ثم قال: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه، ومكايد حربه، تألفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها؛ ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه، أو إلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادقٍ وتأخٍ للحق، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم 125.
6.الأمر بالصلاة والزكاة.
قال تعالى: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 55] .
يقول الإمام الرازي: «قوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} والأقرب في الأهل أن المراد به من يلزمه أن يؤدي إليه الشرع، فيدخل فيه كل أمته من حيث لزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة، هذا إذا حمل الأمر على المفروض من الصلاة والزكاة، فإن حمل على الندب فيهما كان المراد أنه كما كان يتهجد بالليل يأمر أهله، أي: من كان في داره في ذلك الوقت بذلك، وكان نظره لهم في الدين يغلب على شفقته عليهم في الدنيا، بخلاف ما عليه أكثر الناس، وقيل: كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم.
كما قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] .
{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] .
{قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] .
وأيضًا فهم أحق أن يتصدق عليهم، فوجب أن يكونوا بالإحسان الديني أولى، فأما الزكاة فعن ابن عباس رضي الله عنه أنها طاعة الله تعالى والإخلاص، فكأنه تأوله على ما يزكو به الفاعل عند ربه، والظاهر أنه إذا قرنت الزكاة إلى الصلاة أن يراد بها الصدقات الواجبة، وكان يعرف من خاصة أهله أن يلزمهم الزكاة، فيأمرهم بذلك، أو يأمرهم أن يتبرعوا بالصدقات على الفقراء، ورابعها: قوله: {وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} وهو في نهاية المدح؛ لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات» 126.
لاشك أن أوامر المؤمنين ستكون متفقة مع المنهج النبوي الذي يحقق السعادة لمتبعها في الدنيا والآخرة، ويمكن إيضاح أوامر المؤمنين كما يلي:
1.الأمر بالمعروف.
قال تعالى متحدثًا عن صفات المؤمنين: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .
يذكر الحق سبحانه أوصاف المؤمنين وأعمالهم الحسنة، وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة، فمن أوصافهم: أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فقال تعالى: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} أي: يأمرون الناس بكل خيرٍ وجميلٍ يرضي الله، وينهونهم على كل قبيح يسخط الله، فهم على عكس المنافقين الذين يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف 127.
وهذا ما أمر به لقمان ابنه بقوله: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .
فالمؤمن الحقيقي يتخذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساسًا ومنهجًا له بضوابط وأصول الشرع.
2 -3. الصدقة والإصلاح بين الناس.
قال الحق سبحانه وتعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] .
فقوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} قيل المراد بهم: قوم طعمة، وقال مجاهد: الآية عامة في حق جميع الناس، والنجوى: هي الإسرار في التدبير، وقيل: النجوى ما ينفرد بتدبيره قوم سرًا كان أو جهرًا، فمعنى الآية: لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم، والله تعالى جعل النجوى مظنة الإثم والشر غالبًا، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المجادلة: 9] .
{إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} أي: إلا في نجوى من أمر بصدقة، فالنجوى تكون فعلًا، وقيل: هذا استثناء منقطع، يعني: لكن من أمر بصدقة، وقيل: النجوى ها هنا الرجال المتناجون، كما قال الله تعالى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء: 47] .
{إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} أي: حث عليها {أَوْ مَعْرُوفٍ} أي: بطاعة الله وما يعرفه الشرع، وأعمال البر كلها معروف؛ لأن العقول تعرفها.
فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه؛ وليعلم أنه من فرض زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة، ففاتت، فأعقبت ندمًا.
ويقول الإمام الرازي: وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة، أو بدفع المضرة، أما إيصال الخير، فإما أن يكون من الخيرات الجسمانية، وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله: {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} وإما أن يكون من الخيرات الروحانية، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعهما عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإشارة بقوله: {أَوْ مَعْرُوفٍ} وأما إزالة الضرر، فإليها الإشارة بقوله: {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية 128.
فلقد حض القرآن على الإصلاح بين الناس سواء أكانوا جماعات أم أفرادًا؛ لأن التخاصم والتنازع يؤدي إلى انتشار العداوات والمفاسد بين الناس، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 21] .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة؟) قال: قلنا: بلى، قال: (إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة) 129.
