«أفلا تعقلون أنه ليس من قبلي، أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه، لتعلموا أنه ليس إلا من الله» 86.
مما سبق نجد أننا لو تدبرنا كتاب الله وآياته المسطورة والمنظورة بعقولنا وفطرتنا السليمة، كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى، واتبعنا التعاليم والمبادئ الموجودة في ديننا الحنيف، لاهتدينا بأمر الله وكنا من الفائزين في الدنيا والآخرة.
خامسًا: آثار المهلكين من الأمم السابقة:
من وسائل تربية الله تعالى للبشر، ذكره القصص لأخذ العبرة والامتثال لحكم الله سبحانه وتعالى، فذكر لنا قصص الأمم الغابرة التي حادت عن منهج الله سبحانه، فبين الله عز وجل سنته فيهم وذلك بالخسف والدمار وإنزال العذاب عليهم، وترك من آثار ديارهم المدمرة للتدبر وليكونوا عبرة لغيرهم.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) } [يوسف: 109] .
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يعني: يتفكرون ويعتبرون بهم فيؤمنون» 87.
«فتتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟» 88.
قال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) } [الصافات: 137 - 138] .
والمعنى تمرون على منازلهم في ذهابكم إلى الشام ورجوعكم منه نهارًا وليلًا أفلا تعقلون ما تشاهدونه في ديارهم من آثار عقوبة الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين وموعظة للمتدبرين 89.
«أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟» 90.
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يقول: أفليس لكم عقول تتدبرون بها وتتفكرون» 91.
«أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به وتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم» 92.
ويظهر من خلال ما نقل من أقوال المفسرين آنفًا أن معنى العقلان في الآيات السابقة يدور حل الاعتبار والاتعاظ بما تضمنه السنن الجارية من دروس في حياة الأفراد والأمم، فلنعتبر مما حدث في الأمم السابقة، وننظر إلى ما آلت إليه الأمم التي حادت عن المنهج السليم، الذي أرسل الله لهم به الرسل للهداية والنجاة من العقاب، وتدبرنا ذلك في أنفسنا بعقولنا وبصائرنا، ترانا ماذا كنا فاعلين؟
فالسعيد من وعظ بغيره، نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.
سادسًا: حقيقة الحياة الدنيا والحياة الآخرة
في القرآن الكريم العديد من الآيات التي يدعونا الله عز وجل من خلالها للمقارنة بين الدنيا وشقائها، والدار الآخرة بنعيمها والفوز بالجنة، والذي يتدبر الأمر هو الذي يمتلك عقلًا واعيًا، ويحسن المقارنة فيترك متاع الدنيا القليل الزائل ويعمل من أجل النعيم الدائم في الآخرة.
قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } [الأنعام: 32] .
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تدركون، أي الدارين أحق بالإيثار» 93.
«أفلا تعقلون إن الآخرة خير من الدنيا فيعملون لها» 94.
«نصيحة القرآن للعقلاء بأن لا يغتروا بالحياة الدنيا، ويهملوا شأن الآخرة وهي خير للمتقين» 95.
في الآية السابقة نلاحظ كيف أن القرآن ينكر على الذين يعقلون كيف لا يتدبرون الآيات، ويشغلون أنفسهم بالدنيا وما فيها من مظاهر اللهو واللعب، ويتركون الإعداد للآخرة التي هي خير وأبقى لمن أخلص في طلبها واستعمل دنياه في تحصيلها.
قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) } [الأعراف: 169] .
« {وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} لدوامها، وخلوص منافعها ولذاتها عن المضار والآلام، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي، ولا تؤثرون الأدنى الفاني، على الأعلى الباقي» 96.
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب» 97.
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يعني: أفلا يعقل هؤلاء الذين يرضون بعرض الدنيا أن ما في الآخرة خير وأبقى لأنها دار المتقين» 98.
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب.
وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيمًا عظيمًا باقيًا فأنى له العقل والرأي؟» 99.
مما سبق نلاحظ أن القرآن الكريم ذكر أن العاقل هو الذي يقارن بعقله بين الدنيا ومتاعها الزائل، والآخرة ونعيمها الباقي ويختار بعقله السليم ما هو خير له في دنياه وآخرته، و الشقي من يؤثر الدنيا ومتاعها القليل الزائل ويستبدلها بالخلود في الجنة ونعيمها المقيم، يبيع آخرته بعرض ومتاع سقط لا قيمة له، مقارنة بما كان ينتظره في الجنة لو أعد له واهتدى. نسأل الله السداد والتوفيق.
