فهرس الكتاب

الصفحة 1048 من 2431

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: «نأخذ بما يوافق ظاهر القرآن، فالله عز وجل يقول: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} وهو خالقهما وهو يعلم ماذا يخرج منهما، فإذا كانت الآية ظاهرها أن اللؤلؤ يخرج منهما جميعًا وجب الأخذ بظاهرها، لكن لا شك أن اللؤلؤ من الماء المالح أكثر وأطيب، لكن لا يمنع أن نقول بظاهر الآية، بل يتعين أن نقول بظاهر الآية.

وهذه قاعدة في القرآن والسنة: إننا نحمل الشيء على ظاهره، ولا نؤول، اللهم إلا لضرورة، فإذا كان هناك ضرورة، فلابد أن نتمشى على ما تقتضيه الضرورة، أما بغير ضرورة فيجب أن نحمل القرآن والسنة على ظاهرهما» 86.

أما العلم الحديث فإن الموسوعات العلمية تؤكد استخراج الحلي من الأنهار والمياه العذبة 87، ففي تعليق علمي على قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} : قد يستبعد بعض الناس أن تكون المياه العذبة مصدرًا للحلي، ولكن العلم والواقع أثبتا غير ذلك، أما اللؤلؤ فإنه كما يستخرج من أنواع معينة من البحر، يستخرج أيضًا من أنواع معينة أخرى من الأنهار، فتوجد اللآلئ في المياه العذبة في إنجلترا وأسكتلندا وويلز وتشيكوسلوفاكيا واليابان وغيرها، بالإضافة إلى مصايد اللؤلؤ البحرية المشهورة. ويدخل في ذلك ما تحمله المياه العذبة من المعادن العالية الصلادة، كالماس الذي يستخرج من رواسب الأنهار الجافة المعروفة باليرقة. ويوجد الياقوت كذلك في الرواسب النهرية في موجوك بالقرب من بانالاس في بورما العليا. أما في سيام وفي سيلان فيوجد الياقوت غالبًا في الرواسب النهرية. ومن الأحجار شبه الكريمة التي تستعمل في الزينة حجر التوباز، ويوجد في الرواسب النهرية في مواقع كثيرةٍ ومنتشرةٍ في البرازيل وروسيا (الأورال وسيبريا) ، وهو فلورسيليكات الألمونيوم، ويغلب أن يكون أصفر أو بنيًا 88.

وروي عن الزجاج أنه قال: «إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا لا من كل واحد منهما على انفراده» 89.

والحلية لها منافع كثيرة، والذي ورد في الآية: اللبس، وهو تنيبه على غاية الحلية 90.

واللباس: اسم لما يلبس، وقوله: {تَلْبَسُونَهَا} : تلبسون كل شيء منها بحسبه، كالخاتم في الأصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق والخلخال في الرجل، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف والدرع ونحوهما 91.

قال ابن عاشور: «واللباس: اسم لما يلبسه الإنسان، أي يستر به جزءًا من جسده، فالقميص لباس، والإزار لباس، والعمامة لباس، ويقال: لبس التاج، ولبس الخاتم» 92.

ثالثًا: التجارة لطلب الرزق:

من نعم الله على الإنسان: أن كرمه وحمله في البر والبحر، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .

وركوب الإنسان البحر متعدد المقاصد، منها التجارة، وطلب الرزق، كما يذكر المفسرون في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] .

قال الطبري: «وقوله: {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} يقول -تعالى ذكره-: ولتتصرفوا في طلب معايشكم بالتجارة» 93، وبنحوه قال الثعلبي 94، وقال السمرقندي: «لكي تطلبوا رزقه، حين تركبون السفينة للتجارة» 95، وقال الزمخشري: «قوله: {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} يريد تجارة البحر» 96.

وقد ذكر الله تعالى في قصة موسى والخضر عليهما السلام، قصة القوم المساكين الذين يعملون في البحر، قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79] .

قال السمرقندي: «قوله: {يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} : أي يؤاجرون في البحر ويكسبون قوتهم» 97.

فائدة: استدل الإمام الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين 98.

وقد ذكر البخاري: «باب التجارة في البحر» 99، وكان تميم الداري رضي الله عنه عظيم التجارة في البحر.

رابعًا: ركوبه للحج والغزو والعلم:

قال البغوي في قوله تعالى: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} «قوله: {بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} ، يعني: بما ينفع الناس من ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب» 100.

