والعجيب أن نوحا عليه السلام عبر عن غير الراكبين معه بالكافرين إشارة إلى أن سبب عدم ركوبهم هو عدم إيمانهم بنوح، وعدم ثقتهم في أوامر الله تعالى، فكأنه كما انقسم الناس في أمره إلى أهل حق وأهل باطل انقسموا في النهاية إلى ناجين ومغرقين بل مؤمنين وكافرين وكأن النجاة الأولى مقدمة للنجاة في الآخرة، والهلاك في الأولى مقدمة للهلاك في الآخرة، ولعل هذا من أسرار تعبريه عليه السلام عنهم بـ (الكافرين) .
كما تلمح من الآيات الكريمة أن من تمام نعمة الله تعالى على المؤمنين معه أن أهلك عدوهم، وتكرر هذا في آيات متعددة، فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ?) [الأعراف:64] .
(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) [يونس:73] .
ومعية هود عليه السلام واضح منها أنها معية له بعد الإيمان به؛ لأنه في هذه المراحل الصعبة من عمر الدعوات لا يتبع الأنبياء إلا أولو العزائم، فهي فترات ابتلاء واختبار، ويبدو في الآيات الكريمة التي تحدثت عن معية هود عليه السلام أمور منها: التأكيد أن الإيمان والمعية هما سبب النجاة، ولذا ورد في الآيتين اللتين تحدثتا عن معية هود الربط بين المعية والإيمان، كما ورد أيضا النص على هلاك عدوهم، بل قطع دابرهم، وفي ذلك شفاء لصدور المؤمنين، وإراحة لنفوسهم.
وفي حق صالح عليه السلام ما زال التأكيد أن المعية والإيمان سبب النجاة والعصمة، فقد ورد التلازم بين الإيمان والمعية كذلك، فقال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) [هود:66] .
فما زالت البشرية في عهد بناء الجماعة المؤمنة، وفي الآية بيان أنَّ سبب النجاة الإيمان والمعية.
وفي حق شعيب عليه السلام يستمر الأمر على تباعد الزمان والمكان، بل تتضح تلازمية النصر بالمؤمنين من خلال معرفة الكافرين بهذا، فلم يقتصر التهديد هنا لشعيب فقط بل هو والذين معه، وهنا (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) [الأعراف:88] .
بل تبدو سنة من سنن الله تعالى في الدعوات وأصحابها إلى الإخراج والإبعاد، وهي سنة تتكرر شأن السنن الماضية؛ فقد هددوا شعيبًا والذين آمنوا معه بالطرد والإبعاد حتى يعودوا في ملتهم مرة أخرى، والزمن يعيد نفسه وسننة الماضية، والجواب من الو الجواب على تراخي الزمن وتباعد المكان: (أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ(88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ? وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ? وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ? عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ? رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89 ) ) [الأعراف:88 - 89] .
ويستمر الجواب على نفس السؤال حتى يقضي الله بالحق وينتصر الصدق ورسالة الإسلام.
إن الناقمين اليوم في أعصارنا التي نشهدها على المسلمين ليسوا ناقمين إلا لأنهم أصحاب دين وأرباب رسالة، تتغلل إلى نفوس الناس وتتلطف إلى قلوبهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وتستمر النماذج الرائدة في المعية مع الأنبياء والمرسلين على تباعد المكان وتطاول الزمان، فنصل إلى إبراهيم عليه السلام، وتستمر آيات المعية في التأكيد على أهمية الأمة الجديدة وضرورة صلابتها في مقارعة الباطل ومنازلة الشرك إلى آخر مدى، ويبدو من الآية الكريمة مصارعة الذين آمنوا للكافرين مصارعة فكرية واضحة بان فيها إعلان البراءة منهم، وكفرهم بهم، وبدو العداوة والبغضاء أبدًا حتى يؤمنوا بالله وحده، وهذه نقلة في الخطاب لم تكن من قبل، تبدو فيها المفاصلة والمباينة حتى يظهر معنى الولاء والبراء، ثم الالتجاء إلى الله تعالى والتوكل عليه والإنابة إليه، والوعي العملي بأن الكل صائر إليه.
فيقولون في وضوح وشموخ: (ے إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى? تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ? رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ?4?) [الممتحنة:4] .
ولأمر حكيم صُدِّرَت الآية بندب المؤمنين إلى التأسي بهذه الصفات التي لا بد منها في مقارع، ثم كرر القرآن الكريم لفت أنظار المؤمنين إلى هذه الأسوة الحسنة بعد آية واحدة فقال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ? وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ?6? [الممتحنة:6] .
ومن جمع الآيات التي تتحدث عن معية موسى عليه السلام يمكننا أن نستبين بعض المفاهيم منها:
••المعية أمر من الله من بداية الدعوة.
إن المعية كانت من بداية الدعوة، وهي معية هارون أخيه له.
قال تعالى: (حَقِيقٌ عَلَى? أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(105 ) ) [الأعراف:105] .
وهذا مبني على أن الأمر بالمعية كان من بداية الدعوة: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?16?أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ?17?) [الشعراء:16 - 17] .
فالإرسال (مقيد بالمعية في الآيات جميعا، وليس مجرد إرسال مطلق يتحرر به بنو إسرائيل من بطش فرعون فقط، وإنما هو دخول في معية الجماعة المسلمة الجديدة، التي تتميز بها عن معية فرعون وقومه) 64.
••معية موسى وموقف أتباع فرعون منها.
وهذه المعية كما كانت أمرًا من بداية الدعوة، وطلبا من موسى وهارون لفرعون حين طلبًا أن يرسل معهم بني إسرائيل، أدركها أتباع فرعون حين أرادوا وأد الدعوة من البداية، فاطيروا بها وبه وبهم فكانوا كما وصف القرآن الكريم: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَ?ذِهِ ? وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى? وَمَنْ مَعَهُ ? أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف:131] .
وكذلك كانت نظرة أتباع فرعون إلى موسى وهارون وقومهما حين ظهرت دعوتهم، وبدأ الناس يقتنعون بها، كما وصف القرآن الكريم: (فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ? وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر:25] .
لقد طلبوا قتل أبناء المؤمنين، ووصفوهم بالمعية والإيمان.
••استنقاذ بني اسرائيل من فرعون.
كما كانت المعية واضحة في نجاة هؤلاء المؤمنين، (وَأَنجَيْنَا مُوسَى? وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ) [الشعراء:65] .
والمعنى: (وأنجينا موسى مما أتبعنا به فرعون وقومه من الغرق في البحر ومن مع موسى من بني إسرائيل أجمعين) 65.
وإذا انتقلنا إلى الحديث عن معية داود وسليمان عليهما السلام بان لنا عدد من الملامح - من خلال رصد الآيات الكريمة الخاصة بمعيتهم منها:
••المعية هنا ليست معية البشر فقط.
••أن الآيات الكريمة التي تحدثت عنهم لم تتحدث عن معيتهم للبشر، فقد كانا ملكين، ومعية الناس لهم ليست مستغربة ولا منكرة وهم لم يكونا بحاجة إلى دعوة الناس إلى معيتهم، بل ظهرت معية أشياء أخرى مثل معية الجبال والطير، كما قال تعالى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ?18?وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ? كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ?19?) [ص:18 - 19] . وكما قال سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ? يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ? وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) [سبأ:10] .
كما نصت الآيات على معية بلقيس ملكة سبأ وقومها، وهم من كانوا (مظنة امتناع عن معية سليمان؛ لما كان لهم من دولة وقوة وجيش وحضارة وغنى وسلطان، فأثبت القرآن هذه المعية على لسان الملكة نفسها حين قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [النمل:44] .
وأما نبي الله عيسى عليه السلام فلأنه لم يكن مؤسسا لأمة جديدة، بل متمما ما بدأه أخوه موسى عليه السلام ـ فإن الحديث عن معيته قد ورد على لسان الحواريين كما قال تعالى: (?فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى? مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ? قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ?52?رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ?53?) [آل عمران:52 - 53] .
أي: (نحن أنصار الله ومن ينصر الرسول فقد نصر الله(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ?) [النساء:80] .
نحن أنصار الله آمنا به إيمانًا صادقًا واتبعنا رسله واشهد بأنا مسلمون؛ إذ الإسلام في جوهره لا يختلف فيه دين عن دين.
ربنا آمنا وصدقنا بما أنزلت في كتابك واتبعنا الرسول عيسى ابن مريم، فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك بالصدق) 66.
وإذا انتقلنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبيان المعية في حقه فاجأنا أن آيات المعية في حقه هي أكثر المواطن ورودًا في القرآن الكريم، وأكثرها تفصيلًا بين خاص وعام، والخاص فيه تفصيلات دقيقة يأتي بيانها، لكن الإشارة الواضحة هنا في الآيات أنه كما أن الأمة الخاتمة تحتاج إلى جهد في تأسيسها وبنائها فهي كذلك، وبهذا القدر تحتاج إلى طول معية وصحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، في حياته لشخص، وبعد وفاته لسنته ومنهاجه، وكلما اقتربت الأمة من سنته ودخلت في معيته كلما اقتربت من النجاة والفلاح، والعز والنجاح، وكلما ابتعدت عن منهاجه كلما ضلت سبيلها وتنكبت طريقها.
قال تعالى: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) } [التوبة:88] .
فربط الله تعالى حصولهم على الخيرات والفلاح بالإيمان والمعية والجهاد بالأموال والأنفس.
وإذا حصرنا الآيات التي تناولت تلك المعية المباركة وجدنا أنها سارت في محورين رئيسين، محور عام وآخر خاص.
فالمعية العامة هي التي تناولت أمور الدين والرسالة جملة، وفيها حديث إلى المدعوين عامة من مثل: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) } [الملك:28] .
وقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) } [الأنبياء:24] .
وقد كانت هذه المعية واضحة وظاهرة حتى في أذهان المشركين إذ قالوا: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص:57] .
والمعية الخاصة وهي التي بدا فيها معيته صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، وتنوعت هذه المعية وكثرت صورها فمرة تكون في الجهاد، كقوله تعالى: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) } [التوبة:88] .
ومرة في عتاب المنافقين المخلفين عن الجهاد كقوله: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) } [التوبة:86] .
ولذا أرشده الله تعالى إلى حرمانهم من هذه المعية، فقال: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) } [التوبة:83] .
ومرة في صلاة الخوف كقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء:102] .
ومرة تكون في الهجرة، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} [الأحزاب:50] .
ومرة في تعليم المؤمنين منهجية التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم وعدم تركه إلا بإذن، تربية لهم على أخلاق المدنية، وأخذًا بأيديهم إلى طرق الدولة، وسلوك الأمم والحضارات، فيقول سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) } [النور:62] .
للمعية أثر لا ينكر، وفضل لا يخفى، فمعية الله سر النجاح ولب الفلاح، ومدار الهداية والتوفيق، والنصر والتأييد، والحفظ والرعاية والحياطة والعناية، فمن كان الله معه فمن يكون عليه، ومن كان الله عليه فمن يكون معه.
وقد قال قتادة: «من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل» 67.
ومن آثار المعية ما يأتي:
أولًا: المراقبة:
المراقبة من أهم آثار المعية، سواء كانت المراقبة من قبل العبد لربه أم من الله تعالى لعبده، وإن كان الأغلب فيها مراقبة العبد لربه ونظره له ومشاهدته إياه في أعماله وسلوكه، والمقصود من المراقبة: (استدامة علم العبد باطلاع الرب عليه في جميع أحواله) 68.
وهو حين يتحقق بهذه الصفة ويتحلى بهذا الخلق، يصل إلى معاني تملأ عليه نفسه بالخير والرضا واليقين والثبات، فهو في معية الله تعالى يشعر بمراقبة الله له فيجله عن أن يراه على غير ما يرضيه، أو يتفقده فيما يرضيه، وهذا المعنى هو الوارد في حديث الإيمان، إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل حينما سأله عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) 69.
وقد غرست آيات المعية الواردة في القرآن الكريم هذا المعنى في نفوس المؤمنين بصور شتى، وألوان متعددة، ومن هذه الآيات الكريمة قوله تعالى لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) } [طه:43 - 46] .
أي: إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي فلا تخافا منه، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى علي من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي 70.
وفي هذا طمأنة لهما بأن فرعون ليس بالذي يصل إلى قتلهما حتى يبلغا الرسالة. وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما وأنه متولٍّ لحفظهما وكلاءتهما 71.
وقال ابن عباس في معنى الآية الكريمة: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه 72.
ولذا قال موسى عليه السلام: الآن لا أبالى بعدما أنت معي 73.
قال: {لَا تَخَافَا} أي: من فرطه وطغيانه {إِنَّنِي مَعَكُمَا} أي: بالحفظ والنصرة {أَسْمَعُ وَأَرَى} أي: ما يجري بينكما وبينه. فأرعاكما بالحفظ 74.
وقد دل الله تعالى عباده على تصور هذه المعية من خلال تعريفهم أن عليهم حافظين، كراما كاتبين، فليكرموهم وليراقبوا أنفسهم في ضوء معرفة هؤلاء الكرام بهم.
ولذا قال صاحب لطائف الإشارات: (حشمتهم من اطلاع الحق، ولو علموا ذلك حق العلم لكان توقيهم عن المخالفات لرؤيته- سبحانه، واستحياؤهم من اطلاعه- أتم من رؤية الملائكة) 75.
ثانيًا: النصر والتأييد:
ومن آثار المعية نصر الله تعالى لعبده الذي يكون في معيته، وتأييده له، وقد نصت آيات القرآن الكريم على هذا الأثر من آثار المعية النصر والتأييد، فالله تعالى يمد عبيده بنصره ويؤيدهم به، ومن هنا دعاهم إلى عدم الهوان أو التفريط والتسليم والتنازل والتخاذل، فهم أولو المعية وأصحاب نصر الله وتأييده.
قال تعالى آمرًا عباده بمراعاة أثر هذه المعية من النصر والتأييد: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) } [محمد:35] .
والمعنى: (أنتم الأعلون بالنصرة. وهو تعالى معكم بالحفظ، والمعونة) 76.
والتأييد والتسديد، ومن كان الله معه بنصره فمن يغلبه، ومن كان معه بتأييده فمن يعلوه، ومن كان معه بتسديده فمن يصرفه عن طريق الهدى، أو يشغب على منهاجه المستقيم؟
إن في ذلك لكل من غلب على حقه، وأوذي في الله أن يستصحب معية الله ويتحقق بها، ففيها بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء، وقد قال تعالى في الآية نفسها: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} ، أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا 77.
وشعورهم بأن الله معهم، بالعون، والنصر، والتأييد، موجب لقوة قلوبهم، وإقدامهم على عدوهم 78.
ولذلك رأينا رؤوس المصلحين والدعاة الصادقين على تباعد المكان وتطاول الزمان في أتون المحنة يهشون للعطاء ويستروحون نسائم المنح، فنسمع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في محنته يقول: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا 79.
ونسمع تلميذه ابن القيم ينقل عنه قوله: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه 80.
وفي اشتداد الصراع بين الحق والباطل، وهو سنة من سنن الله الجارية، والتي لا تتبدل ولا تتحول ينبههم سبحانه على معيته لهم المقتضية للنصر والعون والتأييد والتسديد، فيقول: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36] .
وفي حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل وسنة من سنن الله تعالى فيها يبين عز وجل أن معيته ونصره وتأييده مع عباده الصابرين فيقول: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } [البقرة:249] .
وهذا إعلام منه تعالى ذكره عباده المؤمنين به أن بيده النصر والظفر والخير والشر 81.
وأن هذا النصر ليس بهم بل بإذن الله، بمشيئته وعونه ونصرته، والله مع الصابرين بالنصرة والتأييد والقوة والمعونة 82.
وأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله، فوقعت موعظته في قلوبهم وأثرت معهم 83.
وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم، ومنه في مقام دفع الكفار والحملة عليهم يرد قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) } [التوبة:123] .
وقد قال بعض الصحابة: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم وأهلها هم المجدون في طرق الحق، فوعد تعالى أنه مع أهل التقوى ومن كان الله معه فلن يغلب 84.
ومن روائع صاحب المنار وبدائعه أن يربط معنى التقوى لله تعالى بالسنن فيرى أن تقواه تعني أيضا مراعاته في أحكامه وسننه، حتى يستجلب نصره وتستدعى معونته، فيرى أن المتقين هنا هم المتقون له في مراعاة أحكامه وسننه بالمعونة والنصر، وأهمها ما يجب اتقاؤه في الحرب، من التقصير في أسباب النصر والغلب التي بينها في كتابه، والتي تعرف بالعلم والتجارب، كإعداد ما يستطاع من قوة، والصبر والثبات، والطاعة والنظام، وترك التنازع والاختلاف، وكثرة ذكر الله، والتوكل عليه فيما وراء الأسباب 85.