أولًا: المعنى اللغوي:
اللام والسين والنون: أصل صحيح يدل على طول لطيف غير واضح، في عضو أو غيره، ومن ذلك اللسان 1.
فاللسان: جارحة الكلام، وقد يكنى بها عن الكلمة، فتؤنث حينئذٍ 2.
ويطلق اللسان على اللغة، والمتكلم عن القوم، وأرض بظهر الكوفة 3.
وتجمع (اللسان) على ألسن وألسنة ولسن (مثل: كتاب وكتب) فمن ذكر جمعه على (ألسنة) ومن أنث جمعه على (ألسن) والتذكير أكثر، وهو في القرآن كله مذكر 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: «اللسان الجارحة وقوتها، فإن العقدة لم تكن في الجارحة، وإنما كانت في قوته التي هي النطق به، ولكل لسان نغمة مخصوصة يميزها السمع، كما أن له صورة مخصوصة يميزها البصر» 5.
وقال الرازي: «هو الآلة في إعطاء المعارف؛ فوجب أن يكون أشرف الأعضاء» 6.
وبالنظر إلى التعريفين يتبين أن تعريف الجرجاني أجمع وأشمل؛ إذ إنه يتحدث عن كل ما يستوعبه التعريف المراد من جهة وهو يمنع ما عداه من جهة أخرى.
ورد (اللسان) في القرآن الكريم (25) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المفرد ... 15 ... {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) } [النحل:103]
الجمع ... 10 ... {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب:19]
وجاء اللسان في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه 8:
الأول: اللسان بعينه: ومنه قوله تعالى: {وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) } [البلد: 9] . وهذا كثير.
الثاني: اللغة: ومنه قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] . أي: بلغة العرب.
الثالث: الدعاء: ومنه قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78] ، يعني: في دعاء داود وعيسى.
الرابع: الثناء الحسن: ومنه قوله تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84] . يعني: ثناءً حسنًا.
النطق:
النطق لغة:
هو التكلم بأصواتٍ وحروفٍ تعرف من خلالها المعاني المرادة 9.
النطق اصطلاحًا:
التكلم بما يعرف من خلاله المعاني المراد إيصالها إلى الآخر، وهو مختص بالإنسان دون غيره من الكائنات الحية 10.
الصلة بين النطق واللسان:
اللسان هو الآلة الجارحة التي من خلالها يتم النطق فيعرف من خلال ذلك المعاني المراد إيصالها، وعلى هذا فإن اللسان أعم وأشمل؛ لأن النطق مختص بالإنسان، واللسان أعم من ذلك، كما أن اللسان يضاف إلى استعماله في النطق استعمالات أخرى، منها: التذوق، والبلع، وغير ذلك.
القول:
القول لغةً:
ما كان جزءًا من النطق أثناء التحدث، والمقول: اللسان. ورجلٌ قولةٌ وقوالٌ: كثير القول 11.
القول اصطلاحًا:
هو الكلمة المركبة في القضية المنطوقة، أو المفهوم المركب العقلي في القضية المعقولة 12.
الصلة بين القول واللسان:
اللسان هو الآلة الجارحة التي من خلالها يقول المتحدث، والنطق والقول أعم منه.
الكلام:
الكلام لغةً:
ما أفاد معنىً أثناء التحدث من اللسان، ويقال: قد يكون قلة الكلام كثرةً في القول؛ لأن القول كلمة أفادت معنىً، والكلام أعم من ذلك وأوسع 13.
الكلام اصطلاحًا:
هو ما تضمن كلمتين أو أكثر بالإسناد، ومكان إخراجها من اللسان 14.
الصلة بين الكلام واللسان:
اللسان هو الآلة الجارحة التي من خلالها يتكلم الإنسان بكلمتين أو أكثر بالإسناد، وإن كان الكلام أعم من القول إلا أن النطق أعم منهما، واللسان أعم من الجميع؛ لأنه الآلة التي من خلالها يكون التحدث من جهة وللسان استعمالات أخرى من جهة أخرى.
الرأس:
الرأس لغةً:
هو ما دل على تجمع وارتفاع، كأن يقال عن أعلى الإنسان: رأسه 15.
الرأس اصطلاحًا:
ما يجمع فيه الخلقة من إنسان أو غيره من كل المخلوقات، ومجتمع كل شيء رأسه 16، وبالتالي فهو يجمع كثيرًا من الجوارح.
الصلة بين الرأس واللسان:
اللسان هو جزء لا يتجزأ من الرأس، بل إن اللسان من أخص خصوص الرأس.
أولًا: اللسان والإنسان:
امتن الله جل وعلا على الإنسان بأنه جعل له آلة البيان التي هي اللسان والشفتان؛ وذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} [البلد: 8 - 9] .
وذكر الله ذلك؛ تعليلًا للإنكار والتوبيخ في قوله: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} [البلد:5] .
أو قوله: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد:7] .
أي: هو غافل عن قدرة الله تعالى وعن علمه المحيط بجميع الكائنات الدال عليهما أنه خلق مشاعر الإدراك التي منها العينين، وخلق آلات الإبانة، وهي اللسان والشفتان، فكيف يكون مفيض العلم على الناس غير قادر وغير عالم بأحوالهم؟!
قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] .
والاستفهام يجوز أن يكون تقريريًا وأن يكون إنكاريًا، والاقتصار على العينين؛ لأنهما أنفع المشاعر، ولأن المعلل إنكار ظنه أن لم يره أحد، وذكر الشفتين مع اللسان؛ لأن الإبانة تحصل بهما معًا، فلا ينطق اللسان بدون الشفتين ولا تنطق الشفتان بدون اللسان.
فمن دقائق القرآن أنه لم يقتصر على اللسان ولا على الشفتين خلاف عادة كلام العرب أن يقتصروا عليه، يقولون: ينطق بلسان فصيح. ويقولون: لم ينطق ببنت شفة أو لم ينبس ببنت شفة؛ لأن المقام مقام استدلال، فجيء فيه بما له مزيد تصوير لخلق آلة النطق، وأعقب ما به اكتساب العلم، وما به الإبانة عن المعلومات، بما يرشد الفكر إلى النظر والبحث؛ وذلك قوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10] .
فاستكمل الكلام في سياق الآيات أصول التعلم والتعليم، فإن الإنسان خلق محبًا للمعرفة، محبًا للتعريف بمشاعر الإدراك، يكتسب المشاهدات، وهي أصول المعلومات اليقينية، وبالنطق يفيد ما يعلمه لغيره، وبالهدى إلى الخير والشر يميز بين معلوماته ويمحصها 17.
فذكر اللسان ومعه الشفتين للدلالة على أن النطق السليم لا يتأتى إلا بوجودهما معًا، فاللسان لا ينطق نطقًا صحيحًا بدون الشفتين، وهما لا ينطقان بدونه؛ ولهذا جاء في الأثر: «ابن آدم، إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق» 18.
و أيضًا من حكمة اقتران اللسان بالشفتين أنهما العضوان الناطقان، فأما الهواء والحلق والنطع واللهوات والأسنان فمتصلة حركة بعضها مرتبطة بحركة البعض بمنزلة غيرها من أجزاء الحنك، فأما اللسان والشفتان فمنفصلة، ثم الشفتان لما كانا النهاية حملا الحروف الجوامع: الباء والفاء والميم والواو 19.
وذكر الله هذه النعم تذكيرًا للإنسان؛ ليشكرها، فهي ثلاث نعم من أكبر النعم على الإنسان:
النعمة الأولى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} [البلد:8] .