ذكر مالك رحمه الله أن عمر بن الخطاب كان يمنع الناس من ركوب البحر، فلم يركبه أحد طوال حياته، فلما مات استأذن معاوية عثمان بن عفان في ركوبه فأذن له، فلم يزل يركب حتى كان أيام عمر بن العزيز رحمه الله فمنع الناس من ركوبه، ثم ركب بعده حتى الآن.

وقال ابن عبد البر: «وهذا إنما كان من عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما ما في التجارة وطلب الدنيا، والله أعلم» 101.

وعن ابن عمر: «أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث: غازٍ، أو حاج، أو معتمر» 102.

وفي حديث أبي هريرة: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) 103.

قال ابن عبد البر: «وفي حديث هذا الباب من الفقه: إباحة ركوب البحر؛ لأنه لو كرهه لنهى عنه الذين قالوا: إنا نركب البحر، وقولهم هذا يدل على أنهم كثيرًا ما كانوا يركبون البحر لطلب الرزق من أنواع التجارة وغيرها وللجهاد وسائر ما فيه إباحة أو فضيلة، والله أعلم، فلم ينههم عن ركوبه» 104.

وقال الجصاص في قوله تعالى: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [البقرة: 164] : «دلالة على إباحة ركوب البحر غازيًا وتاجرًا ومبتغيًا لسائر المنافع؛ إذ لم يخص ضربًا من المنافع دون غيره» 105.

وقد امتن الله على عباده بجريان الفلك في البحر.

قال تعالى: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [الإسراء: 66] .

قال ابن عاشور: «وفي امتنان الله تعالى بجريان الفلك في البحر دليل على جواز ركوب البحر من غير ضرورة، مثل: ركوبه للغزو والحج والتجارة» 106.

عقد البخاري في صحيحه: «باب ركوب البحر» ، وبوب الإمام مسلم في صحيحه: «باب فضل الغزو في البحر» ثم ساقا حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم حرامٍ بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرامٍ تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فأطعمته، ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (ناسٌ من أمتي عرضوا علي، غزاةً في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكًا على الأسرة) ، أو (مثل الملوك على الأسرة) -يشك أيهما- قال: قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه، فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (ناسٌ من أمتي عرضوا علي، غزاةً في سبيل الله) ، كما قال في الأولى، قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (أنت من الأولين) ، فركبت أم حرامٍ بنت ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت 107.

نخلص مما سبق أن ركوب البحر جائز في طلب شتى المنافع من التجارة، والجهاد، والغزو، والحج، وطلب العلم، وغيرها.

البحر من جند الله سبحانه وتعالى

إن الله تعالى قويٌ عزيزٌ لا يغالب، له جنود السموات والأرض، قال تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 7] .

وجنوده تعالى لا يعلمها إلا هو، كما قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر: 31] .

وقد ذكر الله تعالى البحر في آيات متعددة، تبرز البحر كونه جندًا من جنده يسلطه على من يشاء من خلقه، وقد تجلى البحر بهذا المعنى في قصة نبي الله موسى -عليه السلام -وذلك في مراحل دعوته:

أولًا: البحر من جند الله، بحفظه لنبي الله موسى عليه السلام:

فقد أوحى الله تعالى لأم موسى عليه السلام إذا خافت عليه من بطش فرعون، أن تضعه في تابوت، ثم تلقيه في اليم، قال تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) } [طه: 38 - 39] .

فسخر الله تعالى اليم جندًا من جنوده لحفظ نبيه وهو طفل صغير، قال السمعاني: «اليم: هو البحر، ويقال: إن اليم ها هنا هو النيل، والعرب تسمي الماء الكثير بحرًا» 108.

وفي قوله تعالى: {فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} جزاء أخرج مخرج الأمر، وكأن اليم هو المأمور 109.

ثانيًا: البحر من جند الله ينفلق لموسى، ويغرق فرعون وجنده:

لما أمر الله تعالى موسى أن يخرج ببني إسرائيل، فرارًا بدينهم من فرعون وجنده، قابلهم البحر، فكان البحر من أمامهم وفرعون من خلفهم، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] .

فقال موسى: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] .

فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك 110، فضربه موسى فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقًا، كل طريق كالطود العظيم، قال تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]

فسار موسى وأصحابه، حتى خرجوا من البحر، ودخل فرعون وقومه في البحر، فلما دخل آخر قوم فرعون، وجاز آخر قوم موسى، أراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ثانية لينطبق حتى لا يمر فرعون وجنده، فأمر الله موسى أن يترك البحر «رهوًا» : أي ساكنًا فهو مأمورٌ بإغراقهم 111.

قال تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} [الدخان: 24] .

فأطبق البحر على فرعون وقومه فأغرقوا، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] .

وقال جل وعلا: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50] .

وقال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] .

ولما كان البحر جنديًا مأمورًا من الله تعالى، أمره بأن يحفظ جثة فرعون ويلقيها على الساحل، وأن يبقيها حتى يكون آية لمن خلفه من الطغاة.

قال السمرقندي: «قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} : نخرجك من البحر بجسدك» .

وقال أبو عبيدة: «نلقيك على نجوة من الأرض، والنجوة من الأرض: ما ارتفع منها ببدنك» 112.

قال تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 92] .

ثالثًا: البحر المكان الذي نسف فيه موسى عجل بني إسرائيل:

إن موسى عليه السلام لما ذهب لمواعدة ربه إياه، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وكان فيهم السامري، فأخرج السامري لهم عجلًا له خوار، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم، فلما رجع موسى سأل السامري فأخبره خبر العجل، قال -تعالى حكاية عن موسى-: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} [طه: 97] .

قال الطبري: «قوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} أي: ثم لنذرينه في البحر تذرية» 113.

وقال الكلبي: « {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} أي: نلقيه في البحر» 114.

وقال البغوي: « {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ} ، أي: لنذرينه، {فِي الْيَمِّ} : في البحر» 115.

جاءت الآيات القرآنية بضرب المثل بالبحر، وذلك في آيتين:

الأولى: قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109] .

وذلك أنه لو كان البحر مدادًا - والمداد: اسم لما يمد الشيء كالحبر للدواة- للقلم الذي يكتب به كلمات الله تعالى وحكمه وآياته، من وعد بالثواب والعقاب، وذكره ما خلق وما هو خالق، وعلم القرآن، ومواعظه تعالى وعلمه وحكمته، لنفد البحر، وما نفدت كلمات الله تعالى 116.

ولو أن شجر الله كلها بريت أقلامًا، والبحر لهذه الأقلام مدادًا، ومن بعده سبعة أبحر، تكتب هذه الأقلام كلام الله تعالى بذلك المداد من البحار، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفد ذلك المداد ولم تنفد كلمات الله تعالى وعلمه 117.

الثانية: قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27] .

قال البيضاوي: «وإيثار جمع القلة للإشعار بأن ذلك لا يفي بالقليل، فكيف بالكثير! فإن الله عزيزٌ لا يعجزه شيء، حكيمٌ لا يخرج عن علمه وحكمته أمر» 118.

وهل إذا نفدت البحار هل تنفد كلمات الله تعالى؟

قال الزركشي: «ليس المراد أن كلمات الله تنفد بعد نفاد البحر، بل لا تنفد أبدًا، لا قبل نفاد البحر ولا بعد نفاده، وحاصل الكلام: لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي» 119.

والبحار السبع التي تمد البحر، هي بحار غير موجودة.

قال الرازي: «قوله تعالى: {يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} إشارة إلى بحار غير موجودة، يعني لو مدت البحار الموجودة بسبعة أبحر أخر» 120.

وحصر البحار بالسبعة غير مراد، بمعنى لو كانت أكثر من سبعة بحار تمد البحر هل تنفد كلمات الله؟

قال الرازي: «وقوله: سبعة، ليس لانحصارها في سبعة، وإنما الإشارة إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر، والسبعة خصصت بالذكر من بين الأعداد؛ لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة، والذي يدل على ذلك وجوه: ... فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة، فاستعملت في كل كثير» 121.

لمسات إعجازية في البحر

لما كان كتاب الله تعالى بحر درر، لا تنقضي عجائبه، ولما كانت البحار والمحيطات تشغل الحيز الأكبر من سطح الأرض فتبلغ نحو ثلاثة أرباعه 122، كانت عناية الباحثين والعلماء عناية فائقة في استنباط دلائل صدق النبوة في الآيات التي ذكرت البحر وما تحمل في طياتها من إعجاز علمي أبهر كبار العلماء والباحثين الغربيين.

أولًا: ظلمات البحر:

{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] .

تتحدث الآية الكريمة عن أولئك الذين كفروا بآيات الله وأنكروا لقاءه وجحدوا برسوله، فهؤلاء مثل أعمالهم التي قاموا بها في الدنيا كمثل إنسان يركض وراء سراب، يلهث وراءه فإذا ما وصل إليه لم يجده شيئًا، ووجد عنده عمله السيئ، ومثل هذا الكافر كإنسان يعيش في ظلمات بحر عميق لا يكاد يرى شيئًا بسبب الظلمات المتراكمة.

يقول الإمام القرطبي رحمه الله: « {فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} : وهو الذي لا يدرك قعره، واللجة معظم الماء، والجمع لجج، واللج هو البحر إذا تلاطمت أمواجه» 123.

وتبرز الحقيقة العلمية 124: عندما نزل العلماء إلى أعماق المحيطات وجدوا أن البحار العميقة تتمتع بظلام دامس، وعلى عمق كيلو متر واحد لا يكاد الإنسان يرى شيئًا، وتزداد الظلمة إذا كانت أمواج البحر السطحية عالية الارتفاع؛ لأنها تساهم في حجب ضوء الشمس.

وكذلك وجدوا أن البحار العميقة في أعماقها هناك أمواج داخلية لا يمكن لأحد أن يراها إلا إذا نزل إلى أعماق أكثر من ألف متر، وهذه الأمواج قد تكون أشد من الأمواج السطحية.

وجه الإعجاز في هذا الآية يتمثل في إشارتين علميتين:

تحدثت عن الظلمات في البحار العميقة، وهو ما كشفه العلماء حديثًا، ولم يكن معلومًا زمن التنزيل.

أشارت إلى الأمواج الداخلية العميقة، وهو ما كشفه العلماء أيضًا، وهو ما أشارت إليه الآية في قوله تعالى: {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} .

ثانيًا: الحاجز بين البحرين:

قال تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19 - 20] .

العَذْب هو النهر، وصفه القرآن الكريم بوصفين {عَذْبٌ} و {فُرَاتٌ} ، ومعناهما أن ماء هذا البحر شديد العذوبة، ويدل عليه وصف {فُرَاتٌ} ، وبهذا الوصف خرج ماء المصب، الذي يمكن أن يقال: إن فيه عذوبة، ولكنه لا يمكن أن يوصف بأنه فرات، وما كان من الماء ملحًا أجاجًا فهو ماء البحار.

ووصفه القرآن الكريم بوصفين: {مِلْحٌ} و {أُجَاجٌ} أي: شديد الملوحة.

وبهذا خرج ماء المصب؛ لأنه مزيج بين الملوحة والعذوبة، فلا ينطبق عليه وصف {مِلْحٌ أُجَاجٌ} .

وبهذه الأوصاف الأربعة تحددت حدود الكتل المائية الثلاث:

1 - {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} ماء النهر.

2 - {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} ماء البحر.

3 - {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} ، البرزخ هو الحاجز المائي المحيط بالمصب.

الحجر والحجر هو المنع والتضييق، يسمى العقل حجرًا؛ لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي، قال تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [الفجر: 5] .

فمن يقرأ قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن: 19] .

فقط يتصور أن امتزاجًا واختلاطًا كبيرًا يحدث بين هذه البحار، يفقدها خصائصها المميزة بها، ولكن العليم الخبير يقرر في الآية بعدها {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} .

ومع حالة الاختلاط والاطراد هذه التي توجد في البحار، فإن حاجزًا يحجز بينهما، يمنع كلًا منهما أن يطغى ويتجاوز حده، وهذا ما شاهده الإنسان بعدما تقدم في علومه وأجهزته، فقد وجد ماءٌ ثالث يختلف في خصائصه عن خصائص كلٍ من البحرين، ويفصل كل من البحرين الملحين المتمايزين في خصائصهما من حيث الملوحة والحرارة، والكثافة، والأحياء المائية، وقابلية ذوبان الأكسجين، ووجد أن هذا الحاجز المائي متحرك بين البحرين على اختلاف فصول السنة، وهذا المعنى يندرج أيضًا تحت قوله تعالى: {مَرَجَ} الذي يعني أيضًا الذهاب، والإياب، والاختلاط، والاضطراب 125.

وفي قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت