فهرس الكتاب

الصفحة 1976 من 2431

البشرى

أولًا: المعنى اللغوي:

الباء والشين والراء أصل واحد: هو ظهور الشيء مع حسن وجمال، فالبشرة ظاهر جلد الإنسان، وسمي البشر بشرًا لظهورهم، والبشير الحسن الوجه، والبشارة الجمال، وأبشرت الرجل وبشرته وبشرته: أخبرته بسار بسط بشرة وجهه؛ وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، واستبشر: إذا وجد ما يبشره من الفرح، ويقال للخبر السار: البشارة والبشرى، ويقال: أبشر، أي: وجد بشارة، وتباشير الوجه وبشره: ما يبدو من سروره، وتباشير الصبح: ما يبدو من أوائله، وتباشير النخيل: ما يبدو من رطبه، ويسمى ما يعطى المبشر: بشرى وبشارة، والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكني بها عن الجماع، والبشرى: ما يبشر به، وما يعطاه المٌبشر 1.

من خلال ما سبق تبين أن المعنى اللغوي للبشرى يدور حول الخبر السار والمفرح، والحسن والجمال الذي يظهر على الوجه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف الجرجاني البشارة بقوله: «كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب» 2.

وقال الراغب الأصفهاني البشرى: «إظهار غيب المسرة بالقول» 3.

وذكر ابن عاشور تعريف للبشرى بقوله: «خبر بحصول ما فيه نفع ومسرة للمخبر به» 4.

وقال الفخر الرازي البشرى: «عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم» 5.

ويتضح مما سبق أن البشرى في الاصطلاح تعني نقل الأخبار السارة التي تحمل النفع والمسرة والاستبشار بحصول الخير لمن نقل إليه الخبر.

وبهذا تظهر العلاقة الواضحة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظة البشرى

ووردت مادة (بشر) في القرآن الكريم (123) مرة، يخص موضوع البشرى منها (84) مرة.

والصيغ التي وردت هي 6:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 9 ... {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) } [الصافات:112]

الفعل المضارع ... 16 ... {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشورى:23]

فعل الأمر ... 21 ... {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) } [الأحزاب:47]

المصدر ... 18 ... {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) } [البقرة:97]

اسم الفاعل ... 11 ... {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) } [الفتح:8]

صيغة المبالغة ... 9 ... {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) } [فاطر:24]

وجاءت البشرى في الاستعمال القرآني بالمعنى اللغوي وهو: الإخبار بخبر سارٍ يبسط بشرة الوجه 7.

السرور:

السرور لغة:

يقال: سررت برؤية فلانٍ وسرني لقاؤه، وقد سررته أسره أي فرحته، السرور خلاف الحزن؛ تقول: سرني فلانٌ مسرةً، والسرور: ما ينكتم من الفرح 8.

السرور اصطلاحًا:

«حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد وعلم أو ظن لحصول شيء لذيذ» 9.

الصلة بين البشرى والسرور:

إن الاستبشار هو السرور بالبشارة، والاستفعال للطلب، والمستبشر بمنزلة من طلب السرور في البشارة فوجد، وأصل البشرة من ذلك لظهور السرور في بشرة الوجه 10.

الضحك:

الضحك لغة:

يقال ضحك يضحك ضَحِكًا، ومن ذلك الضحك وهو دليل الانكشاف والبروز 11.

الضحك اصطلاحًا:

«انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس» 12.

الصلة بين البشرى والضحك:

الضحك: انبساط الوجه ويكون بعد سماع الخبر السار كالبشرى مثلًا، فالضحك يكون بعد البشرى السارة.

الفرح:

الفرح لغة:

يقال فرح يفرح فرحًا، فهو فرحٌ على خلاف الحزن 13.

الفرح اصطلاحًا:

«انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية الدنيوية» 14.

الصلة بين البشرى والفرح:

الفرح قد يكون بما ليس فيه نفع ولا لذة، والبشرى على الأكثر تستعمل في الخير، والخبر السار الذي يصاحبه النفع واللذة 15.

الإنذار:

الإنذار لغة:

أصلها النون والذال والراء كلمةٌ تدل على تخويفٍ أو تخوفٍ، منه الإنذار: الإبلاغ ; ولا يكاد يكون إلا في التخويف 16.

الإنذار اصطلاحًا:

«الإعلام بما يحذر، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يسع زمانه الاحتراز» 17.

الصلة بين البشرى والإنذار:

الإنذار: إخبارٌ وإعلام معه تخويف، عكسه التبشير: الذي هو إخبار فيه سرور ولذة ومنفعة 18.

قرن الله سبحانه وتعالى في القرآن بين البشارة والنذارة في آيات كثيرة، وقدم فيها البشارة على النذارة إلا في آيتين مكيتين، هما:

قوله تعالى: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] .

وقوله تعالى: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} [هود: 2] .

