كما في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ?35?أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ? بَلْ لَا يُوقِنُونَ ?36?) [الطور:35 - 36] .
«من لابتداء الغاية، أي: أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع والشكل العجيب من غير محدث ومقدر، وقيل: أم خلقوا من أجل لا شيء من عبادة وجزاء، فمن للسببية.
(أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) لأنفسهم فلذلك لا يعبدون الله تعالى (?أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ? بَلْ لَا يُوقِنُونَ) أي: إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض» 90.
فإن زعم الإنسان أنه خلق من غير شيء كان في ذلك مناقضة لقانون السببية الذي يربط بين مسببات وأسبابها والنتائج بمقدماتها والظواهر بعللها، فلا يوجد خلق بلا خالق.
ونتأمل طريقة القرآن الكريم في إبطال الشرك بكافة أنواعه على سبيل الإيجاز في الأمور الآتية:
••بيان عجز الشركاء عن الخلق: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [النحل:17] .
••عجز الشركاء عن التصرف في الكون بالنفع والضر والإحياء والإماتة ونحو ذلك: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ? لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) [سبأ:22] .
••إبطال الشركة أو الشراكة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة فمن باب أولى إبطال الشركة أو الشراكة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد لله ولم يبق إلا الرب وحده لا شريك له.
••غنى الله عن كل شيء ومنه غناه عن الصاحبة والولد إبطالًا لما قيل في حقه اتخذ الله ولدًا وأن الملائكة بناته تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وفي هذا الصدد نذكر على سبيل المثال: الرد على اليهود الذين لم يقدروا الله حق قدره فقالوا فيما يحكيه عنهم القرآن: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ?) [المائدة:64] .
فصحح هذه التصور الفاسد بقوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ?) [المائدة:64] .
«قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة: إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالًا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة، أي: محبوسة مقبوضة عن الرزق نسبوه إلى البخل، تعالى الله عن ذلك. قيل: إنما قال هذه المقالة فنحاص، فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله أشركهم الله فيها. وقال الحسن: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا ما تبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل. والأول أولى لقوله: (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) .
(غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) أي: أمسكت أيديهم عن الخيرات. وقال الزجاج: أجابهم الله تعالى فقال: أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسكة. وقيل: هو من الغل في النار يوم القيامة لقوله تعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ?71?) [غافر:71] .
(وَلُعِنُوا) عذبوا، (بِمَا قَالُوا) فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا وفي الآخرة بالنار، (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ويد الله صفة من صفاته كالسمع، والبصر والوجه. وقال جل ذكره: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ?) [ص:75] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلتا يديه يمين) والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: «أمروها كما جاءت بلا كيف» 91.
كذلك سبب نزول سورة الإخلاص: فعن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ?1?اللَّهُ الصَّمَدُ ?2?) [الإخلاص:1 - 2] إلى آخر السورة 92.
«ولأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جوابًا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صف لنا ربك، أمن ذهب أم من نحاس أم من صفر؟ فقال الله جل وعز ردًا عليهم: (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ففي «هو» دلالة على موضع الرد ومكان الجواب» 93.
«وفي هذه السورة لما سألوا عن حقيقة الله ونسبه جاء الجواب بصفاته؛ لأن ما يسألون عنه إنما يكون في المخلوقات لا في الخالق سبحانه، وفي الممكن لا في الواجب الوجود لذاته، سبحان من لا يدرك كنهه غيره» 94.
صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
••صفات ثبوتية.
••صفات سلبية.
وهذا التقسيم هو مأخوذ من آيات الصفات وأحاديثها، فنجدها إما أن تثبت وإما أن تنفي أو العكس.
فالصفات الثبوتية: ما أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك، فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به.
والصفات السلبية: ما نفاها الله سبحانه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات نقص في حقه، كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب، فيجب نفيها عن الله تعالى لما سبق مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له فلا يكون كمالًا، كما لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصًا.
وعلى ذلك أمثلة:
المثال الأول: قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان:58] .
فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته.
المثال الثاني: قوله تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف:49] .
نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
المثال الثالث: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) [فاطر:44] .
فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده: (? إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) ؛ لأن العجز سببه: إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه، فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض. وبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال.
والصفات الثبوتية صفات مدح وكمال فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر، ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية كما هو معلوم.
أما الصفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله.
قال تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ?3?وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ?4?) [الإخلاص:3 - 4] .
«وقوله: (لَمْ يَلِدْ) يقول: ليس بفان، لأنه لا شيء يلد إلا هو فان بائد (وَلَمْ يُولَدْ) يقول: وليس بمحدث لم يكن فكان، لأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن، وحدث بعد أن كان غير موجود، ولكنه تعالى ذكره قديم لم يزل، ودائم لم يبد، ولا يزول ولا يفنى. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولم يكن له شبيه ولا مثل. وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يكن له صاحبة» 95.
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون.
قال تعالى: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَ?نِ وَلَدًا ?91?وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَ?نِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ?92?) [مريم:91 - 92] . «وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمن اتخذ ولدًا، كقول النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، والمشركين: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا» 96.
«فلشناعة هذه الفرية قدم ذكرها، ثم الرد على عدم إمكانها بقوله: (وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَ?نِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا(92) إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَ?نِ عَبْدًا) [مريم:92 - 93] » 97.
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين.
قال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ? وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا(111 ) ) [الإسراء:111] .
«أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم «لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما قدمنا» أن يقولوا: «الحمد لله» أي: كل ثناء جميل لائق بكماله وجلاله، ثابت له، مبينًا أنه منزه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، سبحانه وتعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا» 98.
وكما في قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) [الأنبياء:16] .
«ما خلقناهما إلا بالحق أي الاستدلال على خالقهما، لعبادته وطاعته ولكن أكثرهم لا يعلمون أي حكمة خلقها، فيعرضون عنه» 99.
القرآن الكريم كلام الله عز وجل كتاب هداية وإرشاد، بين الله سبحانه وتعالى فيه أمور الدين أعظم بيان ومنها أمور الإيمان والتوحيد ولاسيما ما يتعلق بأسماء الله وصفاته وكذلك السنة النبوية الصحيحة.
فمن تدبر القرآن العظيم وجد أن الله سبحانه تعالى: قد تجلى فيه بأسمائه وصفاته متعرفًا إلى عباده بصفاته ألوهيته وصفات ربوبيته وصفات كماله وجلاله، وتأمل العبد في آياته يجعله «يعرف ربًا قد اجتمعت له صفات الكمال والجلال، منزه عن المثال برئ من النقائص والعيوب، وله كل اسم حسن وكل وصف كمال فعال لما يريد، فوق كل شيء ومع كل شيء وقادر على كل شيء ومقيم لكل شيء» 100.
قال ابن القيم: «فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه وجمع الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر وتثبت قواعد الإيمان في قلبه وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فهذا القرآن عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب سبحانه وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده والثناء عليه والإنباء عن عظمته وعزته وحكمته وأنواع صنعته والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه» 101.
«فلو طهرت منا القلوب وصفت الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال وتجردت الهمم للتلقي عن الله ورسوله لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم وتتلاشى عنده معارف الخلق، وبهذا تعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل، والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله ومن يختص برحمته» 102.
فاعتقاد المسلم بأسماء الله وصفاته الاعتقاد الجازم المثمر لأعمال القلوب والجوارح يؤثر في نظرته للحياة وعلاقته بربه تبارك وتعالى أيما تأثير ويحل له قضايا الوجود الكبرى كالهدف من وجوده وكالمبدأ والمعاد والجنة والنار وغير ذلك من القضايا والأمور العظيمة، ويبدد من داخل الإنسان الشك والحيرة والقلق ويكسبه اليقين والسعادة والفوز في الدنيا والآخرة.
ومن أهم ثمرات الأسماء والصفات الأمور الآتية:
إذ أن معرفة العبد بها واستحضاره لمعانيها وتفكره في آثارها تجعله موصولًا دائمًا بمعبوده الحق سبحانه وتعالى محبًا له راجيًا قربه وعطاءه، خائفًا غضبه وعذابه، متوكلًا مستعينًا منيبًا.
قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? فَادْعُوهُ بِهَا ? وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ? سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180 ) ) [الأعراف:180] .
قال القرطبي: «قوله تعالى: (فَادْعُوهُ بِهَا) أي اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب بكل اسم ما يليق به، تقول يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رازق ارزقني، يا هادي اهدني، يا فتاح افتح لي، يا تواب تب علي، هكذا. فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف ارزقني. وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت: يا الله، فهو متضمن لكل اسم. ولا تقول: يا رزاق اهدني، إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير. قال ابن العربي: وهكذا، رتب دعاءك تكن من المخلصين» 103.
وقال العز بن عبد السلام: «فهم معاني أسماء الله تعالى وسيلة إلى معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة و المحبة والتوكل وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات» 104.
وقد علق الله النجاة يوم القيامة على صلاح القلب وسلامته من الشرك فقال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ?88?إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ?89?) [الشعراء:88 - 89] .
قال ابن كثير: «ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك؛ ولهذا قال: (88?إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي: سالم من الدنس والشرك وقال ابن عباس: (88?إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) حيي يشهد أن لا إله إلا الله» 105.
فصلاح سائر الجسد وسلامته متعلق به دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) 106.
كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القلب هو محل نظر الله عز وجل بقوله: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) 107.
ويتضمن هذا البيان ندبًا إلى الاهتمام بما يصل القلب ويحقق عبوديته ويزينه ويجمله، ورأس هذا معرفة الله وصفاته واعتقاد وحدانيته وإلهيته التي تبعث على طاعته عز وجل وإفراده بالعبادة الباطنة منها والظاهرة.
وتأمل على سبيل المثال: اسم الله الحيي الذي معناه كثير الحياء، وحياؤه سبحانه و تعالى وصف يليق بجلاله وعظمته ومن أثره ما يرى العبد من إكرام ربه له وإجابته دعوته وإعطائه سؤله.
العبد الراجي لربه متعلق الأمل ببره وجوده وكرمه، عابد له بأسمائه: الحليم الغفور الكريم القريب المجيب والشكور الودود ونحوها، فإذا استحضر العبد أن ربه قريب منه يجيب دعوته ويشكر سعيه، وإن أقبل عليه قبله وإن استغفره غفر له فإنه ولا شك يحبه ويرجو أن يكون محبوبًا عنده فيدفعه ذلك إلى تحقيق عبوديته له بأنواع الطاعات والعبادات التي ترضيه عنه 108.
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ?) أي: بكتاب الله وكلامه (? أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28] .
«في (ذكر الله) هاهنا قولان:
أحدهما: أنه ذكر العبد ربه، فإنه يطمئن إليه قلبه، ويسكن. فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله. ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه. فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين، إذا حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه، واطمأنت. ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومنهم من قال: بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه، يسكن إليه قلبه، ويطمئن.
والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله به طمأنينة قلوب المؤمنين. فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين.
ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن. فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه وقلقه من شكه. والقرآن هو المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون والأوهام. فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به. وهذا القول هو المختار» 109.
فطمأنينة القلوب الصحيحة والفطر السليمة وسكونها إليه من أعظم الآيات، إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل ومتى انفتح الباب للعبد انتفع بمطالعة تاريخ العالم وأحوال الأمم ومجريات الخلق 110.
فلا بد للعبد من تدبر ما ورد في باب أسماء الله تعالى وصفاته وينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه وما يبين معناه من القرآن والسنة والدلالات، فهذا أصل عظيم مهم نافع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لفظة الأمر، فإن الله تعالى لما أخبر بقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ?82?) [يس:82] . وقال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ?) [الأعراف:54] .
واستدل طوائف من السلف على أن الأمر غير مخلوق، بل هو كلامه وصفة من صفاته بهذه الآية وغيرها، صار كثير من الناس يطرد ذلك في لفظ الأمر حيث ورد فيجعله صفة طردًا للدلالة، ويجعل دلالته على غير الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى: فإن الرحمة صفة لله ويسمى ما خلق رحمة، والقدر من صفات الله تعالى ويسمى المقدور قدرة، ويسمى تعلقها بالمقدور قدرة، والخلق من صفات الله تعالى ويسمى خلقًا، والعلم من صفات الله ويسمى المعلوم أو المتعلق علمًا فتارة يراد الصفة وتارة يراد متعلقها وتارة يراد نفس المتعلق.
والأمر مصدر فالمأمور به يسمى أمرًا ومن هذا الباب سمي عيسى صلى الله عليه وسلم كلمة، لأنه مفعول بالكلمة وكائن بالكلمة وهذا هو الجواب عن سؤال الجهمية لما قالوا: عيسى كلمة الله فهو مخلوق والقرآن إذا كان كلام الله لم يكن إلا مخلوقًا، فإن عيسى ليس هو نفس كلمة الله، وإنما سمي بذلك لأنه خلق بالكلمة على خلاف سنة المخلوقين فخرقت فيه العادة وقيل له: كن فكان، والقرآن نفس كلام الله.
فمن تدبر ما ورد في باب أسماء الله وصفاته، وأن دلالة ذلك في بعض المواضيع على ذات الله أو بعض صفاته لا يوجب أن يكون ذلك هو مدلول اللفظ حيث ورد حتى يكون ذلك طردًا للمثبت ونقضًا للمنافي، بل ينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه وما يبين معناه القرآن والدلالات، فهذا أصل عظيم مهم نافع في باب فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما مطلقًا ونافع في معرفة الاستدلال والاعتراض والجواب، وطرد الدليل ونقضه فهو نافع في كل علم خبري أو إنشائي وفي كل استدلال أو معارضته من الكتاب والسنة وفي سائر أدلة الخلق» 111.
ولا شك في من تدبر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا التدبر الشرعي أثمر عنده حقيقة التعبد المطلق لله رب العالمين وعدم الإشراك به، وبضدها تتميز الأشياء فالشرك ومظاهره وأسبابه وأنواعه في جميع أبواب العقيدة والتوحيد يبطله ويقضي عليه التوحيد الخالص الحي في قلب المؤمن وسلوكه.
قال تعالى: (هَلْ أَتَى? عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا(1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان:1 - 3] .
«وقد ذكر تعالى نعمتين عظيمتين:
الأولى: إيجاد الإنسان من العدم بعد أن لم يكن شيئا مذكورًا، وهذه نعمة عظمى لا كسب للعبد فيها.
والثانية: الهداية بالبيان والإرشاد إلى سبيل الحق والسعادة، وهذه نعمة إرسال الرسل وإنزال الكتب، ولا كسب للعبد فيها أيضا. وقد قال العلماء: هناك ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها:
الأولى: وجوده بعد العدم.
الثانية: نعمة الإيمان.
الثالثة: دخول الجنة» 112.
وقال تبارك وتعالى: (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ? وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمً) [النساء:147] .
«أخبر تعالى عن كمال غناه وسعة حلمه ورحمته وإحسانه فقال: (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) والحال أن الله شاكر عليم يعطي المتحملين لأجله الأثقال، الدائبين في الأعمال، جزيل الثواب وواسع الإحسان، ومن ترك شيئا لله أعطاه الله خيرا منه، ومع هذا يعلم ظاهركم وباطنكم، وأعمالكم وما تصدر عنه من إخلاص وصدق، وضد ذلك وهو يريد منكم التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم إليه، فأي شيء يفعل بعذابكم؟ فإنه لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم، بل العاصي لا يضر إلا نفسه، كما أن عمل المطيع لنفسه.
والشكر هو خضوع القلب واعترافه بنعمة الله، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته وأن لا يستعين بنعمه على معاصيه» 113.
وقال عز وجل: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ? وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى? حِينٍ(80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) [النحل:80 - 81] .
قال ابن كثير: «يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده، بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها سائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضا (مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا) أي: من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم، ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر (أَثَاثًا) أي: تتخذون منه أثاثا، وهو المال. وقيل: المتاع. وقيل: الثياب والصحيح أعم من هذا كله، فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالًا وتجارة. وقوله: (إِلَى? حِينٍ) أي: إلى أجل مسمى ووقت معلوم.
وقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا) قال قتادة: يعني: الشجر.
(وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا) أي: حصونًا ومعاقل، كما (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) وهي الثياب من القطن والكتان والصوف.
(وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ) كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك.
(كَذَ?لِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) ) أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم، وما تحتاجون إليه، ليكون عونًا لكم على طاعته وعبادته.
(لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) هكذا فسره الجمهور، وقرؤوه بكسر اللام من (تسلِمون) أي: من الإسلام. وقال قتادة في قوله: (كَذَ?لِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) هذه السورة تسمى سورة النعم» 114.
وقال ابن القيم: «فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف رب بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل، فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئًا ولا يقدر على شيء ولا يملك شيئًا ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء البتة. بل لم يزل عبدًا فقيرًا بذاته إلى بارئه وفاطره فلما أسبغ عليه نعمته وأفاض عليه من رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرًا وباطنًا وجعل له السمع والبصر والفؤاد وعلمه وأقدره وصرفه وحركه» 115.
ألا يوجب ذلك وغيره عبادته وشكره ومحبته وطلب رضاه والبعد عن سخطه.