يعني: يبصر بهما، ويرى فيهما، وهاتان العينان تؤديان إلى القلب ما نظر إليه الإنسان، فإن نظر نظرة محرمة كان آثمًا، وإن نظر نظرًا يقربه إلى الله كان غانمًا، وإذا نظر إلى ما يباح له فإنه لا يحمد ولا يذم، ما لم يكن هذا النظر مفضيًا إلى محظور شرعي فيكون آثمًا بهذا النظر.
والنعمة الثانية: {وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} [البلد:9] .
لسانًا ينطق به، وشفتين يضبط بهما النطق، وهذه من نعم الله العظيمة؛ لأنه بهذا اللسان والشفتين يستطيع أن يعبر عما في نفسه، ولولا هذا ما استطاع، فلو كان لا يتكلم فكيف يعبر عما م في قلبه؟ وكيف يعلم الناس بما في نفسه؟ اللهم إلا بالإشارة، والإشارة متعبة، تتعب المشير وتتعب الذين أشير إليهم، ولكن من نعمة الله أن جعل له لسانًا ناطقًا، وشفتين يضبط بهما النطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا 20.
ثم قال في نعمة الدين: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10] .
أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي، فهذه المنن الجزيلة تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكره على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه.
وهذه الأعضاء الثلاثة -العينان واللسان والشفتان- هي الأعضاء الدائمة الحركة والكسب، إما للإنسان وإما عليه، بخلاف ما يتحرك من داخل فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، وبخلاف بقية الأعضاء الظاهرة فإن السكون أغلب، وحركتها قليلة بالنسبة إلى هذه 21.
ثانيًا: اللسان أداة للبيان والتبليغ:
امتن الله عز وجل على الإنسان بنعمة النطق التي يحصل بها إبانة الإنسان عما يريده، فقال سبحانه: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:3 - 4] .
وفسر البيان بالنطق.
ونلحظ أنه لم يقل: وعلمه البيان بالواو؛ لأنه لو عطفه عليه لكان مغايرًا له، أما إذا ترك الحرف العاطف صار قوله: {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} كالتفسير لقوله: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} كأنه إنما يكون خالقًا للإنسان إذا علمه البيان 22.
فيكون في قوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:3 - 4] ، بيانٌ لنعمتين من نعمه سبحانه، والمراد بالإنسان جنسه، والمراد بالبيان الفهم والنطق والإفصاح عما يريد الإفصاح عنه، بالكلام الذي أداته اللسان.
أي: إنه سبحانه وتعالى خلق الإنسان على أجمل صورة وأحسن تقويم، ومكنه من الإفصاح عما في نفسه عن طريق المنطق السليم والقول الواضح، كما مكنه من فهم كلام غيره له، فتميز بذلك من الأجناس الأخرى، وصار أهلًا لحمل الأمانة التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال، وأصبح مستعدًّا لتلقي العلوم والخلافة في الأرض 23. والإنسان لا يقدر على إقامة مصالحه إلا بإفهام غيره أغراضه، وذلك بواسطة اللسان التي هي أداة للكلام، وكل هذه المصالح تفوت بزوال اللسان أو بقطعه.
ويعد النطق فضيلة عظيمة، ويدل على فضله أن في مناظرة آدم عليه السلام مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق، حيث قال: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة:33] 24.
لما كان العلم أفضل الأشياء و كانت آلة إعطائه اللسان وجب أن يكون أشرف الأعضاء 25.
والبيان بيانان كما قال العلماء، وهما الأشهر، وإن كانت ثم أنواع أخر من أنواع البيان، فالبيانان الأشهران أحدهما بيان باللسان، والآخر بيان بالقلم.
وأصل البيان إظهار ما في نفس الشخص للآخرين، وهذا يكون إما عن طريق اللسان، وإما عن طريق القلم، فالامتنان بالتعليم بالقلم ذكر في سورة العلق: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1 - 5] .
فامتن الله علينا بتعليمنا البيان بكل أنواعه، وبهذا يفارق بنو آدم سائر العجماوات من البهائم وسائر الدواب.
ولأن البيان بالنطق هو أعظم أنواع البيان امتن الله به علينا، مع أنه ثم أنواع أخر من أنواع البيان -كما سبق- كالإشارات وكالنظرات، لكنها ليست بتلك الشهرة؛ إذ كتاب الله يذكر الغالب الأشهر.
ومن المعلوم أن هذه النعمة إنما تكون نعمة حقًا إذا استعمل النطق بما هو خير، أما إذا استعمل بشر فهو وبال على صاحبه، ويكون من فقد هذه النعمة أحسن حالًا منه، فاللسان مع أهميته آلة ذات حدين، حيث يستعمل للخير كالصدق في القول والإرشاد والتعليم والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن الحق، كما أنه يستعمل للشر من إيذاء الناس بالشتم أو بالنميمة والدفاع عن الباطل ومساندته 26.
ويأتي أهمية البيان من كونه قوة مؤثرة في تحريك النفوس وتوجيه الناس، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرًا) 27. يقول ابن حبان البستي معلقًا على هذا الحديث: «وشبه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البيان بالسحر؛ إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته، والفصيح الذرب اللسان يستميل قلوب الناس إليه بحسن فصاحته ونظم كلامه، فالأنفس تكون إليه تائقة، والأعين إليه رامقة» 28.
وما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله، ويتعرض له بإثبات أو نفي، فإن كل ما يتناوله الضمير يعبر عنه بحق أو باطل، وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء، فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور، والآذان لا تصل إلى غير الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلى غير الأجسام، وكذلك سائر الأعضاء، بخلاف اللسان، فإنه رحب الميدان، ليس له نهاية، ولا حد له، فله في الخير مجال رحب، وله في الشر بحر سحب 29.
وأخبر الله أنه أنزل القرآن مصدق بما قبله من الكتب، فقال: {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ} [الأحقاف:12] .
وزاده ثناء بكونه {لِسَانًا عَرَبِيًّا} أي: باللغة العربية، فإنها أفصح اللغات، وأنفذها في نفوس السامعين، وأحب اللغات للناس، فإنها أشرف وأبلغ وأفصح من اللغة التي جاء بها كتاب موسى عليه السلام، ومن اللغة التي تكلم بها عيسى عليه السلام، ودونها أتباعه أصحاب الأناجيل.
«لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها، قال تعالى ? {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:192 - 195] .
فوصفه سبحانه بأبلغ ما يوصف به الكلام وهو البيان ... فلما خص سبحانه اللسان العربي بالبيان علم أن سائر اللغات قاصرة عنه وواقعة دونه» 30.
وأدمج لفظ (لسانًا) للدلالة على أن المراد بعربيته عربية ألفاظه لا عربية أخلاقه وتعاليمه؛ لأن أخلاق العرب يومئذٍ مختلطة من محاسن ومساوئ، فلما جاء الإسلام نفى عنها المساوئ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) 31.
ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع الفصاحة والجزالة التي لا توجد في سائر الألسنة، قال بعض الحكماء: حكمة الروم في أدمغتهم؛ لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم؛ لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم، بحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم 32.
والمقصود أن الله تعالى خص العرب بفهم القرآن ومعرفته، وفضلهم على غيرهم بعلم أخباره، ومعاني ألفاظه، وخصوصه وعمومه، ومحكمه ومبهمه، وخاطبهم بما عقلوه وعلموه ولم يجهلوه، وقبلوه ولم يدفعوه، وعرفوه فلم ينكروه؛ إذ كانوا قبل نزوله عليهم يتعاملون بمثل ذلك في خطابهم ولغاتهم وكلامهم 33.
واللسان وسيلة لتبليغ الخير للناس، ودعوتهم إلى الله، وقد ذكر جل وعلا أنه يسر هذا القرآن بلسان هذا النبي العربي الكريم؛ ليبشر به المتقين، وينذر به الخصوم الألداء، وهم الكفرة، فقال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم:97] .
وقال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الدخان:58] .
يخبر تعالى عن نعمته تعالى، وأن الله يسر هذا القرآن الكريم بلسان النبي صلى الله عليه وسلم، يسر ألفاظه ومعانيه؛ ليحصل المقصود منه والانتفاع به {لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} بالترغيب في المبشر به من الثواب العاجل والآجل، وذكر الأسباب الموجبة للبشارة {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} أي: شديدين في باطلهم، أقوياء في كفرهم فتنذرهم، فتقوم عليهم الحجة، وتتبين لهم المحجة، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة 34.
وفي قوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} إشارة إلى أهمية اللسان الذي هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك لسان قومه، يفهمون به ما يقوله لهم، ويحيط هو كذلك علمًا بما يقولون له، مما يفهم منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بلغ القمة في فصاحة الكلام ووضوح الخطاب وقوة الحجة.
فيكون المراد باللسان في قوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} اللغة، أي: بلغتك، وهي العربية، كقوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:193 - 195] .
فإن نزول القرآن بأفضل اللغات وأفصحها هو من أسباب فضله على غيره من الكتب، وتسهيل حفظه ما لم يسهل مثله لغيره من الكتب 35.
والباء في قوله: (بلسانك) للسببية، أي: بسبب لغتك، أي: العربية، وذكر قوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} لبيان الحكمة في إنزال القرآن باللسان العربي، وفي إضافة اللسان إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم عناية بجانبه، وتعظيم له، وإلا فاللسان لسان العرب، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم:4] .
وإطلاق اللسان وهو اسم الجارحة المعروفة في الفم على اللغة مجاز شائع؛ لأن أهم ما يستعمل فيه اللسان الكلام 36.
وفي الآية دلالة على دور اللسان في الدعوة والتبليغ، لأن الله بين أنه يسر ذلك بلسانه ليبشر به وينذر، ولولا أنه تعالى نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم. ويرجع سبب ذلك التيسير كونه بأفصح اللغات، وكونه على لسان أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك كان تسببه في حصول تذكرهم تسببًا قريبًا لو لم يكونوا في شك يلعبون 37.
وإذ كان القرآن كلامًا فمعنى تيسيره يرجع إلى تيسير ما يراد من الكلام، وهو فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم به، دون كلفة على السامع، ولا إغلاق، كما يقولون: يدخل للأذن بلا إذن. وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني: فأما من جانب الألفاظ فذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي: فصاحة الكلام وانتظام مجموعها بحيث يخف حفظها على الألسنة.
وأما من جانب المعاني فبوضوح انتزاعها من التراكيب، ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له، وبتولد معان من معان أخر، كلما كرر المتدبر تدبره في فهمها ووسائل ذلك لا يحيط بها الوصف 38.
وفي الآية الأخرى قال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلًا واضحًا بينًا جليًّا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها، وعلل هذا التيسير بقوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: يتفهمون ويعملون 39.
والمقصود أن من وسائل الدعوة الوسيلة اللسانية، وهي أبرز وسيلة دعوية يقوم بها الرجل، وتقوم بها المرأة، واستخدام اللسان في المجال الدعوي إما عن طريق الدرس، وإما عن طريق الخطابة، وإما عن طريق المحاضرة، وإما عن طريق الدعوة الفردية، وهناك طرق كثيرة جدًا، وممكن أن يستفيد المسلم مما أعطاه الله سبحانه وتعالى، ويحاول قدر جهده أن يستثمر هذا اللسان الذي وهبه الله سبحانه وتعالى في مجال الدعوة، وهناك مجالات عدة للاستفادة من الجانب اللساني ليس المقصود بسطها في هذا الموضع.
أولًا: اللسان بين الصدق والكذب:
ذكر الله تعالى صفة الكذب في اللسان، فقال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل:116] .
وقال: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} [النحل:62] .