من الآيات التي قدمت فيها البشارة على النذارة:

قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [البقرة: 119] .

وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28] .

وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [فاطر: 24] وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] .

وهنا تساؤل: لماذا قال: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} مع أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين؟

والجواب فيه قولان:

أحدهما: أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلا أنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذكر الثانية؛ لأن ذكر إحداهما يفيد ذكر الأخرى.

والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان نذيرًا وبشيرًا للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون. فلهذا السبب خصهم الله بالذكر 19.

وبدأ بالنذارة لأن السائلين عن الساعة كانوا كفارًا، إما مشركو قريش وإما اليهود، فكان الاهتمام بذكر الوصف من قوله: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ} آكد وأولى بالتقديم 20.

«والرسول صلى الله عليه وسلم نذير وبشير للناس أجمعين، ولكن الذين يؤمنون هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة، فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به، ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين، إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه، ولا يكشف أسراره، ولا يعطي ثماره إلا لقوم يؤمنون» 21.

تنوعت البشارات في القرآن على النحو الآتي:

أولًا: البشارات العامة:

بُشِّرَ المؤمنون ببشارات عامة، لم يذكر فيها المبشر به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

فإن قلت: لم لم يذكر ما يبشرهم به؟

قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: «لم يذكر ما يبشرهم به لتعظيم شأنه، وشموله لخير الدنيا، وسعادة الآخرة» 22.

فإن قلت: لم لم يذكر مقدار البشرى وصفتها؟

قيل: لأن مقدارها وصفتها بحسب حال المؤمنين وإيمانهم، قوة وضعفًا، وعملًا بمقتضاه.

وهذه البشرى للمؤمنين تدل دلالة واضحة على محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.

وقد ذكرت صفات للمؤمنين المبشرين بالبشارات العامة في آيات منها:

1.المقيمون الصلاة.

قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87] .

أي: وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله بحفظ الله إياهم من فتنة فرعون وملئه الظالمين لهم وتنجيتهم من ظلمهم وبالنصر والتأييد، وإظهار دينهم.

2.الممتثلون لأحكام الله عز وجل.

قال تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] .

فالآية تبشر المؤمنين الذين يتقون الله عز وجل في إتيان أزواجهم في موضع الحرث، بأن هذا العمل عبادة لله عز وجل؛ لأنهم يحققون حكمة الله من خلقه للزوجين، وذرء النسل وخلافة البشر في الأرض.

3.المجاهدون في سبيل الله.

قال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13] .

أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إياهم على عدوهم، وفتحٍ عاجلٍ لهم 23.

4.الموفون ببيعتهم مع الله.

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) } [التوبة: 111 - 112] .

هاتان الآيتان تبينان حال المؤمنين حق الإيمان، البالغين فيه ما هو غايةٌ له من الكمال، وهم:

{التَّائِبُونَ} أي: الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات.

{الْعَابِدُونَ} أي: المتصفون بالعبودية لله، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين.

{الْحَامِدُونَ} لله في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما لله عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على الله بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار.

{السَّائِحُونَ} فسرت السياحة بالصيام، أو السياحة في طلب العلم، وفسرت بسياحة القلب في معرفة الله ومحبته، والإنابة إليه على الدوام، والصحيح أن المراد بالسياحة: السفر في القربات، كالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك.

{الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} أي: المكثرون من الصلاة، المشتملة على الركوع والسجود.

{الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات.

{وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وهي جميع ما نهى الله ورسوله عنه.

{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} بتعلمهم حدود ما أنزل الله على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلًا وتركًا 24.

ثم أمر الله رسوله ببشارتهم، فقال: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} : أي المتخلقين بها بكل ما يسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة، وفي الآيتين بالبشارة تارة من الخالق {فَاسْتَبْشِرُوا} ، وتارة من أكمل الخلائق {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} أعظم مزية للمؤمنين، وفي جعل الأولى من الله أعظم ترغيب في الجهاد، وأعلى حث على خوض غمرات الجلاد 25.

قاعدتا الثواب في القرآن:

يقرن القرآن دائمًا بين الإيمان والعمل الصالح، كلما ذكر العمل والجزاء، فلا جزاء على إيمان عاطل خامد لا يعمل، ولا يثمر، ولا على عمل منقطع لا يقوم على الإيمان.

ثانيًا: البشارات الخاصة:

من أعظم ما يبشر به المؤمن في الدنيا الولد الصالح الحامل لنور الهداية:

-تبشير إبراهيم بإسحاق عليهما السلام مع كبر سنه وامرأته عجوز.

قالت الملائكة لإبراهيم عليه السلام: (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ?53?) [الحجر: 53] .

وهو إسحاق عليه السلام، تضمنت هذه البشارة بأنه ذكر لا أنثى، عليم، أي: كثير العلم، وفي الآية الأخرى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [الصافات 112] .

