فهرس الكتاب

الصفحة 1516 من 2431

الفساد

أولًا: المعنى اللغوي:

«الفاء والسين والدال كلمة واحدة، فسد الشيء يفسد فسادًا وفسودًا وهو فاسد وفسيد» 1، وفسد: كنصر وعقد وكرم، ضد صلح فهو فاسدٌ، والفساد: أخذ المال ظلمًا. والمفسدة: ضد المصلحة 2.

والفساد: «خروج الشيء عن الاعتدال، قليلًا كان الخروج أو كثيرًا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف الفساد في الاصطلاح خلقٌ كثيرون، ولكن هذا البحث سيتناول هذا المصطلح بما يتفق مع طبيعته القرآنية، حيث جاء في تعريفه الآتي:

1 -تعريف الجرجاني للفساد بأنه: «زوال الصورة عن المادة بعد أن كانت حاصلة» 4.

2 -تعريف الشيخ محمد رواس قلعه جي بأنه: «إخراج الشئ عن أن يكون منتفعًا به منفعة مطلوبة منه عادة» 5.

وبالنظر إلى التعريفين السابقين يتبين أن التعريف الثاني أكثر وضوحًا وانسجامًا مع الدراسة القرآنية، خاصة أنه يشمل كل ما من شأنه تخريب وإفساد، وأيضًا يتفق مع أصل الفساد لغةً.

وردت مادة (فسد) في القرآن الكريم (50) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 4 ... {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]

الفعل المضارع ... 14 ... {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) } [الشعراء:152]

المصدر ... 11 ... {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) } [الأنفال:73]

اسم الفاعل ... 21 ... {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) } [البقرة:12]

وورد الفساد في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: تغير الشيء عما كان عليه من الصلاح، وقد يقال في الشيء مع قيام ذاته، ويقال فيه مع انتقاضها، ويقال فيه إذا بطل وزال بالكلية؛ فيشمل الخراب والهلاك والقتل وغير ذلك من المعاني التي تندرج تحت معنى الفساد. ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى 7.

الظلم:

الظلم لغةً:

الظلمة: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه 8.

الظلم اصطلاحًا:

مجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة، ويقال فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز؛ ولهذا يستعمل في الذنب الكبير، وفي الذنب الصغير 9.

الصلة بين الظلم والفساد:

من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي يتبين أن الفساد أعم وأشمل من الظلم؛ إذ إن الظلم هو مجاوزة الحد فقط، والفساد هو خروج عن الاعتدال.

الفسق:

الفسق لغة:

تعريف الفسق لغةً: (فسق: الفسق: العصيان والترك لأمر الله عز وجل والخروج عن طريق الحق، وقيل: الفسوق الخروج عن الدين، وكذلك الميل إلى المعصية كما فسق إبليس عن أمر ربه. وفسق عن أمر ربه أي جار ومال عن طاعته) 10

الفسق اصطلاحًا:

(العصيان وترك أمر الله تعالى، والخروج عن طاعته، وعن طريق الحق. ورجل فاسق: أي عصى وجاوز حدود الشرع) 11.

الصلة بين الفسق والفساد:

الفسق هو خروج عن حجر الشرع، والفساد هو خروج عن أي اعتدال، وعلى هذا فإن الفسق أعم من الكفر، لكن الفساد أعم منه.

الطغيان:

الطغيان لغةً:

«تجاوز الحد في العصيان» 12.

الطغيان اصطلاحًا:

قال القرطبي: «الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى» 13.

الصلة بين الطغيان والفساد:

الفساد أعم وأشمل؛ إذ إنه خروج عن الاعتدال، والطغيان هو تجاوز للحدود في العصيان.

البغي:

البغي لغة:

مصدر بغى يبغي بغيًا إذا تعدى وظلم. 14.

البغي اصطلاحًا:

طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى، سواء تجاوزه حقيقة أم لم يتجاوزه 15.

الصلة بين البغي والفساد:

الفساد أعم وأشمل؛ إذ إن البغي قد لا يقتضي فعلًا، إنما هو طلب، والفساد هو كل خروج عن الاعتدال سواء أكان قلبًا أو قولًا أو فعلًا.

تعددت مجالات الفساد كما عرضها القرآن الكريم، وسنبينها فيما يأتي:

أولًا: الفساد في مجال العقائد:

1.الشرك.

من الأسباب الرئيسة في فساد البشرية: الشرك وهو الذ ي يترتب عليه فساد نظام الحياة الكونية والبشرية، وهو القائم على عبادة العباد بدلًا من عبادة رب العباد.

ومما ذكره القرآن الكريم في معرض حديثه عن أسباب الفساد قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] .

أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة أخرى ولم يكن جميع من فيها ملكًا لله وعبادًا له لفسدت السماوات والأرض واختل نظامها الذي خلقتا به. وهذا استدلال على بطلان عقيدة المشركين؛ إذ زعموا أن الله جعل آلهة شركاء له في تدبير الخلق، أي: أنه بعد أن خلق السماوات والأرض أقام في الأرض شركاء له؛ ولذلك كانوا يقولون في التلبية في الحج: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، ـ تملكه وما ملك. وذلك من الضلال المضطرب الذي وضعه لهم أئمة الكفر بجهلهم وترويج ضلالهم على عقول الدهماء.

والآية استدلال على استحالة وجود آلهة غير الله بعد خلق السماوات والأرض؛ لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله خالق السماوات والأرض، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر: 38] .

فهي مسوقة لإثبات الوحدانية لا لإثبات وجود الصانع؛ إذ لا نزاع فيه عند المخاطبين، ولا لإثبات انفراده بالخلق؛ إذ لا نزاع فيه كذلك، ولكنها منتظمة على ما يناسب اعتقادهم الباطل لكشف خطئهم وإعلان باطلهم.

والفساد المترتب على الشرك: هو اختلال النظام وانتفاء النفع من الأشياء. ففساد السماء والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين ولا متسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بما فيها. فمن صلاح السماء نظام كواكبها، وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها، ونظام النور والظلمة. ومن صلاح الأرض مهدها للسير، وإنباتها الشجر والزرع، واشتمالها على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب، وفساد كل من ذلك ببطلان نظامه الصالح.

ووجه انتظام هذا الاستدلال أنه لو تعددت الآلهة للزم أن يكون كل إله متصفًا بصفات الإلهية المعروفة آثارها، وهي الإرادة المطلقة والقدرة التامة على التصرف. وفرع على هذا الاستدلال إنشاء تنزيه الله تعالى عن المقالة التي أبطلها الدليل بقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي: عما يصفونه به من وجود الشريك 16.

وهذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله، إلا أن يكون هناك إله واحد، يدبر أمره، وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عند تتعدد الآلهة، عندما يتعبد الناس الناس، عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، وأن له فيهم حق التشريع لذاته، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته، والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به، وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد.

2.النفاق.

من الأسباب الرئيسة في فساد البشرية النفاق:

فأهل النفاق سبب كل بلية أصيبت بها الأمة، وسبب تسليط العدو عليها، بل هم العدو الحقيقي، فهم الذين يكشفون أسرار الأمة لعدوهم، وهم الذين يدلون العدو على مواضع الضعف، وهم الذين يتربصون بالأمة الدوائر، ويبطئونها عن الجهاد، ويوالون الكفار حتى حدث بسب ذلك فساد كبير أصاب الأرض وما عليها.

ومما ذكره القرآن الكريم في معرض حديثه عن أسباب الفساد قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة:11 - 12] .

فأهل النفاق: مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمالئتهم الكفار على المسلمين، بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم؛ مما يؤدى إلى هيج الفتن بينهم.

وفي الآيات: «محاورة جرت بين المؤمنين والمنافقين، فقال لهم المؤمنون: لا تفسدوا في الأرض، فأجابهم المنافقون بقولهم: إنما نحن مصلحون، فكأن المحاورة انقطعت بين الفريقين ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين، وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد، فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربعة أمور:

أحدها: تكذيبهم.

والثاني: الإخبار بأنهم مفسدون.

والثالث: أنهم أولى بالفساد.