سابعًا: الأمثال القرآنية:
ضرب المثل نوع من أنواع تقريب العلم وفهمه لعقول الناس، وهو وسيلة من الوسائل التعليمية التي نهجها القرآن منها القصص والمثل وغيرها، وذلك لتقريب الصورة للأذهان، والاستفادة من الأحكام والأوامر والنواهي والتدبر والتفكر في آيات الله، والحذر من الوقوع في المعصية، والتعرض لغضب الله والعياذ بالله.
قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) } [الكهف: 54] .
« {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} أي: بَيَّنا {فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} أي: ليتذكروا ويتعظوا» 100.
« {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} من كل خبر يحتاجون إليه مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا، أو من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول» 101.
« {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} ضربناه للناس: تقريبًا لأفهامهم،» 102.
«يخبر الله تعالى عن عظمة القرآن، وجلالته، وعمومه، وأنه صرف فيه من كل مثل، أي: من كل طريق موصل إلى العلوم النافعة، والسعادة الأبدية، وكل طريق يعصم من الشر والهلاك، ففيه أمثال الحلال والحرام، وجزاء الأعمال، والترغيب والترهيب، والأخبار الصادقة النافعة للقلوب، اعتقادًا، وطمأنينة، ونورًا، وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن وتلقيه بالانقياد والطاعة، وعدم المنازعة له في أمر من الأمور» 103.
«يقول عز ذكره: ولقد مثلنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، ووعظناهم فيه من كل عظة، واحتججنا عليهم فيه بكل حجة ليتذكروا فينيبوا، ويعتبروا فيتعظوا، وينزجروا عما هم عليه مقيمون من الشرك بالله وعبادة الأوثان» 104.
وهكذا نرى أن الغاية من ضرب المثل هو تقريب المعنى للأفهام، وتوضيح الصورة لأخذ العبرة، والانقياد والطاعة وزيادة الطمأنينة.
قوله تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24) } [هود: 24] .
« {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أي: بضرب الأمثال وتدبرها» 105.
« {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أي: أفلا تعتبرون وتتعظون؟ والغرض التفريق بين أهل الطاعة والإيمان، وأهل الجحود والعصيان» 106.
« {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم» 107.
« {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} أي: تتعظون بضرب الأمثال والتأمل فيها» 108، من الآية السابقة نجد أن ضرب المثل كان للتدبر والاتعاظ.
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) } [محمد: 3] .
« {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} أي: مثل ذلك البيان الواضح، بين الله أمر كلٍّ من الفريقين المؤمنين والكافرين بأوضح بيانٍ وأجلى برهان؛ ليعتبر الناس ويتعظوا» 109.
وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ} [العنكبوت: 41] .
«هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن، نضربها للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا لما بعد من أفهامهم» 110.
«أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس» 111.
وهكذا نرى كيف ضرب الله تعالى المثل لتقريب الصورة وسهولة الاستيعاب، وأخذ العبرة من الأمثال.
الحمد لله على نعمة العقل التي أنعم الله تعالى بها علينا، فبه عرفنا الله ربنا وبه عبدناه، ونسير كذلك أمرنا في الحياة الدنيا، وبه ميزنا عن سائر خلقه من الطيور والحيوانات، وبه نميز بين الحق والباطل، وبواسطته تعلمنا الحلال من الحرام، وتعلمنا العلوم الشرعية والدنيوية، وبه جاهدنا أنفسنا والشيطان.
أولًا: الهداية:
«إن القرآن هو كتاب العقل، وأنه بأكمله دعوة لتحرير العقل من عقاله، وأنه يدعونا -بعبارات تختلف في أسلوبها وتتحد في معناها- إلى استعمال العقل ووزن كل شيء بميزانه.
قال تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) } [الأنبياء: 66 - 67] .
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يعني: أليس لكم عقل تعقلون به أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟» 112.
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أن من ليس له ذهن ولا قوة ولا منفعة ولا مضرة أن لا تعبدوه» 113.
وقوله: « {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: أليس لكم عقل تعرفون هذا؟» 114.
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟» 115.
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: ألا تتفكرون فلا تعقلون قبح صنيعكم» 116.
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الذي لا يدين به إلا كل جاهل ظالم فاجر» 117.
قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 18] .
«قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، {وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة» 118.
«وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} أي: أرشدهم الله إلى الحق. وقوله: {وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} أي: أولو العقول» 119.
« {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} لدينه، {وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس لها» 120.
مما سبق نجد أن الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان بالعقل، وبهذا العقل السليم اهتدى لوحدانية الله عز وجل، فأكرمه الله تعالى بالهداية والعلم، مما زاد تقواه وخشيته لله تعالى، وهذا فضل من الله ومنة لذوي العقول السليمة والفطرة الصافية.
ثانيًا: مطابقة العلم للعمل:
من العار أن يكون الإنسان متعلمًا لأمر معين، ويعلمه لغيره، وهو أولى أن يقوم بالعمل بما يعلم، قال صلى الله عليه وسلم مادحًا من تعلم وعلم، أي: من عمل بعلمه، فالإنسان العاقل هو من يقوم بالعمل بما يعمل، عن عثمان رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) 121.
«قال الحكماء: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، وحياة المروءة الصدق، وحياة الروح العفاف، وحياة الحلم العلم، وحياة العلم الفهم، وحياة الفهم العمل، وحياة العمل القبول» 122.
و «قال بعض الحكماء: أفضل العقل معرفة الرجل نفسه، وأفضل العلم وقوف الرجل عند علمه» 123.
قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) } [البقرة: 44] .
« {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} قيل: إن من وعظ الناس يجتهد أن ينفذ موعظته إلى القلوب، فإذا خالف قوله فعله كان ذلك سبب تنفير القلوب عن قبول موعظته» 124.
«العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه، دل على عدم عقله وجهله، خصوصا إذا كان عالما بذلك، قد قامت عليه الحجة» 125.
«وقال الحرالي: ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم، أعلن تعالى عليهم بذلك نظمًا لما تقدم من نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ظهر من نقص عقولهم، في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه، فأخرجهم بذلك عن حد العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين، وزاد في تبكيتهم بجملة حالية حاكية تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم عليه» 126.
«وقوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} استفهام عن انتفاء تعقلهم استفهامًا مستعملًا في الإنكار والتوبيخ، نزلوا منزلة من انتفى تعقله فأنكر عليهم ذلك، ووجه المشابهة بين حالهم وحال من لا يعقلون أن من يستمر به التغفل عن نفسه وإهمال التفكر في صلاحها مع مصاحبة شيئين يذكرانه، قارب أن يكون منفيًّا عنه التعقل» 127.
وهكذا نجد التقريع والذم لمن لا يعمل بما يعلمه للناس.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [الصف: 2 - 3] .
«تتناول ذم من قال ما لا يفعله على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط» 128.
«هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي: لم تقولون من الخير ما لا تفعلونه؟» 129.
«أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون عن الشر، وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به. فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه» 130.
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) } [الأعراف: 175 - 178] .
«قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله» 131.
«أنه مال إلى الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة واتبع هواه، أي: اتبع ما يهواه، وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله، وهو حطام الدنيا» 132.
«وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى، وإخلاد العبد إلى الشهوات، يكون سببا للخذلان» 133.
«هنا نفيٌ بضرب المثل للمكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله الكريم بعد أن أيدها بالأدلة العقلية والكونية، وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالمًا بها قادرًا على بيانها، لكنه لا يعمل بها، بل يأتي عمله مخالفًا لعلمه. لذا سلبه الله ما آتاه» 134.
فالعمل المبارك المقبول هو ما كان عن علم، كذلك العمل الطيب المبارك هو الذي ينفع صاحبه ويعمل به، فيكون حجة له لا عليه، ويرفع الله درجاته في الجنة.
ثالثًا: الامتناع عن المعاصي:
السعيد الذي منحه الله تعالى عقلًا سليمًا وقلبًا عامرًا بالتقوى والإيمان، فهو يكون بعيدًا كل البعد عن المعاصي؛ لأن قلبه مضاء بنور الإيمان، وعقله النير وفطرته السليمة يصد بهما كل خطرات الشيطان، كذلك نفسه التي بين جنبيه تكون مطمئنة، تدعوه للعمل الصالح والطاعة والسلوك القويم الذي يرضي الله تعالى عنه، فلا يسلك سبل الشيطان الملتوية، بل يبتعد عن كل ما يغضب الله تعالى، اللهم ألهم نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم آمين.
قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) } [الأنعام: 151] .
{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تنتفعوا بعقولكم 135.
« {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة» 136.
«وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} رجاء أن يعقلوا، أي: يصيروا ذوي عقول؛ لأن ملابسة بعض هذه المحرمات ينبئ عن خساسة عقل، بحيث ينزل ملابسوها منزلة من لا يعقل، فلذلك رجي أن يعقلوا» 137.
«ذلكم وصاكم به الله، وأرشدكم، لتعقلوا الخير والمنفعة في فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، إذ هو مما تدركه العقول، وفي هذا تعريض بأن ما هم عليه لا يعقل له معنى، ولا تظهر له فائدة عند ذوى العقول الراجحة» 138.
«لعلكم تعقلون عن الله أوامره ونواهيه، أي: ليعدكم لأن تعقلوا الخير والمصلحة في فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه» 139.
قال تعالى: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) } [الزخرف: 21 - 27] .
أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله عز وجل، ويجوز أن يكون {إِلَّا} بمعنى لكن، فيكون المعنى: لكن الذي فطرني فإنه سيهديني، أي: سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته 140.