فقال لهم متعجبًا من هذه البشارة: (أبشر تموني) بالولد (عَلَى? أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ) وصار نوع إياس منه (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) أي: على أي وجه تبشرون، وقد عدمت الأسباب؟

(قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ) الذي لا شك فيه؛ لأن الله على كل شيء قدير، وأنتم بالخصوص -يا أهل هذا البيت- رحمة الله وبركاته عليكم فلا يستغرب فضل الله وإحسانه إليكم 26.

وقوله: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) قيل: إنه يستطيب تلك البشارة، فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى، ومرتين وأكثر طلبًا للالتذاذ بسماع تلك البشارة، وطلبًا لزيادة الطمأنينة والوثوق، مثل قوله: (وَلَ?كِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260] .

وقيل أيضًا: استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟ 27.

وقال أبو حيان رحمه الله «قولهم له: فلا تكن من القانطين نهي، والنهي عن الشيء لا يدل على تلبس المنهي عنه به ولا بمقارنته. وقوله: ومن يقنط رد عليهم، وأن المحاورة في البشارة لا تدل على القنوط، بل ذلك على سبيل الاستبعاد لما جرت به العادة، وفي ذلك إشارة إلى أن هبة الولد على الكبر من رحمة الله؛ إذ يشد عضد والده به ويؤازره حالة كونه لا يستقل ويرث منه علمه ودينه» 28.

-تبشير زكريا بيحيى عليهما السلام مع كبر سنه وامرأته عاقر.

قال تعالى: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى? لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ?7?قَالَ رَبِّ أَنَّى? يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ?8?قَالَ كَذَ?لِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ?9?) [مريم: 7 - 9] .

أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة بـ «يحيى» وسماه الله له «يحيى» وكان اسمًا موافقًا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود الذي طلبه استغرب وتعجب، وقال: (?قَالَ رَبِّ أَنَّى? يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) [مريم: 8] .

والحال أن المانع من وجود الولد، موجود بي وبزوجتي؟ وكأنه وقت دعائه، لم يستحضر هذا المانع لقوة الوارد في قلبه، وشدة الحرص العظيم على الولد، وفي هذه الحال، حين قبلت دعوته، تعجب من ذلك، فأجابه الله بقوله: (كَذَ?لِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) [مريم: 9] .

أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن شيئًا 29.

وهنا تساؤل: لماذا تعجب زكريا عليه السلام من البشارة بالولد؟

هذا التعجب تعجب مكنى به عن الشكر، فهو اعتراف بأنها عطية عزيزة غير مألوفة؛ لأنه لا يجوز أن يسأل الله أن يهب له ولدًا، ثم يتعجب من استجابة الله له 30.

-تبشير مريم بعيسى عليهما السلام.

قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45] .

يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله؛ لأنه كان بالكلمة من الله؛ لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته 31.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] .

لقد بشر كل نبي قومه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والله أفرد عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه آخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبين أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدًا بعد واحد حتى انتهت إلى عيسى عليه السلام.

العلامات والدلائل التي بشرت برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم:

لما أراد الله تعالى إعداد البشر لقبول رسالة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم استودعهم أشراطه وعلاماته على لسان كل رسول أرسله إلى الناس.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) } [آل عمران: 81 - 82] .

أي: أأخذتم إصري من أممكم على الإيمان بالرسول الذي يجيء مصدقًا للرسل، وقوله: {فَاشْهَدُوا} أي: على أممكم.

وقال تعالى في خصوص ما لقنه إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] .

وأوصى به عيسى عليه السلام في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] .

وصية جامعة لما تقدمها من وصايا الأنبياء 32.

-بشر الله تعالى أولياءه ببشارات في الدنيا والآخرة نتناولها فيما يأتي:

أولًا: البشارة بالثواب:

1.البشارة بالثواب في الدنيا.

بشر أولياء الله في الدنيا ببشارات، كما قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 62 - 64] .

من هذه البشارات: الرؤيا الصالحة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) 33.

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوفٌ خلف أبى بكرٍ، فقال: (أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له) 34.

2.البشارة بنصر من الله وفتح قريب.

قال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13] .

أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إياهم على عدوهم، وفتحٍ عاجلٍ لهم 35 تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع.

وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الإخبار بالغيب 36.

ثانيًا: البشارة بالثواب في الآخرة:

1.البشارة بالأجر الكبير.

قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] .

عن ابن جريجٍ رحمه الله {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} قال: «الجنة، وكل شيءٍ في القرآن أجرٌ كبيرٌ، أجرٌ كريمٌ، ورزقٌ كريمٌ فهو الجنة» 37.

2.البشارة بالمغفرة والأجر الكريم.

قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11] .

أي: بشرهم بمغفرة الذنوب، ودخول الجنات.

3.البشارة بالأجر الحسن.

قال تعالى: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} [الكهف: 2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت