والسعادة الدنيوية ثلاثة أضرب: سعادة نفسية وبدنية وخارجية، ولا يمكن أن تتحقق السعادة النفسية التي هي أهم السعادات إلا بتحقق الأمن والطمأنينة والسكينة في النفس الإنسانية 124.
خامسًا: انشراح الصدر:
قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) } [الأنعام:125] .
وقال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) } [الشرح:1] .
انشراح الصدر نعمة عظيمة ومظهر من مظاهر سعادة المسلم في هذه الحياة، وقد منّ الله على حبيبه محمد بهذه النعمة العظيمة في قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} لهذه الدعوة ونيسر لك أمرها، ونجعلها حبيبةً لقلبك، ونشرع لك طريقها، وننر لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة، ألم نفتح ونوسع ونلن لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة 125.
فتش في صدرك، ألا تجد فيه الروح والانشراح والإشراق والنور؟ واستعد في حسك مذاق هذا العطاء وقل: ألا تجد معه المتعة مع كل مشقة والراحة مع كل تعب، واليسر مع كل عسر، والرضى مع كل حرمان 126.
قال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر:22] .
والله يشرح للإسلام قلوبًا يعلم فيها الخير، ويصلها بنوره فتشرق به وتستضيء.
يقول سيد قطب: «وهذه الآية تصور حقيقة القلوب التي تتلقى الإسلام فتنشرح له، وتندى به، وتصور حالها مع الله حال الانشراح والتفتح والنداوة والبشاشة والإشراق والاستنارة ... ومن يشرح الله صدره للإسلام ويمد له من نوره، ليس قطعًا كالقاسية قلوبهم من ذكر الله وشتان شتان بين هؤلاء وهؤلاء» 127.
هذا غيض من فيض من مظاهر سعادة المؤمن الذي أخذ بأسباب السعادة سابقة الذكر، وهو من باب الإشارة إلى ذلك ولا سبيل لحصر مظاهر السعادة في الحياة الدنيا، ولعل من أهمها بعد ما ذكر الحب في الله والثبات في الحياة والممات، والسعادة الزوجية القائمة على إرضاء الله، والسكينة وراحة البال والأنس بالله والقناعة وغيرها.
للسعادة في الدار الآخرة أشكال وألوان، وصور ومظاهر متعددة، يتقلب السعيد فيها من صورة إلى أخرى ومن مظهر لآخر.
إنها سعادة كاملة لا يشوبها نقص، ولا يعكر صفوها كدر، وما ذكره القرآن الكريم وما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم يحير العقل ويذهله، لأن العقل يعجز عن إدراك واستيعاب وتصور ذلك النعيم 128.
والحقيقة التي لا مراء فيها ولا جدال، أنه لا وجه أبدًا للمقارنة بين متاع الدنيا وإن كان حاصلًا وواقعًا مشهودًا، وبين نعيم الجنة الموعود.
فنعيم الجنة خير وأفضل، وقد أطال القرآن في بيان فضل الآخرة وذم الدنيا، وذلك حتى يشمّر المشمّرون، ويجتهد العابدون.
قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء:77] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) } [التوبة:38] .
فنعيم الجنة كثير لا ينفد ولا ينقطع، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غدوةٌ في سبيل اللّه أو روحةٌ خيرٌ من الدّنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قدمٍ من الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها) 129.
وسنتحدث في النقاط الآتية عن السعادة الحقيقية الخالدة التي تصبو إليها النفوس وتتشوف إليها العقول والقلوب.
أولًا: الزحزحة عن النار:
قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) } [آل عمران:185] .
يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } [الرحمن:26 - 27] .
فالجميع ميت، الجن والإنس والملائكة وحملة العرش، فإذا شاء الله أقام القيامة، وجازى الخلائق بأعمالها، جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدٌ مثقال ذرة {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} أي: من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز 130.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ موضع سوطٍ في الجنّة لخيرٌ من الدّنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ 131.
إن النجاة من النار في حكم الله وتقديره هي الفلاح العظيم والفوز الكبير والنجاة العظمى 132، والتي تبدو تباشيرها عند حضور ملك الموت 133.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه) ، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنّا لنكره الموت، قال: (ليس ذاك ولكنّ المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان اللّه وكرامته، فليس شيءٌ أحبّ إليه ممّا أمامه فأحبّ لقاء اللّه وأحبّ اللّه لقاءه، وإنّ الكافر إذا حضر بشّر بعذاب اللّه وعقوبته فليس شيءٌ أكره إليه ممّا أمامه كره لقاء اللّه وكره اللّه لقاءه) 134.
ثانيًا: نزع الغل من الصدور:
قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} [الأعراف:43] .
وقال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) } [الحجر:47] .
أي: نزعنا ما في صدورهم من حقد وحسد وضغينة، فبعد أن يجتاز المؤمنون النار ويزحزحون عنها، يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار ثم يهذبون وينقون وذلك بأن يقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهارًا أبرارًا.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النّار فيحبسون على قنطرةٍ بين الجنّة والنّار فيقصّ لبعضهم من بعضٍ مظالم كانت بينهم في الدّنيا حتّى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنّة فوالّذي نفس محمّدٍ بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنّة منه بمنزله كان في الدّنيا) 135
وقال ابن عباس: «إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبدًا» 136.
