد تسخير الشمس والقمر لمنافعهم، وتأثير الشمس والقمر أظهر الآثار السماوية، وتأثير الشمس أظهر من تأثير القمر، وأظهر الآثار بعد الشعاع التسخين الحاصل منه، ولولا ذلك ما كان كون ولا فساد، ولا استحالة ولا ليل، ولا نهار ولا فصول، ولا مزاج ولا حيوانات، ولا غيرها، ومن آثارهما انتشار الضوء 31، ومعرفة عدد السنين والحساب، وتأثيرهما في إزالة الظلمة، وإصلاح النبات والحيوان، فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، فلولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية 32.

ومنافع الشمس والقمر اللذين سخرهما الله لأهل الأرض لا يحصيها إلا الله، وقدم القرآن الكريم ذكر الشمس على القمر، لأن نعمة الشمس أكثر نفعًا وأعم فضلًا من نعمة القمر.

قال تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) } [نوح: 16] .

وقدم هنا القمر على الشمس، قيل: لمراعاة الفاصلة، وقيل: لأن انتفاع أهل السموات العائد عليهن الضمير به أكثر 33.

وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5] .

وقال جل وعلا: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) } [الإسراء: 12] .

إلى غير ذلك من الآيات المبينة لذلك التسخير لأهل الأرض 34.

وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } [إبراهيم: 33] .

أي: دائمين في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات، وأصل الدأب: العادة المستمرة 35.

قال علي صبح: «ومن روعة الإعجاز في التصوير القرآني في مجال ذكر النعم التي سخرها الله تعالى لعباده؛ لينتفعوا بها، مع تأتي النعمة الأكثر نفعًا والأعظم فضلًا للعباد متقدمة على ما دونها في النفع والفضل؛ لذلك تقدمت الشمس على القمر، لأن نعمة الشمس أكثر نفعًا وأعم فضلًا من نعمة القمر، ويؤيد هذا اتساق الآيات بعضها مع بعض، وتلاؤم ما بعدها وما قبلها في ترابط وتلاحم وثيق» 36.

وقال سيد قطب: «إن هذا المخلوق الصغير .. الإنسان .. يحظى من رعاية الله سبحانه بالقسط الوافر، الذي يتيح له أن يسخر هذه الخلائق الكونية الهائلة، وينتفع بها على شتى الوجوه، وذلك بالاهتداء إلى سنن الكون الإلهي الذي يحكمها، والذي تسير وفقه ولا تعصاه! ولولا هذا الاهتداء إلى طرف السر ما استطاع الإنسان بقوته الهزيلة المحدودة أن ينتفع بشيء من قوى الكون الهائلة، بل ما استطاع أن يعيش معها وهو هذا القزم الصغير، وهي هذه المردة الجبابرة من القوى والطاقات والأحجام والأجرام، والبحر أحد هذه الجبابرة الضخام التي سخرها الله للإنسان، فهداه إلى شيء من سر تكوينها وخصائصها عرف منه هذه الفلك التي تمخر هذا الخلق الهائل، وهي تطفو على ثبج أمواجه الجبارة ولا تخشاها!» 37.

ثانيًا: تسخير الأرض:

سخر الله عز وجل الأرض لعباده وذللها وهيأها لهم.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) } [الحج: 65] .

وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) } [لقمان: 20] .

وقال جل وعلا: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) } [الجاثية: 13] .

بينت الآيات: أن الله تعالى سخر لخلقه ما في السماوات وما في الأرض، من دابة، وشجر، وجبل، وجماد، وسفن، وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم.

وبدأ بذكر السموات والأرض لأنهما أصلان يتفرع عليهما سائر ما يذكر بعد من النعم، {جَمِيعًا مِنْهُ} ، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.

وقد جاء هذا التسخير مبينًا في آيات أخر، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [الملك: 15] .

الذلول: فعول بمعنى مفعول، وهو مبالغة في التذليل، تقول: دابة ذلول بينة الذل، وهو تمكين الانتفاع منها عن تسهيل الاستقرار عليها وتثبيتها بالجبال، كقوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) } [النازعات: 30 - 33] 38.

ومن تسخيرها: استخراج جميع ما فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية، فذللها لنا لنحرثها ونزرعها ونغرسها، ونستخرج معادنها وبركتها، وجعلها طوع علومنا وأعمالنا؛ لنستخرج منها الصناعات النافعة، فجميع فنون الصناعات على كثرتها وتنوعها وتفوقها -لاسيما في هذه الأوقات- كل ذلك داخل في تسخيرها لنا، وقد عرفت الحاجة بل الضرورة في هذه الأوقات إلى استنباط المنافع وترقية الصنائع إلى ما لا حد له، وقد ظهر في هذه الأوقات من موادها وعناصرها أمور فيها فوائد عظيمة للخلق.

قال تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) } [عبس: 27 - 32] .

وقوله سبحانه: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) } [الرحمن: 10 - 13] .

وقوله جل في علاه: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) } [المرسلات: 25 - 27] .

أي: أن من تسخير الله تعالى للأرض أن جعلها كفاتًا للإنسان في حياته؛ بتسهيل معيشته منها وحياته على ظهرها، فإذا مات كانت له أيضا كفاتًا بدفنه فيها.

ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [الملك: 15] ؛ لترتبه على ما قبله بالفاء، أي: بسبب تذليلها بتيسير المشي في أرجائها، وطلب الرزق في أنحائها؛ بالتسبب فيها من زراعة وصناعة وتجارة إلخ.

والأمر في قوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} ، للإباحة، ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} ، فيه امتنان من الله تعالى على خلقه، مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيهًا وحثًا للأمة على السعي والعمل والجد، والمشي في مناكب الأرض من كل جانب؛ لتسخيرها وتذليلها، مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها.

وعليه، فقد وضع القرآن الأمة الإسلامية في أعز مواضع الغنى، والاستغناء والاستثمار والإنتاج، فما نقص عليها من أمور دنياها إلا بقدر ما قصرت هي في القيام بهذا العمل وأضاعت من حقها في هذا الوجود 39.

ثالثًا: تسخير البحر لاستخراج المأكل والملبس:

لقد ذكر القرآن الكريم تسخير البحر لاستخراج ما يؤكل ويلبس منه.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) } [النحل: 14] .

يخبر تعالى في هذه الآية أنه هو الذي سخر البحر، وهو الذي سخر ما فيه من منافع للناس، وهذه نعمة عظيمة من الله؛ حيث جعل البحر مستودعًا لا ينضب لمادة غذائية تعتبر شيئًا أساسيًا في حياة معظم الشعوب، يتناولونها من البحر دون أن يخسروا مالًا وجهدًا في تربيتها، ولولا ذلك لضاقت معيشة أكثر الناس؛ حيث إن عليها اعتمادهم في الغذاء، وبها يتجرون ويتكسبون، ومن رحمة الله إباحتها حية وميتة في الحل والإحرام، حيث يؤكل منها السمك الطري.

والطري: ضد اليابس، ووصف سبحانه لحم أسماكه بالطراوة، لأن أكله في هذه الحالة أكثر فائدة، وألذ مذاقًا، فالمنة بأكله على هذه الحالة أتم وأكمل.

وقيل: في وصفه بالطراوة، تنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى أكله؛ لأنه يسرع إليه الفساد والتغير، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء، فسبحان الخبير بخلقه، ومعرفته ما يضر استعماله وما ينفع، وفيه أيضًا إيماء إلى كمال قدرته تعالى في خلقه الحلو الطري في الماء المر الذي لا يشرب 40.

وقوله تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} ، أي: لتستخرجوا منه ما يتحلى به نساؤكم كاللؤلؤ والمرجان وما يشبههما، وأسند اللبس إليهم لأنهن من جملتهم، ولأنهن يتزين بها لأجلهم، والحلية: اسم لما يتحلى به الناس، وجمعها حلى وحلى، يقال: تحلت المرأة إذا لبست الحلي، والتعبير بقوله سبحانه: {وَتَسْتَخْرِجُوا} يشير إلى كثرة الإخراج فالسين والتاء للتأكيد، كما يشير إلى أن من الواجب على المسلمين أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما في البحر من كنوز، وألا يتركوا ذلك لأعدائهم 41.

ومما جاء في بهيمة الأنعام قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) } [النحل: 66 - 67] .

وقوله جل وعلا: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) } [يس: 71 - 73] .

لقد خلق الله سبحانه وتعالى بهيمة الأنعام لمصالح عباده، وجعلها مذللة مسخرة لقضاء شؤونهم الحياتية، إذ منها طعامهم وشرابهم ولباسهم وأثاثهم وخباؤهم وركوبهم وجمالهم.

وعلى الرغم من أن هذه البهائم تملك من القوة الجسمية والعضلية أضعاف ما يملكه الإنسان؛ إلا أن سنة التسخير قد سلبها المقاومة والتمرد على إرادة الإنسان وتدبيره، وهذا ما يوجب أداء حق الشكر لله سبحانه وتعالى، ولو ترك أمر تذليل هذه المخلوقات للإنسان لعجز عن تذليل ذبابة كما عجز من خلقها، ولكنها المشيئة الإلهية وقدرته في الخلق والتذليل والتسخير 42.

قال القاسمي: «والسر في إفراده هذه النعمة، والتذكير بها دون غيرها من نعمه وآلائه، أن بها حياة العرب وقوام معاشهم، إذ منها طعامهم وشرابهم ولباسهم وأثاثهم وخباؤهم وركوبهم وجمالهم، فلولا تفضله تعالى عليهم بتذليلها لهم، لما قامت لهم قائمة، لأن أرضهم ليست بذات زرع، وما هم بأهل صناعة مشهورة، ولا جزيرتهم متحضرة متمدنة، ومن كانوا كذلك، فيجدر بهم أن يذكروا المتفضل عليهم بما يبقيهم، ويشكروه ويعرفوا له حقه، من عبادته وحده وتعظيم حرماته وشعائره، فالاعتبار بها من ذلك، موجب للاستكانة لرازقها، والخضوع له والخشية منه، هذا أولًا. وثانيًا: قد يقال: إنما أفردت لتتبع بما هو البر الأعظم والخير الأجزل، وهو مواساة البؤساء منها، نظير الآية -على ما ظهر لنا- قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) } [قريش: 3 - 4] . فإن ذلك من أجل ما يرضيه تعالى» 43.

وقال سيد قطب: «إن هذه الأنعام التي خلقها الله لهم وملكهم إياها، وذللها لهم، يركبونها، ويأكلون منها، ويشربون ألبانها، وينتفعون بها منافع شتى، وكل ذلك من قدرة الله وتدبيره، ومن إبداعه: ما أودع من الخصائص في الناس والأنعام، فجعلهم قادرين على تذليلها واستخدامها والانتفاع بها، وحين ينظر الإنسان إلى الأمر بهذه العين وفي هذا الضوء الذي يشيعه القرآن الكريم؛ فإنه يحس لتوه إنه مغمور بفيض من نعم الله، فيض يتمثل في كل شيء حوله، وتصبح كل مرة يركب فيها دابة، أو يأكل فيها قطعة لحم، أو يشرب جرعة من لبن، أو يتناول قطعة من سمن أو جبن، أو يلبس ثوبًا من شعر أو صوف أو وبر، لمسة وجدانية، تشعر قلبه بوجود الخالق ورحمته ونعمته، ويطرد هذا في كل ما تمس يده من أشياء حوله، وكل ما يستخدمونه في حي أو جامد في هذا الكون الكبير، وتعود حياته كلها تسبيحًا لله وحمدًا، وعبادة آناء الليل وأطراف النهار» 44.

وفي هذه الآية: دعوة للمؤمنين إلى استغلال هذه النعمة العظيمة والاستفادة منها بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، وشكر الله تعالى عليها.

رابعًا: تسخير ما يركب:

من نعم الله تعالى على عباده تسخير ما يركب.

قال تعالى: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) } [الزخرف: 12 - 13] .

يخبر جل وعلا في هذه الآية خلقه بما سخر لهم من قوى وطاقات، ووسائل المواصلات والنقل والتجارة، وأنه هو الذي سخر لهم ما يركبونه في البر والبحر من الفلك، التي هي السفن، ومن الأنعام والدواب وغيرها من كل ما يركب، فيدخل فيه الطائرات والغواصات والسيارات على اختلاف أنواعها.