4.ثمرة الشورى.
قال: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] .
يقول الإمام ابن عاشور: «فإذ قد كانت الشورى مفضية إلى الرشد والصواب، وكان من أفضل آثارها أن اهتدى بسببها الأنصار إلى الإسلام؛ أثنى الله بها على الإطلاق دون تقييد بالشورى الخاصة التي تشاور بها الأنصار في الإيمان، وأي أمر أعظم من أمر الإيمان» 130.
فمن ثمرة أمرهم بالشورى: أنه لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعًا عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم، وكمال عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمرًا من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها اجتمعوا لها، وتشاوروا، وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها؛ وذلك كالرأي في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء أو غيره، وكالبحث في المسائل الدينية عمومًا، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية 131.
ولذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على الائتمار بالمعروف بين الزوجين، فقال: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6] .
ثالثًا: أوامر المنافقين:
مما لا يحتاج إلى بيان أن أوامر المنافقين تنصب في جانب الشر والفساد، وتوصل متبعها إلى الهلاك والخسران، وهذا ما بينه القرآن من خلال إبرازه لأوامر المنافقين، والمظهرة كما يلي:
1.الأمر بالمنكر.
قال تعالى: {وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] .
يقول تعالى ذكره: في شأن المنافقين والمنافقات، وهم الذين يظهرون للمؤمنين الإيمان بألسنتهم، ويسرون الكفر بالله ورسوله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بعضهم على دين بعض، وقال مقاتل: بعضهم أولياء بعض، {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ} وهو الكفر، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} وهو الإيمان.
وفي قوله تعالى: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أربعة أقوال:
أحدها: يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد.
والثاني: عن كل خير، قاله قتادة.
والثالث: عن الجهاد في سبيل الله.
والرابع: عن رفعها في الدعاء إلى الله، ذكرهما الماوردي 132.
ثم أتبع ذلك بقوله: {نَسُوا اللَّهَ} أي: نسوا ذكر الله {فَنَسِيَهُمْ} أي: عاملهم معاملة من نسيهم، كقوله تعالى: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الجاثية: 34] .
وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي: الخارجون عن طريق الحق، الداخلون في طريق الضلالة 133.
قال الإمام الرازي: «اعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم، والمقصود: بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة، والأفعال الخبيثة، أي: في صفة النفاق؛ وذلك كما يقول إنسان لآخر: أنت مني وأنا منك، أي: أمرنا واحد لا مباينة فيه ولا مخالفة» 134.
قال الإمام الزمخشري: أريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ} [التوبة: 56] .
وتقرير قوله: {وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين بقوله: {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ} كالكفر والمعاصي {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} كالإيمان والطاعات 135.
2.الأمر بالبخل.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37] .
وقال: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: 24] .
فالحق سبحانه يقول: إن الله لا يحب المختال الفخور، الذي يبخل، ويأمر الناس بالبخل، و (البخل) في كلام العرب: منع الرجل سائله ما لديه، وعنده ما فضل عنه، و (الشح) : أن يشح على ما في أيدي الناس، ويحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحل والحرام، لا يقنع، وقد قيل: إن الله جل ثناؤه عنى بقوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} الذين كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وصفته من اليهود، ولم يبينوه للناس، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد المنافقون الذين كان إنفاقهم وإيمانهم تقية، والمعنى: إن الله لا يحب كل مختال فخور، ولا الذين يبخلون {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} توعد المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأول عدم المحبة، والثاني عذابًا مهينًا 136.
3.أمر الغير بالبر دون النفس.
قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] .
اختلف العلماء في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه، أحدها: وهو قول السدي: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونهم عن معصية الله، وهم كانوا يتركون الطاعة، ويقدمون على المعصية ... وسادسها: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم في الظاهر، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه، وسابعًا: أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة، ثم إنهم خالفوه؛ لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم ما آمنوا به 137.
أي: أتأمرون الناس بالطاعة، وتتركون أنفسكم فلا تتبعونه، وأنتم تقرؤون التوراة فيها نعته وصفته، أفلا تعقلون أنه حق فتتبعونه؟ والعقل مأخوذ من عقال الدابة، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه من الشرود، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود 138.
فالمراد بقوله: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وتنسون أنفسكم أنكم تغفلون عن حق أنفسكم، وتعدلون عما لها فيه من النفع، أما قوله: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} فمعناه: تقرؤون التوراة وتدرسونها، وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم، وأما قوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم، ونظيره قوله تعالى: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67] 139.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب) 140.
رابعًا: أوامر الجبابرة والمسرفين:
تتمثل أوامر الجبابرة والمسرفين كما يلي:
1.أمرهم بالكفر بالله.
كما قال: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا} [سبأ: 33] .
فالآية تشير إلى ما قاله الأتباع للرؤساء في الضلال: قالوا لهم: صدنا مكركم بنا، وخداعكم في الليل والنهار حين كنتم تأمروننا أن نكفر بالله، ونجعل له أمثالًا وأشباهًا في العبادة، وإجمال ذلك: ما صدنا إلا مكركم أيها الرؤساء بالليل والنهار حتى أزلتمونا عن عبادة الله، فأنتم كنتم تغروننا وتمنوننا وتخبروننا أننا على الهدى، وإنا على شيء، وكل ذلك باطل وكذب، وهذا تطاول من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم واحتقروهم، حين علموا كذبهم وبهتانهم، وقد حكي نظير ذلك في قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة: 166] .
والمراد بالذين استضعفوا: الأتباع والعامة من الناس، والمراد بالذين استكبروا: الزعماء والقادة والرؤساء 141.
وهذا ما فعله فرعون وتبعه فيه قومه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 96 - 97] .
قال الزجاج: يعني: بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته.
{وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي: حجة بينة، ثم قال: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} أي: شأنه وحاله، وهو ما أمرهم به من عبادته واتخاذه إلهًا، وخالفوا أمر الله تعالى {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} أي: مرشد إلى خير 142. أو بسديد يؤدي إلى صواب.
2.الأمر بعبادة غير الله.
كما قال: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] .
وهذه كنتيجة لما قبلها، أو هي من لاوازم الأمر بالكفر بالله.
يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لمشركي قومك، الداعين إلى عبادة الأوثان: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ} أيها الجاهلون بالله {تَأْمُرُونِّي} أن {أَعْبُدُ} ولا تصلح العبادة لشيء سواه؛ وذلك حين قال له المشركون: استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه 143.
وأقول: نظير هذه الآية، قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14] .
وإنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقًا للأشياء، وبكونه مالكًا لمقاليد السماوات والأرض، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة، فقد بلغ في الجهل مبلغًا لا مزيد عليه؛ فلهذا السبب قال: {أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} ولاشك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع 144.
3.الأمر بالفاحشة.
قال تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] .
فتقول امرأة العزيز لسيدنا يوسف عليه السلام: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ} يعني: وإن لم يطاوعني فيما دعوته إليه، أي: فيما قد أمرته فيما تقدم ذكره عند أن أغلقت الأبواب، وقالت: هيت لك، يعني حينما طلبت منه الفحشاء فأبى، ولئن لم يفعل ما أمره به مستقبلًا {لَيُسْجَنَنَّ} أي: ليعاقبن بالسجن والحبس {وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} يعني: من الأذلاء المهانين، فقال النسوة ليوسف: أطع مولاتك فيما دعتك إليه، فاختار يوسف السجن على المعصية حين توعدته المرأة بذلك، والمراد: أن يوسف عليه السلام إن لم يوافقها على مرادها يوقع في السجن وفي الصغار، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس، عظيم الخطر، مثل يوسف عليه السلام 145.
4.يقتلون الذين يأمرون بالقسط.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] .
قال الإمام القرطبي: «قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم، ففيهم نزلت هذه الآية، وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء -صلوات الله عليهم- تجئ إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط، أي بالعدل، فيقتلون» 146.
وهذا ذمٌ من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديمًا وحديثًا، التي بلغتهم إياها الرسل، استكبارًا عليهم، وعنادًا لهم، وتعاظمًا على الحق، واستنكافًا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} وهذا هو غاية الكبر 147.
ومثله: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20] .
5.الإفساد في الأرض من الشرك ومخالفة الحق.
قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 150 - 152] .