ولا يستوي الخبيث والطيب من الأطعمة والأشربة، فقد أحل الله الطيبات وحرّم الخبائث، قال الله تعالى في وصف رسوله عليه السلام: (? ? ? ژ) [الأعراف: 57] .
ولا يمكن أن يستوي الإنسان الذي يعمل بالمبادئ الأخلاقية والذي لا يعمل بها، ولا يستوي الذي يعمل الخير والذي يعمل الشر، قال تعالى: (? ں ں ? ?) [المائدة: 100] .
قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ^ ک ک ک گ) [الانفطار: 13 - 14] .
إن الإنسان الذي يعمل بمقتضى القيم الأخلاقية لا تزيد قيمته ودرجته وجزاؤه عند الله فحسب، بل تزيد قيمته الإنسانية بين الناس فيكون له الشرف والمكانة الأدبية في المجتمع، فيجد القبول والاهتمام به والمودة والتقدير من الناس، فقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ) [مريم: 96] .
لا يعني كثرة الشيء أنه هو الجيد دومًا وهو المطلوب، فقد ذم القرآن الكريم الكثرة في كثير من آياته وامتدح القلة، وهذه بعض الأمثلة على ذم الكثير وعدم اعتباره:
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [الأنعام: 116] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [يوسف: 103] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ?) [الصافات: 71] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 100] .
وقال تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 106] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ) [الإسراء: 89] .
وقال تعالى: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 243] .
وقال تعالى: (? ? ? ? چ چ چ چ? ? ?) [غافر: 61] .
وقال تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ?) [يوسف: 40] .
كما امتدح الله عز وجل القلة في كثير من الأشياء:
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ) [ص: 24] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [النساء: 83] .
قال تعالى: (? ? ? ?) [سبأ: 13] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ) [البقرة: 246] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ?) [النساء: 66] .
وقال تعالى: (? ژ ژ) [هود: 40] .
وقال تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ) [المائدة: 100] .
يقول الشيخ ابن سعدي رحمه الله: «ودلت هذه الآية على أنه لا يستدل على الحق بكثرة أهله، ولا تدل قلة السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير الحق، بل الواقع بخلاف ذلك، فإن أهل الحق هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا وأجرًا» 68.
وإذا كانت كثرة الخبيث تغر وتعجب ففي الطيب متاع بلا معقبات من ندم أو تلف، وبلا عراقيل من ألم أو مرض، وما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيب مثلها، بل أحسن منها على اعتدال وأمن من العاقبة في الدنيا والاخرة.
ولو أثار أنفسنا وأعجبنا واسترعى أنظارنا كون الخبيث كثيرًا، إن الشر مهما يكثر لا يمكن أن يستحسن شرعًا أو ترضى به الأخلاق، ولا يمكن أن ينقلب بالكثرة مساويًا للخير بل إنه كلما كثر، وجبت مقاومته، بشدة وبمقدار كثرته، تكون شدة المقاومة، وذلك فرق ما بين شريعة الله سبحانه وتعالى وقوانين العباد، فإن قوانين العباد، تستمد قوتها من الكثرة، وعرف الناس، ولو كان فاسدًا، أما شريعة الله، فهي للخير المحض، وإذا كثر الشر لا تتبعه، بل تقاومه، ولا ترضى به، لأنها جاءت لنشر الخير، والعقل حين يتخلص من الهوى بمخالطة التقوى له ورقاقة القلب له، يختار الطيب على الخبيث فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة ولا يمكن أن ترضى، وإلا ما كانت رسالات الرسل، ولا جهاد الأنبياء والصديقين والشهداء الصالحين، ولذلك أمر سبحانه بمقاومة الشر مهما كثر 69.
كثيرًا ما يستدل أغلب الناس ممن قل فقهه على الحق بكثرة أهله، ويظنون أن الصواب يعرف بكثرة الجمهور والأتباع لرجل ما، وقد قيل: «الرجال يعرفون بالحق لا الحق يعرف بالرجال» .
يقول ابن عاشور رحمه الله عن هذه الآية: فكان الخبيث المقصود في الآية شيئًا تلبّس بالكثرة، فراق في أعين الناظرين لكثرته، ففتح أعينهم للتأمّل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته.
والمخاطب بهذه الآية غير معيّن بل كلّ من يصلح للخطاب، وليس المقصود بهذه الآية أنّ كلّ خبيث يكون كثيرًا، ولا أن يكون أكثر من الطيّب من جنسه، فإنّ طيّب التمر والبرّ والثمار أكثر من خبيثها، وإنّما المراد أن لا تعجبكم من الخبيث كثرته إذا كان كثيرًا فتصرفكم عن التأمّل من خبثه وتحدوكم إلى متابعته لكثرته، ولكن انظروا إلى الأشياء بصفاتها ومعانيها لا بأشكالها ومبانيها، أو كثرة الخبيث في ذلك الوقت بوفرة أهل الملل الضالّة 70.
فالخبيث والطيب لا يتساويان في ميزان العدل الإلهي في الدنيا وفي الآخرة، فقليل حلال طيب خير من كثير حرام ضار، لهذا لا يجوز الاغترار بالخبيث ولو كثر وعم، وفي هذا تثبيت للمؤمنين على ما ابتلوا به من كثرة الخبائث وانتشارها وسطوة أهله وتجبرهم.
فمهما يكثر الخبيث وينتشر صيته فيبقى خبيثًا غير مستساغ لدى النفوس الطيبة الطاهرة، ولا تقبله الفطرة السليمة، وليس كل ما يلمع ذهبًا.
ودائما أصحاب العقول السليمة هم المخاطبون بالتوجيهات الربانية فالعقل السليم والفطرة النقية لا تتعارض مع النصوص الإلهية، وقد قال عز وجل: (ہ ہ ہ ھ ھ ھ) [المائدة: 100] .
فمن الواجب على كل ذي لب يميز الخبيث من الطيب، ويقضي بأن الطيب خير من الخبيث، وأن من الواجب على الإنسان أن يجتهد في إسعاد حياته، ويختار الخير على الشر أن يتقي الله ربه بسلوك سبيله، ولا يغتر بانكباب الكثيرين من الناس على خبائث الأعمال ومهلكات الأخلاق والأحوال، ولا يصرفه الأهواء عن اتباع الحق بتولية أو تهويل لعله يفلح بركوب السعادة الإنسانية حتى ولو كان غريبًا وسط هذه الفتن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى للغرباء، طوبى للغرباء، طوبى للغرباء) ، فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: (ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) 71.
من فضل الله علينا ومنته أنه أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، لحكم عظيمة وجليلة تتضح معالمها على مر الزمان، لتثبت أن هذا القرآن من عند عليم خبير.
قال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ?) [الأعراف: 32] .
فالله عز وجل يمتن على عباده بما مكنهم في الأرض من حياة واستقرار، إذ جعلها مسخرة لهم، ووضعها تحت تصرفهم، وآتاهم فيها من أسباب الكسب ووسائل العيش ما يطيب معه القرار، وأحل الطيبات من المأكل والمشرب والملبس والزينة، وأنكر تحريم ذلك وجعل سبحانه وتعالى كل ذلك مباحًا، ودعا عباده إلى استعمالها والتمتع بها، فالله جل جلاله هو وحده المختص بالتحليل والتحريم، وقد أحلها ولم يحرمها 72.
قال تعالى: (چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ) [البقرة: 172 - 173] .
ويأمر الله عز وجل بالأكل من طيبات ما خلق لنا وشكره على تلك النعم التي لا تعد ولا تحصى، ويفصل بعد ذلك الحق سبحانه وتعالى ما حرم على عباده وهي:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان، أحسبه قال: الكبد والطحال) 74.
قال الشّافعي رحمه الله تعالى:
فيحلّ الله عز وجل ما حرّم من الميتة والدم ولحم الخنزير، وكلّ ما حرم مما يغير العقل من الخمر للمضطر الذي لا يجد ما يسد رمقه من طعام أو شراب، وبلغ منه الجوع والعطش ما يخاف منه الموت أو المرض، وذلك بقدر ما ينقذ به نفسه، وليس له أن يأكل ويشرب حتى الشبع والتلذذ بذلك. 75
وفي آية أخرى يبين الله عز وجل المزيد من الخبائث المحرمة على العبد.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ) [المائدة: 3] .
فزادت هذه الآية عن سابقتها عدة محرمات سبق الحديث عنها وهي:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بمكة عام الفتح: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه) 76.
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 145] .
وقال تعالى: (? ? ? ژ) [الأعراف: 157] .
لقد دلت هذه الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، فإن الطيبات هي المحللات، فقد وصفها بالطيب، لأنها لفظة تتضمن مدحًا وتشريفًا، وعلى هذا تكون الخبائث هي المحرمات.
وعلى هذا حلل الإمام مالك المتقذرات: كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها.
ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها، لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل المحرمات بالشرع وفي المتقذرات، فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى الخبائث لفظًا عامًّا في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات 77.
وهذا هو الراجح عندي والذي تأنس له الفطرة السليمة والنفس الطيبة حيث إن الطيبات ما تقبل به النفس، أما الحشرات والزواحف مما لا تستسيغه الطباع البشرية.
فإن ما استخبثه الناس من الحيوانات لا لعلة ولا لعدم اعتياد بل لمجرد استخباث فهو حرام، وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالأكثر كحشرات الأرض وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها، فإن تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها مستخبثة فتندرج تحت قوله سبحانه: (ژ) .
فقد أباح الله لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث والمضرات، ولقد كرم الله بني آدم بكرامات كثيرة، أهمها العقل؛ لكن نجد الكثير من الناس من يجني على هذا العقل بشرب الخمور والمسكرات 78.
ولنا هنا حديث عن محرم آخر وهو الخمر، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 90] ، إن الله سبحانه وتعالى قد وصف الخمر بأنه رجس فعلم أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات 79.
وإنما حرم علينا سبحانه وتعالى هذه الخبائث:
ويقاس على ذلك العديد من الأطعمة والأشربة التي حرمها العلماء بالإجماع قياسًا عما ذكره الله جل جلاله من تحريم المخدرات والدخان وبعض الأدوية المذهبة للعقل واعتبارها من الخبائث.
فإن الخبيث غير مستطاب، فصارت هذه الآية الكريمة نصًّا فيما يحل ويحرم من الأطعمة، فحري بنا نحن المسلمين أن نتحرى المال الطيب الحلال، والرزق السليم النافع، ونحذر أشد الحذر من الأموال الخبيثة والمكاسب المحرمة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن الحلال أم من حرام) 80.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:(? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ) [المؤمنون: 51] ، وقال: (چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ) [البقرة: 172] ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟) 81.
إن الله عز وجل خلق كل شيء بقدر وبتناسق يأخذ الألباب، فجعل لكل شيء ما يناسبه فجعل الطيب لما يناسبه، وجعل للخبيث ما يناسبه، قال تعالى: (? ? ? ) [النور: 26] ، جاء في معنى هذه الآية أقوال:
الأول: إن الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيبات من الكلم للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيّبات من الكلم.
الثاني: إن معناه الخبيثات من السيّئات للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من السيّئات، والطيّبات من الحسنات للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الحسنات.
الثالث: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء 82.
وبما أن سياق السورة هو سياق الحديث عن الزواني والمحصنات، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن الأجواء التي تتحرك في دائرة العلاقات الزوجية التي يتحكم فيها الانسجام الأخلاقي بين الزوجين، ما يجعل من مسألة التوافق الروحي والإيماني عنصرًا حيويًّا في المسألة، نستطيع القول بأن المراد بالكلمتين هو المعنى الثالث المراد من الطيبين والخبيثين، ويؤكد ذلك طبيعة المقابلة بين الكلمتين 83.
ولكن قد يشكل فهم الآية على البعض، فهل هو على تقرير الواقع بحيث يكون المعنى أن واقع العلاقات الزوجية أو ما يشبهها، هو الانسجام بين الزوجين في الخبث والطيبة؟
ولكن هذا غير واقعي، لأن كثيرًا من الطيبين والطيبات ابتلوا بزيجات خبيثة، كما أن كثيرًا من الخبيثات ارتبطن بعلاقة زوجية مع رجال طيبين.
أو هو تشريع للعلاقة الزوجية، حيث إنه لا بد للخبيثات من أن يتزوجن من الخبيثين، فلو تزوجن غيرهم، لكانت العلاقة غير شرعية، كما لن تكون هناك شرعية لزواج الطيب من الخبيثة أو الطيبة من الخبيث؟
الحقيقة أنه لا هذا ولا ذاك، فالمسألة جارية مجرى التناسب القائم على الاتفاق في العقيدة الطيّبة، والأخلاق والسلوك الطيبين، ما يجعل الطيبين مناسبين للّاتي يملكن المواصفات نفسها، وهو ما يجعل الانجذاب الروحي الذي يؤدي إلى العلاقة الشرعية الزوجية أمرًا طبيعيًّا، كما أن المواصفات المضادة تخلق التناسب بين الذين يتمتعون بهذه الصفات السلبيّة، وتجعل العلاقة طبيعية بينهم باعتبار أن كل شكلٍ لشكله ألف.
ومقصود الآية: إن زوجتم فزوّجوا الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة؛ ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق، حتى إن عيّر الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أن تردّ عليه، لا بدّ من وجود التكافؤ حتى في القباحة، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، أو الخبيث مع الطيبة؟ 84.
أراد الله عز وجل أن يوجهنا إلى أن نزوج فتياتنا الطيبات رجالًا طيبين، ويوجهنا أيضًا إلى أن نزوج شبابنا الطيبين فتيات طيبات، لكي يكون تناسبًا صحيحًا وسليمًا، فهذا توجيه أخلاقي اجتماعي، لهم في توجيهها هذا التوجيه الرائع، أي: ينبغي يا عبادي أن يكون الطيبون للطيبات والخبيثون للخبيثات.
وليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من فاحشة الزنا، فلها خاصية في تعبيد القلب لغير الله، فإنهما من أعظم الخبائث، وكلما ازداد القلب خبثًا ازداد من الله بعدًا، قال تعالى: (? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ) [النور: 3] .
أي: إن الفاسق الفاجر الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة أو في مشركة مثلها، والفاسقة المستهترة لا يرغب في نكاحها الصالحون من الرجال، بل ينفرون منها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة، ولقد قالوا في أمثالهم: إن الطيور على أشكالها تقع 85.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) 86.
ولا شك أن هذا حكم الأعم الأغلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقى، وقد يفعل الخير من ليس بتقى، فكذا هذا، فإن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة، والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف.
قال الألوسي رحمه الله «تقبيح لأمر الزاني أشد تقبيح، ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق أن ينكح العفيفة المؤمنة، والزانية بعد أن رضيت بالزنا لا يليق أن ينكحها إلا من هو مثلها وهو الزاني، أو من أشد حالًا منها وهو المشرك، فأما المسلم العفيف فأسد غيرته يأبى ورود جفرتها» 87.
إن نكاح المؤمن المتّسم بالصلاح الزانية، ورغبته فيها واندماجه في سلك الفسقة المشهورين بالزنا محرم عليه، لما فيه من التشبه بالفسّاق ومن حضور مواضع الفسق والفجور التي قد تسبب له سوء القالة واغتياب الناس له، وكم في مجالسة الفساق من التعرض لاقتراف الآثام، فما بالك بمزاوجة الزواني والفجار 88.
وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: «فهذا سبب طهر الأنسال أن يحرّم الله سبحانه وتعالى الزنا، فيأتي الخليفة طاهر النسل والعنصر، محضونًا بأب وأم، مضمومًا بدفء العائلة، لا يتحملون عليه نسمة الهواء؛ لأنه جاء من وعاء طيب طاهر نظيف» 89.
إذن فهناك تناسب طبيعي قدره الله عز وجل في هذه الحياة كي تسير وفق منظومة صحيحة لا اعوجاج فيها، غير أن البعض يأبي إلا الخروج عن المألوف والطعن في طبيعة سير الأمور فيتسببون بالفساد والخراب وانتشار الرذيلة في المجتمع المسلم.
إن اللّه سبحانه وتعالى يضرب الأمثال لعباده في العديد من آياته في كتابه العزيز، وأمر بالاستماع إليها ودعا عباده إلى تعقلها، والتفكير فيها، والاعتبار منها.
وضرب الله عز وجل المثل للخبيث فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?س ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ?. ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [إبراهيم: 24 - 26] .
هذان مثلان ضربهما الله تعالى للكلمة الطيبة، والكلمة الخبيثة، مثل الأولى بشجرة طيبة، ومثل الثانية بشجرة خبيثة، فلما ذكر مثل أعمال الكفار، وأخبر أنها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وشرح أحوال الأمة الطيبة، وأحوال الفرقة الخبيثة، ذكر مثلًا يبين الحال في حكم هذين القسمين، ويصور سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة 90.
ويضرب الله سبحانه وتعالى هذا المثل ليصوّر للناس سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة بالشجرة الطيبة، والشجرة الخبيثة.
فالكلمة الطيبة هي كلمة الحق، وهى أساس الوجود، ولا تستطيع قوى البغي والطغيان أن تقضى عليها، أو هي كلمة التوحيد، فهي كالشجرة الطيبة، ثابتة، مثمرة، متعالىة، فبذورها تنبت في تلك التربة الخصبة، وكذلك الكلمة الطيبة تثبت في النفوس الطيبة، كالنخلة، وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
وأما الكلمة الخبيثة، فهي على النقيض من ذلك، هي كلمة الشرك والباطل التي تعمل على إفساد الحياة، وفي نشر بذور الشر في كل مكان، وفي كل نفس، وهي كالشجرة الخبيثة التي قد تتشابك أغصانها، وتتعالى فروعها، ولكنها لا تثمر إلا ثمرًا مرًّا، ولا تعطي فائدة، كشجرة الحنظل، ونحوها، وفي نفس الوقت لا تتحمل أية هزة، فلا قرار لها ولا بقاء 91.
ووصف الشجرة الخبيثة، التي شبه بها الكلمة الخبيثة في صفتها بثلاث صفات:
الأولى: أنها خبيثة، وذلك يحتمل أن يكون بحسب الرائحة، وأن يكون بحسب الطعم، وأن يكون بحسب الصورة والمنظر، واشتمالها على المضار الكثيرة.