والرابع: نفي الشعور عنهم بكونهم مفسدين.

وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الموضع ثم نفى العلم في قولهم: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] .

فنفى علمهم بسفههم وشعورهم بفسادهم، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل، أن يكون الرجل مفسدًا، ولا شعور له بفساده البتة، مع أن أثر فساده مشهور في الخارج مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به، وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه، وكذلك كونه سفيهًا، والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده وإرادته بخلافه، فإذا كان بهذه المنزلة وهو لا يعلم بحاله كان من أشقى النوع الإنساني، فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله ونفى الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه، فتضمنت الأيتان الإسجال عليهم بالجهل وفساد آلات الإدراك بحيث يعتقدون الفساد صلاحًا والشر خيرًا» 17.

والعلاقة بين الفساد والنفاق: أن النفاق أدى إلى فساد آلات الإدراك عند المنافقين، والتي بدورها أدت إلى اختلال موازين الحكم على الأشياء.

وفي هذا المعنى قال سيد قطب رحمه الله: «والذين يفسدون أشنع الفساد، ويقولون: إنهم يصلحون، كثيرون جدًا في كل زمان، يقولونها؛ لأن الموازين مختلة في أيديهم، وإذا اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم، والذين لا يخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم؛ لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية، ولا يثوب إلى قاعدة ربانية» 18.

3.موالاة غير المؤمنين.

أمر عز وجل المؤمنين بولاية بعضهم بعضًا، وإلا حدثت الفتنة والفساد الكبير، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 72 - 73] .

لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، ثم قال: إن لم تجانبوا المشركين وتولوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس، أي: محنة بالحرب، وما يتبعها من الغارات والجلاء والأسر والفساد الكبير الذي يترتب عليه من الشر مالا ينحصر من اختلاط الحق بالباطل، والمؤمن بالكافر، وعدم إقامة كثير من العبادات الكبار كالجهاد والهجرة، وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم يتخذ المؤمنون وحدهم أولياء بعضهم لبعض؛ لأنهم بهذه الولاية يستطيعون أن يواجهوا المجتمع الجاهلي الموالي بعضهم بعضًا.

«فإن لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضهم لبعض، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي؛ لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفرادًا، وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده.

ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام، وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله، ووقوع الناس عبيدًا للعباد مرة أخرى وهو أفسد الفساد. ولا يكون بعد هذا النذير نذير، ولا بعد هذا التحذير تحذير، والمسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة، يتحملون أمام الله -فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها- تبعة تلك الفتنة في الأرض، وتبعة هذا الفساد الكبير» 19.

ومن يقف على تاريخ الدول الإسلامية التي سقطت وبادت، والتي ضعفت بعد قوة يرى أن السبب الأعظم لفساد أمرها ترك ولاية المؤمنين أو استبدالها بولاية غير المؤمنين.

فالمؤمن لا يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله، وما أحوج ناسًا ممن يدعون الإسلام، ويتسمون بأسماء المسلمين، وهم يستعينون بأعدى أعداء الله في الأرض، أن يتدبروا هذا القرآن، فالحمية للدين لتكبت في أول الأمر عمدًا، ثم تهمد ثم تخمد، ثم تموت.

ثانيًا: الفساد في مجال العبادات:

1.عبادة غير الله.

قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] .

«إن الحياة لا تستقيم ولا تصلح إلا على أساس الإيمان بالله الواحد، والعبودية لإله واحد، وإن الأرض لتفسد حين لا تتمحض العبودية لله في حياة الناس. إن العبودية لله وحده معناها أن يكون للناس سيد واحد، يتوجهون إليه بالعبادة وبالعبودية كذلك، ويخضعون لشريعته وحدها فتخلص حياتهم من الخضوع لأهواء البشر المتقلبة، وشهوات البشر الصغيرة.

إن الفساد يصيب تصورات الناس كما يصيب حياتهم الاجتماعية حين يكون هناك أرباب متفرقون يتحكمون في رقاب العباد -من دون الله- وما صلحت الأرض قط ولا استقامت حياة الناس إلا أيام أن كانت عبوديتهم لله وحده -عقيدة وعبادة وشريعة- وما تحرر الإنسان قط إلا في ظلال الربوبية الواحدة» 20.

2.مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد أرسل الله الرسل؛ ليطاعوا فيما أمروا ونهوا.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] .

وأقسم سبحانه وتعالى بنفسه الكريمة أنه لا يتحقق إيمان العباد حتى يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمًا فيما وقع بينهم من نزاع في حياته، ويتحاكموا إلى سنته بعد مماته، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمه، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تامًا.

قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

ومما ذكره القرآن في معرض الحديث عن أسباب الفساد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .

قال ابن القيم رحمه الله: «من تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول، والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنه بسبب طاعة الرسول، وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب عليه، فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض، فكذلك هو في الشر والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه فإنما هو بسبب مخالفة الرسول، ولأن طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين، والكهف الذي من لجأ إليه كان من الناجين» 21.

3.الحكم بغير ما أنزل الله.

بين الله في كتابه الكريم وجود صنف من البشر إذا صار حاكمًا أفسد في الأرض بالظلم والقتل وفعل المعاصي والرشا وقطع الأرحام العامة والخاصة.

قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] .

اختلف في معنى: {إِنْ تَوَلَّيْتُمْ} .

فقيل: «هو من الولاية: قال أبو العالية رحمه الله: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكامًا أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا. وقال الكلبي رحمه الله: أي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ابن جريج رحمه الله: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام. وقال كعب رحمه الله: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضًا.

وقيل: من الإعراض عن الشيء: قال قتادة رحمه الله: أي: فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم». وقيل: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} أي: فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم» 22.

والمعنيان من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وللجمع بينهما نقول: إن القرآن قد شمل كل ما يحتاجه الحاكم الصالح في إرساء دعائم الحكم الصالح.

وقال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] .

والمراد بـ {تَوَلَّى} صار واليًا له حكمٌ ينفذ وعملٌ يستبد به، وإفساده حينئذٍ يكون بالظلم مخرب العمران وآفة البلاد والعباد، وإهلاكه الحرث والنسل يكون إما بسفك الدماء والمصادرة في الأموال، وإما بقطع آمال العاملين من ثمرات أعمالهم وفوائد مكاسبهم. ومن انقطع أمله انقطع عمله، إلا الضروري الذي به حفظ الدماء، ولا حرث ولا نسل إلا بالعمل. وقد شرحت لنا حوادث الزمان وسير الظالمين هذه الآية فقرأنا وشاهدنا أن البلاد التي يفشو فيها الظلم تهلك زراعتها، وتتبعها ماشيتها، وتقل ذريتها، وهذا هو الفساد والهلاك الصوريان، ويفشو فيها الجهل، وتفسد الأخلاق، وتسوء الأعمال حتى لا يثق الأخ بأخيه، ولا يثق الابن بأبيه فيكون بأس الأمة بينها شديدًا ولكنها تذل وتخنع للمستعبدين لها. وهذا هو الفساد والهلاك المعنويان، وفي التاريخ الغابر والحاضر من الآيات والعبر، ما فيه ذكرى ومزدجرٌ 23.

ثالثًا: مجال الأخلاق:

1.اتباع الأهواء.

من الأسباب الرئيسة في فساد البشرية اتباع الهوى: فما من مجتمع ولا دولة تعرض عن شريعة الله التي اختارها عز وجل؛ لتحكم حياة البشر، إلا ويتبع أهواء الذين لا يعلمون، فهما طريقان لا ثالث لهما: إما اتباع شريعة الله؛ فيكون الإصلاح الشامل والحياة الطيبة، وإما اتباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فيكون الفساد الشامل للأرض وما عليها.

قال الشاطبي رحمه الله المقصد الشرعي من وضع الشريعة: «إخراج المكلف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد له اضطرارًا» 24، ويدلل على ذلك بأدلة منها:

الأول: النص الصريح الدال على أن العباد خلقوا للتعبد لله سبحانه وتعالى والدخول تحت أمره و نهيه 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت