وقال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4] .
أي: تنزل الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح في ليلة القدر 84.
وفي قوله تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ} [غافر: 15] ، أي: يرسل جبريل.
والمراد بالروح في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ} [النبأ: 38] : جبريل عليه السلام 85.
وفي قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء: 85] ، قال قتادة والحسن: هو جبريل 86.
وفي قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء: 85] قيل: هو جبريل عليه السلام 87.
قال ابن عاشور: «ويطلق لفظ (الروح) على الملك الذي ينزل بالوحي على الرسل، وهو جبريل عليه السلام، ومنه قوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 193 - 194] » 88.
وعن قتادة في قوله: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} ، قال: جبريل عليه السلام 89.
وقال السمعاني في تفسيره لآية القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر: 4] .
قال: «الأكثرون على أنه جبريل عليه السلام» 90.
«أي: يتنزل فيها جبريل عليه السلام، الذي هو مختص بتبليغ الوحى، والاتصال بالنبيّ، أما الملائكة الذين يحفون به، فهم وفد الله معه لحمل هذه الرحمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى عباد الله» 91.
وفي تفسيره لآية النحل: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [النحل: 2] يقول الثعلبي: «يعني جبرائيل» 92.
ويلحظ في بعض الآيات التي وصفت جبريل عليه السلام بـ (الروح) ، أنها أضافت وصفًا آخر إليه وهو (القدس) .
وقد جاء ذلك في عدة آيات، منها:
قوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 87] .
وقوله تعالى: {إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [المائدة: 110] .
قال الطبري: «روح القدس الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيّد عيسى به، هو جبريل عليه السلام» 93.
وقوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102] .
والقدس بمعنى المقدس والمطهر، وهو تعبير تكريمي كما هو المتبادر 94.
وقد صرحت بعض الآيات بأن الملك الموكل بإنزال الوحي هو جبريل عليه السلام، كما في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97] .
وقد وصفت آية سورة الشعراء الملك الموكل بإنزال الوحي بأنه {الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] .
وفي الحديث الشريف: عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه، قال: (مر عمر في المسجد وحسان ينشد فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(أجب عني، اللهم أيّده بروح القدس) ؟ قال: نعم) 95.
وفي سنن الترمذي: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه قائمًا، يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قالت: ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر، أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) 96.
و (روح القدس) هو: جبريل عليه السلام، وسمي بذلك من حيث إنه ينزل بالقدس من الله، أي: بما يطهّر نفوسنا من القرآن والحكمة والفيض الإلهي 97.
وقيل: «ومعنى روح القدس: الروح المقدسة، أي: الطاهرة من الأدناس» 98.
ثانيًا: رحمة الله:
ومن الأمور التي وصفت بـ (الروح) رحمة الله تعالى.
قال تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] أي: من رحمة الله 99.
وفي قول تعالى: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] .
قال الرازي: «أي: برحمة منه. وقال عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا رحمة مهداة) 100» 101.
ثالثًا: الوحي:
ومن الأمور التي وصفت بأنها (روح) الوحي الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} [غافر: 15] .
أي: ينزل الوحي من أمره على من يشاء من عباده 102.
وقال الضحاك: يعني بالروح: الكتاب ينزله على من يشاء 103.
وفي قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ} [النحل: 2] .
قال ابن عباس: بالوحي 104.
قال السعدي: «سماه روحًا؛ لأن الروح يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير» 105.
رابعًا: عيسى عليه السلام:
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] .
قال أبيّ بن كعب: «لما أخذ الله الميثاق على بني آدم كان عيسى روحًا من تلك الأرواح، فأرسله إلى مريم، فحملت به» 106.
قال الرازي: «جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئًا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب، وإنما تكوّن من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح» 107.
وقيل: سمي روحًا؛ لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب 108.
وفي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) 109.
قال سيد طنطاوي: «وقوله: {وَرُوحٌ مِنْهُ} ، أي: ونفخة منه؛ لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل في درع مريم، فكان عيسى بإذن الله. فنسب إلى أنه روح من الله؛ لأنه بأمره كان، وسمى النفخ روحًا؛ لأنه ريح تخرج من الروح» 110.
خامسًا: النصر والتأييد:
ومما فسر به الروح في بعض المواضع: النصر والتأييد.
قال تعالى: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: 22] .
قال البغوي: «قوّاهم بنصر منه. قال الحسن: سمى نصره إياهم روحًا؛ لأن أمرهم يحيا به» 111.
وقال ابن عباس: «قوّاهم بنصر منه في الدنيا على عدوهم» 112.
وقال المراغي: «أي: إنه قوّاهم بطمأنينة القلب، والثبات على الحق، فلا يبالون بموادّة أعداء الله، ولا يأبهون لهم» 113.
سادسًا: النفس:
مما وصف بأنه روح النفس الإنسانية التي بها الحياة.
قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] .
قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (إني مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب، فمر بنا ناس من اليهود فقالوا: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم بما تكرهون، فأتاه نفر منهم فقالوا له: يا أبا القاسم، ما تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام، فأمسك بيده على جبهته، فعرفت أنه ينزل عليه، فأنزل الله عليه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا} ) [الإسراء: 85] 114.
قال الشوكاني: «اختلف الناس في الروح المسئول عنه، فقيل: هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، وبهذا قال أكثر المفسرين، قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله سبحانه به أحدًا من خلقه، ولم يعط علمه أحدًا من عباده، فقال: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، أي: إنكم لا تعلمونه» 115.
وقال القرطبي في تفسيره: «وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي يكون به حياة الجسد، وقال أهل النظر منهم: إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الإنسان، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل» 116.
ويقول الشيخ الفوزان: «بيّن أنها من خصوصياته سبحانه وتعالى، وأنه هو الذي خلقها، وهو الذي يعلمها، ولا يعلمها أحد من الخلق، فهي سر من الأسرار، ولا تزال سرًّا، وهذا من معجزات القرآن، فإنه مع تقدم الطب والمهارة فيه، ومع حرص الناس على البحث في هذا الشأن، لم يعرفوا شيئًا عن حقيقة الروح {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، على أن المراد بالروح: ما يحيا به الإنسان» 117.
وفي قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] .
قال ابن الجوزي: «هذه الروح هي التي يحيا بها الإنسان، ولا تعلم ماهيّتها، وإنما أضافها إليه؛ تشريفًا لآدم، وهذه إضافة ملك. وإنما سمي إجراء الروح فيه نفخًا؛ لأنها جرت في بدنه على مثل جري الريح فيه» 118.
فـ «الروح: يطلق على الموجود الخفي المنتشر في سائر الجسد الإنساني، الذي دلت عليه آثاره من الإدراك والتفكير، وهو الذي يتقوم في الجسد الإنساني حين يكون جنينًا بعد أن يمضي على نزول النطفة في الرحم مائة وعشرون يومًا» 119.
قال الشعراوي: «وسميّ الشيء الذي يتصل بالمادة، فتدبّ فيها الحياة روحًا، فقال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] .
وسمّي المنهج الذي ينزل من السماء لهداية الأرض روحًا، وسمّي الملك الذي ينزل به روحًا؛ لأنه يعطينا حياة دائمة باقية لا فناء لها، وهكذا يتم الارتقاء بالحياة؛ لذلك سمّى المنهج روحًا: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] .
وسمّى الملك الذي نزل به روحًا: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 193] .
إذن: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64] .
أي: الحياة الحقيقية التي لا تفوتها ولا تفوتك، ولا يفارقك نعيمها، ولا ينغّصه عليك شيء، كما أن التنعّم في الدنيا على قدر إمكاناتك وأسبابك، أمّا في الآخرة فالنعيم على قدر إمكانات المنعم سبحانه وتعالى» 120.
إن العنصر المهم في الإنسان هو روحه، فهي التي تشعر بالنعيم والعذاب، وهي التي تتفاعل معه.
يقول ابن القيم: «إن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين ومعاد الأبدان، متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى» 121.
فالأرواح تتذوق النعيم أو العذاب الذي يكون عليها في القبور.
أولًا: نعيم الروح:
دلت النصوص الشرعية أن الأرواح تنعّم بما ينالها من نعيم قدّره لها ربّ العباد؛ مكافأة لعمل صاحبها بأوامر الله تعالى، واقتداء بشرعه، من ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، فيعرج بها حتى ينتهي بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان ابن فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان،، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل) 122.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى القيامة) 123.
وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولمّا يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأنّّ على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه، فقال:(استعيذوا بالله من عذاب القبر) مرتين، أو ثلاثًا، ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون -يعني بها- على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم فيشيّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها، وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي، ومالي) » 124.
وقال المراغي في تفسيره: «وقد أثبت علماء الأرواح حديثًا، نعيم الروح وعذابها، وشبهوا ذلك بما يراه النائم حين نومه، فقد نرى نائمين في سرير واحد، يقوم أحدهما مذعورًا كئيبًا وجلًا مما شاهد في نومه، بينما نرى الثاني مستبشرًا فرحًا بما لاقى من المسرّة والنعيم، فيروى أنه كان في حديقة غناء وشاهد كذا وكذا مما فيها من بهجة وبهاء، وجمال ورواء» 125.
وجاء في شرح الطحاوية لأبي العز الحنفي، وهو يتحدث عن مراتب الأرواح في عالم البرزخ: «إن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا كلهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، كما في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش: (أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال:(الجنة) ، فلما ولّى، قال: (إلاّ الدين، سارّني به جبريل آنفا) 126127.
ومن النعيم الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين رؤيته -جل شأنه وعظم قدره-. جاء ذلك في موسوعة فقه القلوب: «ومن نعيم الروح رؤية الرب جل جلاله ورضاه، والقرب منه» 128.
وبهذا اتضح بما لا يدع مجالًا للشك، وبهذه النصوص البينة الواضحة الجلية القطعية في دلالاتها، أن الأرواح تنعّم وتشعر بما ينالها من هذا النعيم الذي كتبه لها رب العزة والجلالة.
ثانيًا: عذاب الروح:
قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] .
قال السمعاني فيها: «قيل: للعذاب، وقيل: لقبض الأرواح. {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} ، أي: أرواحكم، فإن قال قائل: الروح إنما تخرج كرهًا، فما معنى قوله: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} ؟ قيل: إنما قال ذلك تغليظًا عليهم، كمن يخرج من الدار كرهًا، ويقال له: اخرج» 129.
وقال البغوي: « {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} ، بالعذاب والضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وقيل: بقبض الأرواح. {أَخْرِجُوا} ، أي: يقولون {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} ، أي: أرواحكم كرهًا؛ لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك» 130.
وإلى هذا أشار رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. عن أنس عن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) 131.
وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} ، فدل على أن المراد به عذاب القبر.
قال الله تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الطور: 45 - 47] .
وهذا يحتمل عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيرًا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، وقد يقال -وهو أظهر-: إن من مات منهم عذب في البرزخ، ومن بقى منهم عذب في الدنيا بالقتل وغيره، فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ. قال السمرقندي في تفسيره: « {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47] ، يعني: من قبل عذاب النار، قد روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: عذاب القبر، وقال معمر عن قتادة، قال: عذاب القبر في القرآن» 132.
ومنها قوله جل شأنه: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 45 - 46] .
فذكر عذاب الدارين ذكرًا صريحًا لا يحتمل غيره، فدل على ثبوت عذاب القبر.
قال السدي: «بلغني أن أرواح قوم فرعون في أجواف طير سود تعرض على النار غدوًّا وعشيًّا، حتى تقوم الساعة» 133.
وقال ابن كثير في تفسيره: «وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور» 134.
وقال الله تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: 83 - 94] .
«فذكر ها هنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية؛ إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام» 135.