فقال ابن عباس رضي الله عنهما: «يخرون للوجوه سجدًا» 84.
وقال الحسن البصري رحمه الله: «عني بذلك اللحى» 85.
وهذا هو الذي رجحه الإمام الطبري رحمه الله؛ لأن الذقن في كلام العرب هو مجمع اللحيين، وهذا هو الأشبه بظاهر التنزيل، أي: خروا للأذقان سجدًا عند سماعهم القرآن يتلى عليهم، تنزيهًا لربنا وتبرئةً له مما يضيف إليه المشركون به» 86.
وقال تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109] .
أي: «يخرّ هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان، إذا يتلى عليهم القرآن؛ لأذقانهم يبكون، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر {خُشُوعًا} ، يعني: خضوعًا لأمر الله وطاعته، واستكانة له.
ويقول الإمام الطبري رحمه الله في موضع آخر نقلًا عن ابن زيد: بأن هذه الآية جواب وتفسير للآية التي في سورة مريم قال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58] » 87.
وقال الزمخشري رحمه الله: «خرورهم في حال كونهم ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين» 88.
واستخلص البغوي من هذه الآية: «أن البكاء مستحب عند قراءة القرآن» 89.
أولًا: أمر الله لبني إسرائيل بالسجود له:
قال تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58] .
وقال تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء:154] .
وقال تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [الأعراف:161] .
هذه الآيات الثلاث: أمر الله بني إسرائيل بأن يدخلوا الباب في بيت المقدس سجدًا شاكرين ومتواضعين لله، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم على غير الجهة التي أمروا أن يدخلوا بها 90.
وقال تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:43] .
«أمر الله مريم ابنة عمران عليها السلام بأن تصلي له، وعبّر عن ذلك بذكر القنوت والسجود، فهما من هيئات الصلاة وأركانها، ثم أمرها بأن تكون مع جماعة المصلين لله تعالى، ففعلت ما أمرت به» 91.
ثانيًا: أمر الله لعبدة الكواكب بالسجود له.
وقال تعالى: {وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت:37] .
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، أي: «لا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يسجد بآخر الآيتين من (حم السجدة) ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يسجد بالأولى منهما» 92.
وإنما قال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَهُنَّ} ، بصيغة التأنيث؛ لأنه أجراها على طريق جمع التكسير، ولم يجرها على التغليب للمذكر على المؤنث 93.
ثالثًا: أمر الله لرسوله بالسجود له:
قال تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر:98] .
يخاطب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم: «بأن يفزع إليه فيما يصيبه من أمر يكرهه، يسبح الله ويكثر من السجود له سبحانه، فيكفيه ما أهمه» 94.
وقال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان:26] .
يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم: «ومن الليل فاسجد له وسبحه أكثر الليل، وقد كان هذا أول شيءٍ فرضه الله، ثم جعل سبحانه قيام الليل نافلةً، ومن تفيد هنا التبعيض» 95.
وقال تعالى: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19] .
«لا تطع - يا محمد صلى الله عليه وسلم- أبا جهل في ترك الصلاة والسجود لربك عند الكعبة المشرفة، بل {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} ، اسجد لربك وتقرّب إليه بالطاعة، ولن يقدر أبو جهل على إيذائك، والله مانعه من ذلك» 96.
وقد أمر الله هنا نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: {وَاسْجُدْ} ولم يقل: (وصلّ) ؛ لأن السجود من أهم أركان الصلاة، ويكون العبد فيه أقرب إلى ربه، كما ورد في الحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) 97.
رابعًا: أمر الله لعامة خلقه بالسجود له:
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان:60] .
«الخطاب لكل مشرك بأن يجعلوا سجودهم خالصًا لله عزّ وجلّ، والذي من أسمائه وصفاته الحسنى {الرَّحْمَنُ} ، فأنكروا ذلك الاسم أن يكون لله تعالى!» 98.
وقال تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم:62] .
أي: «أيها الناس اسجدوا لله في صلاتكم دون سواه من الآلهة والأنداد، وأخلصوا له العبادة والسجود» 99.