والتسخير: التذليل والتطويع، وتسخير الله الدواب هو: خلقه إياها قابلة للترويض فاهمة لمراد الراكب، وتسخير الفلك حاصل بمجموع خلق البحر صالحًا لسبح السفن على مائه، وخلق الرياح تهب فتدفع السفن على الماء، وخلق حيلة الإنسان لصنع الفلك، ورصد مهاب الرياح، ووضع القلوع والمجاذيف، ولولا ذلك لكانت قوة الإنسان دون أن تبلغ استخدام هذه الأشياء القوية، ولهذا عقب بقوله: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} ، أي: مطيقين، أي: بمجرد القوة الجسدية، أي: لولا التسخير المذكور 45.

وقوله تعلى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} إن تسخير وسائل النقل والمواصلات من الأنعام والدواب والسفن والسيارات والطائرات، وغيرها من وسائل النقل من أعظم النعم على البشرية.

وهذا التسخير سهل للناس سبل الحياة، ولذلك يمتن الله على عباده بتسخيرها، وجيء بفعل جعل مراعاة؛ لأن الفلك مصنوعة وليست مخلوقة، والأنعام قد عرف أنها مخلوقة؛ لشمول قوله: {خَلَقَ الْأَزْوَاجَ} إياها، ومعنى جعل الله الفلك والأنعام مركوبة: أنه خلق في الإنسان قوة التفكير التي ينساق بها إلى استعمال الموجودات في نفعه، فاحتال كيف يصنع الفلك ويركب فيها، واحتال كيف يروض الأنعام ويركبها.

وقدم الفلك على الأنعام؛ لأنها لم يشملها لفظ الأزواج، فذكرها ذكر نعمة أخرى، ولو ذكر الأنعام لكان ذكره عقب الأزواج بمنزلة الإعادة، فلما ذكر الفلك بعنوان كونها مركوبًا عطف عليها الأنعام، فصار ذكر الأنعام مترقبًا للنفس لمناسبة جديدة 46.

ولما كانت هذه النعمة عظيمة، قال تعالى: {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} ، أي: تذكروها بقلوبكم معترفين بها مستعظمين لها ثم تحمدوا عليها بألسنتكم، وتقييدها في هذه الحالة وقت تبوء النعمة؛ لأن كثيرًا من الخلق تسكرهم النعم، وتغفلهم عن الله، وتوجب لهم الأشر والبطر، فهذه الحالة التي أمر الله بها هي دواء هذا الداء المهلك، وهذا يشير إلى أن الإنسان إذا غفل عن ذكر الله، والنعمة غائبة عنه، فإنه لا ينبغى أن يغفل والنعمة حاضرة بين يديه، يعيش فيها وينعم بها، {وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} ، أي، وتقولوا سبحان الذي ذلله وجعله منقادًا لنا، متعجبين من ذلك، وليس الإشارة للتحقير، بل تصوير الحال وفيها مزيد تقرير لمعنى التعجب، والكلام -وإن كان إخبارًا على ما سمعت أولًا- يشعر بالطلب 47.

خامسًا: تسخير بني آدم بعضهم لبعض:

سخر الله تعالى العباد بعضهم لبعض.

قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) } [الزخرف: 31 - 32] .

ذكرت الآية أن الله تعالى هو الذي يقسم فضله بين أهل الفضل، على حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلح له ممن لا يصلح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده لا غيره، وهو الذي جعل لكل واحد من عباده درجة معينة في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان.

وجعل لكل واحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، ومنهم من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام.

وجعل الله تعالى هذا التفاوت بين العباد لحكمة؛ لأنه لو سوى بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحدًا، ولم يصر أحد منهم مسخرًا لغيره، وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا.

وفي هذا التفاوت الذي بين الناس، وفي درجات التفاضل المقسومة بينهم، يتحرك الناس، فيلحق المتأخر بالمتقدم، ويسعى المتقدم ليلحق بمن تقدم عليه وفضله، أو ينزل عن مكانه الذي هو فيه ليأخذه غيره.

وهكذا يتحرك الناس في الحياة صعودًا وهبوطًا، ويتبادلون المواقف، ويتنازعون منازل الفضل، وبهذا تظل ريح الحياة في حركة دائمة مجددة، يتنفس فيها الناس أنفاس الأمل، والقوة، والحياة 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت