أولًا: المعنى اللغوي:
مصدر قولهم: ضعف يضعف، وهو مأخوذٌ من مادة «ض ع ف» التي تدل على خلاف القوة، يقال منه: ضَعُف فهو ضعيفٌ، والضَعْف بفتح الضاد لغة تميم، وبضمها لغة قريش، وقيل: الضُعف-بالضم- في الجسد، والضَعف -بالفتح- في الرأي والعقل 1.
ويقول الراغب الأصفهاني: والضعف قد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال 2.
والضُعفة: ضعف الفؤاد وقلة الفطنة، ورجل مضعوفٌ ومبهوتٌ إذا كان في عقله ضعفٌ. وأضعف الرجل: ضعفت دابته يقال هو ضعيفٌ مضعف: فالضعيف في بدنه والمضعف في دابته، وضعفه السير: أي أضعفه 3. ففي حديث خيبر: (من كان مضعفًا فليرجع) 4، أي: من كان دابته ضعيفةً 5.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الضعف وهن القوة حسًا أو معنى، وهو من فعل الله تعالى، كما أن القوة من فعل الله، تقول: خلقه الله ضعيفًا، أو خلقه قويًا، قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] .
ويكون الضعف في النفس، وفي البدن، وفي الحال. وقيل: الضعف في العقل والرأي، وبالضم في الجسم، وبالكسر بمعنى المثل 6.
يقول ابن القيم: فإنه -أي الإنسان- ضعيف البنية ضعيف القوة ضعيف الإرادة ضعيف العلم ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صيب الحدور، فبالاضطرار لابد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين، فالهلاك أقرب إليه من نفسه 7.
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معناه اللغوي، فكلاهما يدل على خلاف القوة.
وردت مادة (ض ع ف) الدالة على الضعف في القرآن الكريم (30) مرة 8.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 8 ... {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) } [الحج:73]
الفعل المضارع ... 2 ... {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} [القصص:4]
اسم المفعول ... 5 ... {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال:26]
اسم تفضيل ... 2 ... {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) } [الجن:24]
مصدر ... 4 ... {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} [الروم:54]
صفة مشبهة ... 9 ... {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) } [النساء:28]
وجاء (الضعف) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو خلاف القوة 9.
الوهن:
الوهن لغة:
مأخوذ من مادة «و هـ ن» التي تدل على الضعف. تقول منه: وهن الشيء يهن وهنًا: ضعف، وأوهنته أنا «أي أضعفته» . والوهن: الضعف في العمل وفي الأشياء، وكذلك في العظم ونحوه 10.
الوهن اصطلاحًا:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الدال على الضعف، سواء في العمل أو الأشياء.
الاستكانة:
الاستكانة لغة:
مأخوذة من مادة «س ك ن» التي تدل على الخضوع والذلة، ويقال: استكان فلان، إذا خضع 11.
الاستكانة اصطلاحًا:
لا يختلف عن معناه اللغوي الدال على الاستسلام والخضوع والذل.
الصلة بين الضعف، والوهن، والاستكانة:
فرق الرازي بينها بأن الوهن: ضعف القلب أو الجبن، والضعف: مطلقٌ شاملٌ لكافة أنواع الضعف البدني والمادى. والاستكانة: التظاهر بالعجز 12.
يتحدث هذا العنوان عن أنواع الضعف عند الإنسان، وهو نوعان:
أولًا: الضعف الطبيعي:
كل عباد الله ضعفاء ضعفًا ذاتيًا وهو ضعف طبيعي، لقوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] .
والمراد بضعف الإنسان الطبيعي ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه ضعيف في أصل الخلقة. قال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين.
والثاني: أنه قلة الصبر على النساء. والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى 13، فإن هواه يستميله، وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد الضعف 14.
وقال مجاهد وغيره: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه، وضعف عزمه وهمته 15.
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله: «وذلك لرحمته التامة، وإحسانه الشامل، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله تعالى عنه ما يضعف عنه، وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته» 16.
وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض مظاهر هذا الضعف، والتي منها:
1.ضعف في أصل الخلقة.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 28] .
إن الله تبارك وتعالى خلق هذا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون، ذلك لأن لعنصرى الصلصال والحمإ المسنون في خلق الإنسان وفي حياته بعد ذلك دورًا لا يمكن إغفاله، فالصلصال لا يتماسك كثيرًا، بل سرعان ما يتحطم ويتفتت، فهو هش لأنه الطين الذي جففته الشمس، فهو لا يملك خاصية المحافظة على ذاته، فسرعان ما يتفتت، فليس في شدته كالفخار الذي سوته النار، والحمأ المسنون: الطين الذي اشتد سواده وتغيرت رائحته تغيرًا مكروهًا والمسنون المصور. هاتان خصيصتان: عدم التماسك وعدم الاحتفاظ بخاصية الصلاح وطروء الفساد والتغير، وهما ملازمتان للإنسان، إلا إذا تداركه الله بعفوه ورحمته، فإنه حين ذلك يكون قويًا بعيدًا عن أن يطرأ عليه فساد 17.
2.ضعف أمام الشهوات.
فالإنسان يميل بفطرته إلى حب الشهوات كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران: 14] .
ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصيل، وهذا ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو 18.
والإنسان بطبعه خلق خلقًا لا يتمالك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك) 19.
وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض الصفات البشرية الدالة على الضعف، ومنها:
1.ظلوم كفار.
قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .
هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالمٌ متجرئ على المعاصي، مقصر في حقوق ربه، كفار لنعم الله لا يشكرها ولا يعترف بها، إلا من هداه الله، فشكر نعمه، وعرف حق ربه، وقام به 20.
وقال تعالى في موضع آخر واصفًا الإنسان بأنه جهول: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .
وهذا دليل على كثرة الظلم والجهالة، لا ينفك الإنسان من التخلق منها رغم كل ما وصل إليه وما سيصل إليه من حضارة وتقدم.
2.عجول.
لقد وصف القرآن الكريم الإنسان بأنه عجول.
قال تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11] .
والعجل هو العجلة والتسرع والسبق إلى مخاطر الأمور من غير تفكير، وقوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] .
هذا التعبير فيه تأكيد في عجلته، وكأنه يكون من عجلة، وهذا كناية عن استعجاله للأمور، وفيه مجاز بتشبيه في عجلته وكونها طبعًا له غير منفصل عن ذاته بأنه خلق منها طبعًا له لا تنفصل عنه 21.
فالعجلة في طبعه وتكوينه وهو يمد ببصره دائمًا إلى ما وراء اللحظة الحاضرة يريد ليتناوله بيده، ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله، ويريد أن يستحضر ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه.
3.يؤوس قنوط.
قال تعالى: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت: 49] .
هذه هي طبيعة الإنسان يؤوس من الخير، كفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه، مع أنها كانت هبة من الله تعالى له 22.
4.هلوع.
قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج: 19] .
الهلع قلة إمساك النفس عن اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها أو عند توقع ذلك والإشفاق منه. والهلع طبيعة كامنة فيه مع خلقه تظهر عند ابتداء شعوره بالنافع والضار فهو من طباعه المخلوقة كغيرها من طباعها البشرية. والهلع صفة غير محمودة فوصف الإنسان هنا بها لوم عليه في تقصيره عن التخلق بدفع آثارها 23.
ثانيًا: ضعف طارئ:
الضعف الطارئ هو الضعف الكسبي، أي ما يكتسبه العبد من أعمال وأقوال تدل على هذا الضعف.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خيرٌ) 24.
فالتفاوت في ضعف المؤمنين وقوتهم هو بسبب قبول أسباب ضعف الإيمان أو قبول أسباب قوته، فإذا سعى المؤمن في إزالة ضعفه بمقتضى الأسباب المزيلة له، توصل إلى إزالة الضعف الذي يضر به، وهو الكسبي، ولا يضره الضعف الطبيعي الوهبي، لأن ما يصل به إلى درجة الكمال هو الإقبال على ما يتحقق به كمال إيمانه. والضعف الطارئ في المؤمنين يكون على قسمين: ديني، ودنيوي.
وعموم الضعف في المؤمنين يرجع إلى ضعف في الدين وهو المعنوي، وضعف في أمور الدنيا وهو الحسي، ومن المؤمنين من يجتمع فيه الضعفان. فأما الضعف في الدين فأصنافه اثنان: فقراء طالحون وأغنياء طاغون، فهؤلاء فقراء في الدين.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] .
وقوله: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [إبراهيم: 21] .
وأما الضعفاء في الدنيا فاثنان أيضًا: فقراء صالحون وفقراء فاسدون، والفقراء المنحرفون اجتمع فيهم الضعفان أيضًا، فعن حارثة بن وهب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) 25.
قال الحافظ ابن حجر: «والمراد بالضعيف: من نفسه ضعيفة، لتواضعه وضعف حاله في الدنيا، والمستضعف: المحتقر، لخموله في الدنيا» 26.
فالحديث دل على الضعف الحسي والمعنوي الممدوحين، فالضعف في الدين إذا كان بمعنى التواضع فهو ممدوح، والضعف الحسي إذا أجبر بالقوة الإيمانية فهو ممدوح. ومن الأدلة العامة في القرآن الكريم على الضعف الطارئ من حيث المعنى: قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11] .
أي: على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، فهو في قلق واضطراب فيه لا في سكون وطمأنينة، فمثله مثل الذي يكون على طرف من العسكر إن أحس بغنيمة قر وسكن، وإن كانت هزيمة فر وهام على وجهه، وهذا هو النفاق بعينه كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى في المنافقين: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 143] .
وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} [العنكبوت: 10] .
فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله.
وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض مظاهر الضعف الطارئ، والتي منها:
1.الجهل.
قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111] .
وقوله تعالى على لسان نبي الله لوط عليه السلام: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] .
فالجهل ضارب أطنابه على كثير من الناس، وهو فيهم بحسب قلة إقبالهم على علم الشريعة وكثرته، يقول ابن القيم رحمه الله: «أما شجرة الجهل فتثمر كل ثمرة قبيحة من الكفر والفساد والشرك والظلم والبغي والعدوان والجزع والهلع والكنود والعجلة والطيش والحدة والفحش والبذاءة والشح والبخل» 27.
2.تمكن الشهوات والشبهات من القلوب.
قد ذكر الله تعالى هذين المرضين في كتابه، أما مرض الشبهات وهو أصعبهما وأقتلهما للقلب، ففي قوله في حق المنافقين: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10] .
وقوله تعالى: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [المدثر: 31] .
وقال تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 53] .
فهذه ثلاثة مواضع المراد بمرض القلب فيها مرض الجهل والشبهة، وأما مرض الشهوة، ففي قوله: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32] .
أي: لا تلن في الكلام، فيطمع الذي في قلبه فجور وزنا» 28.
وقال ابن بطة: «لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات، مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرًا للشبهات» 29.
3.السقوط في الفتن.
والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال، ومرجها وتشتت البال وهي تظهر الضعف الكامن في باطن العبد، فإذا وقعت الفتنة في أي مجتمع إيماني لا تخرج ولا تنتهي إلا بنصيبها من المؤمنين، فمنهم من تنسفه، ومنهم من تزلزله، ومنهم من تضعفه في سيره إلى الله وتمسكه بدينه.
قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49] .
وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ} [الأعراف: 155] .
أي: تضل بمقتضاها من تشاء من عبادك ولست بالظالم لهم في تقديرك، وتهدي من تشاء ولست بالمحابي لهم في توفيقك، فأمرهم دائر بين العدل والفضل 30.
الناظر إلى الأحكام الشرعية يجد أنها جاءت في حدود الوسع وعدم المشقة، وليس فيها تضيق ولا حرج ولها أسباب منها اختيارية كالسفر والجهل والإكراه، ومنها أسباب اضطراريه وهي ما تحصل للإنسان رغمًا عنه كالمرض والنسيان.
قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] .
وقال سبحانه وتعالى: {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ} [المؤمنون: 62] .
هكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض، وفي ابتلائه في أثناء الخلافة، وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله، فلا يتبرم بتكاليفه، ولا يضيق بها صدرًا، ولا يستثقلها كذلك، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه. فهناك أوامر ونواهي، ولكنها في حدود الوسع وعدم المشقة وليس فيها تضييق وعسر وإحراج، لقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] .
وقوله تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .
وقوله: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} [الأحزاب: 38] .
هذا الكلام يفيد النفي المؤكد بأنه ليس في الدين حرج، والمعنى: ما كان من أمر الله تعالى في عباده أن يجعل الدين عليهم فيه مشقة مجهدة أو ضيق وحرج. ومثل ذلك الآيات التي جاءت تنفي الحرج عن فئة معينة، كقوله تعالى في سورتي النور والفتح: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [الفتح: 17] .
ولهذا التخفيف ومراعاة الضعف في الأحكام الشرعية أسباب تنقسم إلى قسمين:
1.أسباب اختيارية: وهي التي ينشئها الإنسان باختياره كالسفر المبيح للإفطار، وقصر الصلاة، وجمعها، فإن الإنسان مخير في إنشائه، إن شاء سافر، وإن شاء لم يسافر، إلى غير ذلك من الأمور التي ذكرت في كتب الفقه ولا يتسع المقام هنا للحديث عنها.
2.أسباب اضطرارية: وهي ما تحصل للإنسان رغمًا عنه، دون أن يكون له دخل في اختيارها، أو يحدثها بنفسه كالمرض والنسيان، وسنكتفي فيما يأتي بذكر طائفة محدودة مما أورده العلماء من التيسيرات سواء كانت في العبادات أو في غيرها: ففي حالة المرض نجد أن الشرع راعى التخفيف في كثير من العبادات منها:
حرص الشرع الحنيف على رعاية الضعفاء والمحتاجين والدفاع عنهم ونصرتهم، سواء كانت هذه الرعاية والنصرة معنوية أو حسية، فأوصى بالصغير ورعايته من قبل أن يخرج إلى الحياة الدنيا، كما أقر أن لليتيم حقوق يجب أن تراعى، منها: الإحسان إليه، والاهتمام به من الناحية النفسية، والاجتماعية، والمالية. بل نالت اليتيمة في القرآن الكريم رعاية خاصة. فكما عالجت مشكلة اليتامى الصغيرات من الناحيتين المادية والاجتماعية شأنها في ذلك شأن اليتامى الذكور.
عالجت أيضًا مشكلة اليتيمات إذا بلغن سن الزواج. بل للنساء على وجه العموم حق الرعاية والنصرة، وللوالدين كذلك حق الرعاية والإحسان.
وأما أصحاب الضعف الطارئ كالفقراء والمساكين وغيرهم من المحتاجين لأسباب بدنية (أولو الضرر) هؤلاء ينبغي العناية بهم واحترامهم ورعايتهم؛ فدعا سبحانه وتعالى إلى مجالستهم والإحسان إليهم، والإنفاق عليهم.