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: «الأمر بالسجود لله خصوصًا، ليدل ذلك على فضله، وأنه سرّ العبادة ولبّها، فإن لبّها الخشوع لله، والخضوع له. والسجود: أعظم حالة يخضع بها العبد بقلبه وبدنه، جاعلًا أشرف أعضائه على الأرض» 100.
وقد وقع ذلك مع صنف واحد:
ولا نجد ذلك إلا في قصة خلق آدم عليه الصلاة والسلام، إذ أمر الله ملائكته بالسجود له، سجود تحية وتكريم لهذا المخلوق الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه علومًا تفوق بها على الملائكة، وقد ذكر ذلك في تسعة مواضع، منها:
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) } [البقرة:34] .
وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) } [الكهف:50] .
ثانيًا: الساجدون لغير الله تعالى:
ورد ذكر الساجدين لغير الله تعالى في ثلاثة مواضع، اثنان جائزان، والثالث شرك، وهي على النحو الآتي:
1.سجود إخوة يوسف وأبويه له.
قال يوسف عليه السلام: {رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف:4] .
رؤيا الأنبياء وحيٌ من الله تعالى، ورؤيا المؤمن صادقة بعد ختم الرسل، وانقطاع الوحي، والرؤيا هنا رمزية، حيث رمز بالشمس والقمر لأبويه، وبالكواكب الأحد عشر لإخوته، وقد عبّر الله عن الكواكب والشمس والقمر بجمع المذكر السالم؛ لأن السجود من أفعال العقلاء.
«وكان السجود في عصرهم جاريًا مجري التحية والتكرمة، كالقيام والمصافحة، وتقبيل اليد ونحو ذلك، مما جرت عليه عادة الناس لمن اشتهر بالتعظيم والتوقير.
وقيل: ما كانت إلا انحناء دون تعفير للجباه، لأن سجودهم يأباه يوسف عليه الصلاة والسلام.
وقيل: خروا لأجل يوسف شكرًا لله على ما اجتباه به، واتمام نعمته عليه بالعلم والحكمة والتمكين في الأرض» 101.
وقال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف:100] .
قال قتادة رحمه الله تعالى: «خرّ يعقوب عليه الصلاة والسلام وزوجه وولده ليوسف عليه الصلاة والسلام سجود تحية كانت معروفة في زمنهم، يحيي بعضهم بعضًا بها، احترامًا وتوقيرًا.
ولكن الله أبدل هذه الأمة الإسلامية بتحية أهل الجنة «السلام» كرامة من الله تبارك وتعالى، عجّلها لهم في الدنيا نعمة منه وفضلًا» 102.
2.سجود الملائكة لآدم عليه الصلاة والسلام.
وقد ذكر أنها بأمر الله تعالى، على سبيل التحية والتكريم، وهي امتثالٌ لأمر الله جلّ جلاله، فسجدوا طاعة لله وتنفيذًا لأمره.
3.سجود عبدة الكواكب لها.
وهو سجود شركي محرم.
قال هدهد سليمان: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل:24] .
يقول الهدهد مخبرًا سليمان عليه الصلاة والسلام: «وجدت هذه المرأة ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس؛ فيعبدونها من دون الله، بتزيين الشيطان لهم عبادة الشمس وسجودهم لها» 103.
ونقل ابن عطية قول زيد وابن إسحاق رحمهم الله: بأن قول الله تعالى: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل:25 - 26] .
هو من كلام الهدهد موضحًا وحاثًّا لهم بالسجود لله الخالق لكل شيءٍ، ورب العرش العظيم.
ويحتمل أن يكون هذا من كلام سليمان عليه الصلاة والسلام لما أخبره الهدهد عن القوم 104.
قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) [فصلت:37] .
«يخاطب الله سبحانه الناس ناهيًا لهم عن عبادة الكواكب عمومًا، وعن الشمس والقمر خصوصًا، فهما يجريان في الفلك بمنافعكم؛ بإجراء الله إياها لكم، طائعين له في جريهما ومسيرهما ... ، فالله هو خالق الليل والنهار والشمس والقمر، وهذه من مخلوقات الله تعالى، بينما الخالق هو الأحق بالعبادة، وكانت الصابئة تزعم أنهم يقصدون بسجودهم للكواكب - ومنها الشمس والقمر- أنهم يسجدون لله؛ فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله تعالى خالصًا؛ إن كانوا إياه يعبدون» 105.
السجود لله عز وجل من أعظم العبادات وأجلها، وله ثمرات جليلة، منها:
أولًا: إظهار العبودية لله وطاعته:
يقرر الله عزّ وجلّ أن كل المخلوقات طائعة خاضعة له، ساجدة لخالقها طوعًا أو كرهًا.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل:49] .
حتى ظلال المخلوقات تسجد لله تعالى، {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] .
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48] .
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] .
وإذا أمعنا النظر في نتائج وثمرات السجود، نجد أن إظهار العبودية لله وطاعته تأتي في مقدمتها، ونرى ذلك جليًّا في ختم الآيات بقوله سبحانه: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] عبودية وطاعة لله,
وقوله تعالى: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] عابدين وطائعين له.
وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} [الإسراء:61] طاعة وامتثالًا لأمر الله لهم بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام، {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107] .
وقوله: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] أي: يخرون سجدًا باكين طائعين عابدين لله عزّ وجلّ.
وقوله: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا} [طه: 70] عابدين طائعين لما رأوا المعجزة التي أعطيت لموسى عليه الصلاة والسلام.
وقوله: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] يقومون الليل عبادة وطاعة لله.
وقوله: {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] لا يستكبرون عن السجود طاعة له سبحانه.
وقوله: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29] .
ترى محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، راكعين ساجدين طاعة لله تعالى، لذا أمر الله عباده المؤمنين وغيرهم بالطاعة والسجود له، فقال: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم:62] .
وقوله: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص:24] لمعرفة داوود عليه الصلاة والسلام، أن السجود قربة لله استغفر ربه من ذنبه، ثم سجد له عبودية وطاعة وطمعًا بالمغفرة، فاستجاب الله له وغفر له ذنبه.
وقد اعتبر سبحانه أن بيات المؤمنين لربهم سجدًا وقيامًا جعلتهم يدخلون تحت وصف عباد الرحمن، فأضافهم لنفسه، تشريفًا لهم وتكريمًا.
قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 63 - 64] .
بما سبق يتبين أن السجود هو خضوع لله، وطاعة له، وعبودية وتذللٌ للخالق جلّ وعلا.
ثانيًا: نيل رضوان الله وثنائه عليهم ومغفرته لهم:
من ثمرات السجود لله تعالى: أن العبد يكسب عدة أمور أوجزها بالآتي:
1.المغفرة من الذنوب والزيادة في الإحسان.
كما قال تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58] .
فجعل سبحانه وتعالى المغفرة وزيادة الإحسان إليهم جزاءً ونتيجةً لطاعتهم لله بدخول بيت المقدس سجدًا، ونرى ذلك أيضًافي قوله تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 25] .
فكان نتيجة استغفار داوود عليه الصلاة والسلام من الذنب، وسجوده لله، -كما ورد في الآية 24 التي قبل هذه الآية- أن غفر له ذنبه، ورفعه منزلة عالية، وقربه منه، وجعل رجوعه عن الذنب حسنًا، فضلًا منه وكرمًا. البشارة بفضل الله ورضوانه: كما جاء في ختم هذه الآية: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] .
وبشارة الله تكون برضاه عنهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والبشارة في الجنة، لمن اتصفوا بهذه الصفات، ونجد ذلك الفضل والرضوان مطلبًا رئيسًا من مطالب الّركّع السجود من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لدخول الجنة، كما في هذه الآية: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29] .
2.الوصف بأنهم من الصالحين.
وقد جاء هذا الوصف لهم في هاتين الآيتين: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 113 - 114] .
3.المسارعة بالسجود عند تلاوة القرآن عليهم.
وهذا ورد في قول الله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107] .
أي: يسارعون إلى السجود لله عند تلاوة آياته.
4.نيل الفلاح في الدارين.
وهذا ما وعد الله عباده الساجدين العابدين له.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] .
ووعد الله نافذٌ لا محالة؛ بأنهم سيكونون يوم القيامة من المفلحين، الفائزين بجنات النعيم.
ثالثًا: ظهور السيما على وجوه الساجدين:
لقد وردت لفظة: (السيما) بأنها علامة ظاهرة على وجوه أمة خاتم الأنبياء والمرسلين؛ تمييزًا لهم عن بقية الأمم.
تعريف (السيما) : هي بياضٌ ونورٌ ظاهر في جبهة السّجّاد يوم القيامة، وسمتٌ حسنٌ وصلاحٌ وخشوعٌ وتواضعٌ تظهر على وجوههم في الدنيا، من أثر سجودهم لله.
{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29] .
«المراد بها: السمة التي تحدث في جبهة السّجّاد من كثرة السجود، أي: من التأثير الذي يؤثّره السجود - في وجوههم-» 106.
و قد لخص ابن كثير رحمه الله تعالى أقوال أهل العلم في تفسير لفظة: (السيما) نذكرها كما يلي:
«قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني: السمت الحسن.
وقال مجاهد، وسفيان الثوري، وغير واحد رحمهم الله: هي الخشوع والتواضع.
وقال السدي رحمه الله: الصلاة تحسن وجوههم. وبهذا أخذ الشيخ ابن السعدي رحمه الله، وبرّر أخذه بهذا التفسير: بأنه لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت بالجلال ظواهرهم.
وعن الحسن البصري رحمه الله: السيما مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضًا يوم القيامة. وقال بعض السلف رحمهم الله: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
وقال بعضهم: إن للحسنة نورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الناس» 107.
وزاد الطبري رحمه الله معاني أخرى، ومنها: قول الحسن بن علي رضي الله عنهما: بأنها الصفرة؛ التي تظهر من سهر الليل. ولكنه- الطبري- رجح القول: بأنها ظهور آثار الإسلام عليهم في الدنيا، وبياض الوجوه من أثر السجود - في الآخرة-» 108.
رابعًا: استحقاق جنات الخلد والنعيم:
ومن آخر ثمرات السجود لله تعالى، الفوز بالنعيم الدائم في جنات الخلد يوم القيامة، كما أرى في المقابل الجزاء والعقاب لمن رفض السجود لله عزّ وجلّ.
1.المغفرة والأجر العظيم للساجدين.
قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] .
فالأجر العظيم المذكور هو: مكافأة الله لهم بالنعيم الدائم في جنة الخلد.
2.الفوز بالجنة دار الخلود.
قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9] .
ورجاء رحمة الله، هي: طلب الجنة التي فيها النعيم الدائم، والله لا يرد رجاء عبده المؤمن.
وفي قصة سجود السحرة وإيمانهم برسالة موسى عليه الصلاة والسلام، قام فرعون بتهديدهم بالتنكيل والعذاب، فلم يأبهوا لذلك طمعًا بما عند الله من النعيم المقيم، فكان جزاء الله لهم: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه:76] .
وفي سورة مريم رتّب الله سبحانه وتعالى الجزاء لمن خروا سجدًا وبكيًّا، ولكل من تاب وآمن وعمل صالحًا فلهم: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} [مريم:61] .
وقد جاء هذا في صنفين اثنين:
الأول: إبليس؛ لرفضه أمر الله بالسجود لآدم: فكان جزاءه في أمرين اثنين:
1.دمغه بالكفر.
قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:34] .
وقول الله: {إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [ص:74] .
2.اللعن والطرد من رحمة الله.
قال الله تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر:34 - 35] .
وقوله تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [ص:77] .
الثاني: الكافرون الرافضون السجود لله.
فجازاهم الله بعدة أمور، هي:
1.قلوبهم قاسية.
فهم لا يتعظون بما يتلى عليهم من القرآن الكريم.