أما الفخر الرازي فيقول في قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} : «اعلم أن نزع الشيء قلعه من مكانه، والغل: الحقد الذي يدخل بلطفه إلى صميم القلب فيكون لهذه الآية تأويلان:
الأول: أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا فيكون المعنى: تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب، لأن الشيطان في العذاب فليس له سبيل لإلقاء الوساوس في القلوب.
والقول الثاني: أن المراد أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن أصحاب الدرجة النازلة لا يحسدون أصحاب الدرجة الكاملة» 137.
ثالثًا: تسليم الملائكة على أهل السعادة والترحيب بهم:
قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) } [الرعد:23 - 24] .
وقال تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) } [النحل:32] .
وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) } [الزمر:73] .
هذه الآيات الكريمة تعرض لمظهر عظيم من مظاهر سعادة أولئك السعداء، أولئك في مقامهم العالي لهم عقبى الدار: جنات عدن للإقامة والقرار، تشارك الملائكة فيه بالتأهيل والترحيب والتكريم في حركة رائحة غادية {يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} ، ويدعنا السياق نرى المشهد حاضرًا وكأنما نشهده، ونسمع الملائكة أطوافًا أطوافًا {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} فهو مهرجان حافل باللقاء والسلام والحركة الدائبة والإكرام 138.
هذا التسليم والتكريم لا يكون في الجنة فحسب؛ بل إنه يبدأ قبل ذلك بكثير، من يوم الاحتضار الذين تتوفاهم الملائكة طيبةً نفوسهم بلقاء الله، معافين من الكرب وعذاب الموت يقولون {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} طمأنةً لقلوبهم وترحيبًا بقدومهم {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} تعجيلًا لهم بالبشرى وهم على أعتاب الآخرة 139.
أخبر الله عن هؤلاء السعداء المتصفين بالصفات الحسنة بأن لهم جنات الإقامة يخلدون فيها مع أزواجهم وآبائهم وذرياتهم، والملائكة تدخل عليهم من ههنا وههنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام، والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام 140.
عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل تدرون أوّل من يدخل الجنّة من خلق اللّه؟) قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: (أوّل من يدخل الجنّة من خلق اللّه الفقراء والمهاجرون الّذين تسدّ بهم الثّغور، ويتّقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً فيقول اللّه عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيّوهم: فتقول الملائكة: نحن سكّان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلّم عليهم؟ قال: إنّهم كانوا عبادًا يعبدوني لا يشركون بي شيئًا وتسدّ بهم الثّغور ويتّقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كلّ بابٍ، سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار) 141.
وهذا الترحيب بعد قطعهم جسر جهنم وحبسهم على قنطرة للقصاص حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان عليه السلام وأصحابه: سلام عليكم 142.
رابعًا: ذهاب الهموم والأحزان ونسيان البؤس والآلام:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) } [فصلت:30] .
وقال تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف:49] .
وقال تعالى: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) } [الزمر:61] .
وقال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) } [فاطر:34] .
نعيم الجنة نعيم حقيقي مؤكد لا يشوبه كدر، تبشر به الملائكة عند الموت وفي القبر وعند البعث من القبور وعند دخول الجنة، تبشر به من سبقت له السعادة والفوز عند ربه، فلا همّ ولا غمٌّ ولا نقص ولا تغيير، آمنون من الفزع الأكبر ومن كل فزع وخوف 143.
وقد حكى سبحانه وتعالى عن حال أهل الجنة إذا دخلوها قولهم: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر:34] .
قال السعدي: «أسكنهم الدار التي تدوم فيها الإقامة والتي يرغب في المقام فيها لكثرة خيراتها وتوالي مسراتها، وزوال كدوراتها {لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر:35] .
أي: لا تعب في الأبدان ولا في القلب والقوى ولا في كثرة التمتع، وهذا يدل على أن الله تعالى يجعل أبدانهم في نشأة كاملة، ويهيئ لهم من أسباب الراحة على الدوام، ما يكونون بهذه الصفة بحيث لا يمسهم نصب ولا لغوب ولا هم يحزنون» 144. أراحهم مما كانوا يتخوفون ويحذرون من هموم الدنيا والآخرة 145.
وهذا المظهر العظيم من مظاهر سعادة المؤمن في الجنة عام في كل من دخل الجنة سواءً دخل النار قبلها، أو لم يدخل، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن غمسةً واحدةً في الجنة تنسي السعيد كل بؤس عاشه في الدنيا، فكيف بمن تكون الجنة مستقره وداره! ولا يبعد أن يشمل هذا البؤس الذي عاناه المسلم عندما كان في النار.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة فيصبغ في النّار صبغةً ثمّ يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قطّ؟ هل مرّ بك نعيمٌ قطّ؟ فيقول: لا واللّه يا ربّ، ويؤتى بأشدّ النّاس بؤسًا في الدّنيا من أهل الجنّة فيصبغ صبغةً في الجنّة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قطّ؟ هل مرّ بك شدّةٌ قطّ فيقول: لا واللّه يا ربّ ما مرّ بي بؤسٌ قطّ ولا رأيت شدّةً قطّ) 146.
فما أعظم هذا الفضل والمن! إنه من إله رحيم كريم!
خامسًا: الفوز بالجنة:
قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) } [الحشر:20] .
وقال تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) } [الصف:12] .
وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) } [الصافات:60 - 61] .
عند الحديث عن السعادة الحقيقة في الدار الآخرة لا يمكن الاستغناء عن صيغة أفعل التفضيل!! فهل حقًا هناك أعظم وأحسن من الفوز .. وأي فوز! إنه الفوز بالجنة! هل هناك أدنى وجه للمقارنة بين من كان من أهل النار، في الحميم والغساق وشجر الزقوم، وبين من سكن الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، شتان .. شتان!
يقول قطب عند تفسير قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} : لا يستويان طبيعةً وحالًا، ولا طريقًا ولا سلوكًا، ولا وجهًا ولا مصيرًا، فهما على مفرق طريقين لا يلتقيان أبدًا في طريق ولا في سمة ولا في خطّة، ولا يلتقيان أبدًا في سياسة ولا يلتقيان أبدًا في صف واحد في دنيا ولا في آخرة 147.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) } [الصف:10 - 12] .
وهذه الآيات تشير إلى تجارة رابحة وصفقة ناجحة مع رب العالمين، بل هي أربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة حتى حين يفقد هذه الحياة كلها، ثم يعوض عنها تلك الجنات وهذه المساكن في نعيم مقيم وحقًا {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 148.
ويحسن الإشارة هنا إلى أن الفوز بنعيم الجنة لا يستلزم ترك متاع الدنيا كما يظن الرهبان وكثير من العباد، الذين يشقون على أنفسهم، ويعذبون أجسادهم، ويعزفون عن العمل والزواج، وهذه فكرة خاطئة إذ من عظمة هذا الدين أن يجمع للمسلم خير الدنيا إلى الآخرة.
قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:32] .
سادسًا: الاشتغال بالملذات والتمتع بالمسرات:
قال تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) } [يس:55 - 56] .
قال ابن مسعود وابن عباس: «شغلهم افتضاض العذارى» ، وقال أبو قلابة: «بينما الرجل من أهل الجنة مع أهله إذ قيل له: تحوّل إلى أهلك فيقول: أنا مع أهلي مشغول، فيقال: تحول أيضًا إلى أهلك» ، وقيل: أصحاب الجنة في شغل بما هم فيه من اللذات والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي ومصيرهم وما هم فيه من أليم العذاب؛ وإن كان فيهم أقرباؤهم وأهلوهم. وقالوا {فِي شُغُلٍ} أي: في زيارة بعضهم بعضًا وقيل: في ضيافة الله تعالى، أو في نعيم معجبون به، {فَاكِهُونَ} أي: فرحون بسماع الأوتار مسرورون 149.
وقال ابن عباس: «إن الرجل من أهل الجنة ليعانق الحوراء سبعين سنة لا يملها ولا تمله، كلما أتاها وجدها بكرًا» 150.
يقول قطب: «إنهم مشغولون بما هم فيه من النعيم، ملتذون متفكهون وإنهم لفي ظلال مستطابة يستروحون نسيمها .. وعلى أرائك متكئين في راحة ونعيم هم وأزواجهم ولهم فوق اللذائذ التأهيل والتكريم {سَلَامٌ} يتلقونه من ربهم الكريم» 151.
لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون إذن؟ هل يجوعون؟ هل يعطشون؟. إذا كان أهل الجنة فيها خالدون، وكانت خاليةً من الآلام والأوجاع والأمراض لا جوع فيها ولا عطش ولا قاذورات ولا أوساخ، فلماذا يأكلون؟ 152.
أجاب القرطبي في التذكرة عن هذا السؤال قائلًا: «نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذات متوالية ونعم متتابعة ألا ترى قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) } [طه:118 - 119] .
وحكمة ذلك أن الله تعالى عرفهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله عز وجل» 153.
سابعًا: رؤية الله تعالى:
قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [القيامة:22 - 23] .
وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) } [يونس:26] .
قال المفسرون في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} : «فأما الذين أحسنوا الاعتقاد، وأحسنوا العمل، وأحسنوا معرفة الصراط المستقيم، وإدراك القانون الكوني المؤدي إلى دار الإسلام، فأما هؤلاء فلهم الحسنى جزاء ما أحسنوا، وعليها زيادة من فضل الله غير محدودة» 154.
عن صهيبٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال يقول اللّه تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنّة وتنجّنا من النّار؟ قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم عز وجل) ، وفي رواية ثمّ تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} 155.