أولًا: المعنى اللغوي:
الأصل في كلمة النبوة أنها مأخوذة من مادة (نبأ) ، والنون والباء والهمزة قياسه الإتيان من مكان إلى مكان، يقال للذي ينبأ من أرض إلى أرض نابئ؛ لأنه يأتي من مكان إلى مكان، والفعل نبأته، وأنبأته، واستنبأته، والنبي: الذي يأتي بالأنباء عن الله عز وجل 1، فأخباره هي ما أمره الله أن يخبرنا بها؛ فهي تأتينا من فوق العرش. والجمع: الأنبياء، والنبيون.
وقيل: إنها مشتقة من النبوة والنباوة، وهي الارتفاع، أي: إنه أشرف على سائر الخلق، وأنه مفضل على سائر الناس برفع منزلته 2، والنبيء: الطريق الواضح 3.
وقيل: من النبأ: الخبر، والمنبئ: المخبر، ومنه قراءة نافع: (النبيئين) و (الأنبئاء) و (النبيئون) 4، ومفردها النبيء على وزن فعيل بمعنى فاعل للمبالغة؛ لأنه أنبأ عن الله تعالى، أي: أخبر، ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه، والاسم منها النبوءة، التي هي الإخبار عن الله جل جلاله 5.
وهذه المعاني الثلاثة تجتمع في النبي، يقول الإمام الخطابي رحمه الله: «وإنما سمي الأنبياء؛ لأنهم قد ارتفعت منزلتهم، واستعلت درجتهم على سائر الخلق، والنبي: الطريق، وسمي رسل الله أنبياء لأنهم الطرق إلى الله» 6.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
النبي في الاصطلاح: «من أوحي إليه وحيًا خاصًّا من الله بتكليم الله جل جلاله له، أو بتوسط ملك، أو بإلهام في قلبه، أو بالرؤيا الصالحة، وقد ختمت النبوة، وانقطع الوحي بخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم» 7.
النبوة في الاستعمال القرآني:
وردت مادة (نبأ) في القرآن الكريم (160) مرة، يخص موضوع البحث منها (80) مرة 8.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المصدر ... 5 ... {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت:27]
الأسماء ... 75 ... {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56]
وجاءت النبوة في القرآن بمعنى: السفارة بين الله والخلق؛ لإزاحة عللهم في أمر معادهم ومعاشهم، وهي إما من الفعل (نبا) ، وهو: ما ارتفع من الأرض؛ لأن النبوة شرف على سائر الخلق، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى مفعول. أو من الفعل (نبأ) و (نبَّأ) و (أنبأ) بالهمز، من الإخبار،؛لأنه مُنَبَّأٌ ومُخْبَرُ من الله، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى مفعول أيضًا، أو لأنه منبئٌ ومخبر عن الله، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى فاعل 9.
الوحي:
الوحي لغة:
إلقاء علم من طرف لآخر في خفاء 10.
الوحي اصطلاحًا:
المعنى المبثوث إلى من أريد به في خفاء، لتنفيذه بحسب ما يقتضيه المعنى.
الفرق بين النبوة والوحي:
النبوة هي درجة يكرم الله بها من شاء من عباده، ولا تكون إلا بالوحي بمعناه الأخص، وهي أن يرسل الله للنبي بالرسول الملكي، وهو جبريل عليه السلام، وقد ختمت النبوة بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلا ما يكون من مبعث عيسى عليه السلام في آخر الزمان، أما الوحي فقد بقيت صورة من صوره وهي الرؤيا الصالحة.
الرسالة:
الرسالة لغة:
العبارات المؤلفة، والمعاني المدونة، المبعوثة من شخص لآخر بواسطة ناقل 11.
الرسالة اصطلاحًا:
هي الشريعة التي يبعث الله بها من شاء من عباده إلى قومه أو الناس كافة، وهي متضمنة لأحكام يكلف الله بها عباده، وأخبار وجب عليهم تصديقها.
الفرق بين النبوة والرسالة:
النبوة هي وحي من الله تبارك وتعالى لعبد من عباده في أمة كان الله قد بعث فيها رسولًا بشريعة، وبعث هذا النبي لتجديد هذه الشريعة، أما الرسالة فهي وحي من الله جل جلاله لعبد من عباده بشرع جديد، يتضمن أحكامًا مغايرة لمن سبقه من الرسل، وهذه الأحكام في باب الأوامر والنواهي، وليس في باب العقائد والأخبار، وبذلك تكون الرسالة رتبة أعلى من النبوة؛ فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا.
الصديقية:
الصديقية لغة:
التصديق بكل أمر أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، لا يتخالج قلب الصديق شكٌّ في شيء منه.
الصديقية اصطلاحًا:
وصف يطلق على من يأتي بعد الأنبياء في قوة الإيمان، وحسن الطاعة 12.
الفرق بين النبوة والصديقية:
النبوة هي أعلى درجات الكمال البشري، ويأتي بعدها في الرتبة درجة الصديقية؛ وهي درجة من أعلى درجات الولاية، وأدنى درجات النبوة 13، ولا واسطة بينها وبين النبوة، فمن جاوزها وقع في النبوة بفضل الله تعالى في الزمان الأول، وذلك أن الصديق يؤمن بما جاء به الرسول دون أن يطلب على ذلك برهان؛ بل يقبله بما أكرمه الله به من صحيح الفطرة وسلامتها من الانحراف، فيصدقه ويناصره، فيكون الواسطة في الأخبار بين الله وبين النبي الوحي، بينما الصديق واسطته في ذلك النبي، ويطلق على الصديق أيضًا الحواري.
الولاية:
الولاية لغة:
النصرة والمحبة 14.
الولاية اصطلاحًا:
درجة وكرامة من الله جل جلاله ينالها العبد بسبب إيمانه بالله، وتقربه له، وطاعته إياه.
الفرق بين النبوة والولاية:
الولاية صفة عامة لكل من آمن بالله وأطاعه واتقاه، وهي درجات أعلاها النبوة، ويأتي بعد النبوة في الرتبة الصديقية كما سبق بيانه، ولكن بينها جميعًا عموم وخصوص، وعلى ذلك تكون كالإسلام مع الإيمان؛ إذا اجتمعت اختلفت، وإذا افترقت اتفقت، وتكون الولاية بذلك رتبة ثالثة بعد الصديقية 15.
الإيمان بالأنبياء أصل عظيم من أصول الإسلام، ولا يصح للعبد إيمان ولا تتحقق له نجاة حتى يؤمن بأنبياء الله ورسله جميعًا، ولا يفرق بين أحد منهم في أصل الإيمان بأنهم جميعًا من عند الله، وأنهم سفراء الله إلى خلقه، وحملة رسالاته إليهم، وأنهم جاؤوا بالهدى والحق المبين الذي من حاد عنه فقد ضل، ومن التزم به هدي إلى صراط مستقيم، وأنهم قد بلغوا هذا الحق إلى الناس على الوجه الأكمل كما أمرهم الله.
والواجب على العبد المسلم أن يؤمن بالأنبياء والمرسلين جملة وتفصيلًا، فيؤمن إجمالًا بكل نبي أو رسول من عند الله جل جلاله، وإن كان لا يعرف أسماء بعضهم أو صفاتهم، أو ما كان بينهم وبين أقوامهم.
ويؤمن تفصيلًا بمن سمى الله في كتابه منهم، على النحو الذي أخبر الله به عنهم.
أولًا: الأنبياء الذين ذكروا بأسمائهم:
والأنبياء الذين سمى الله لنا أسماءهم في كتابه خمسة وعشرون نبيًّا، وهم:
إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيي، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط، وآدم، وهود، وصالح، وشعيب، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد ذكر من هؤلاء الأنبياء ثمانية عشر نبيًّا في موضع واحد، وهم المذكورون في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 83 - 86] .
وذكر السبعة الباقين وهم آدم، وهود، وصالح، وشعيب، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد عليهم صلوات الله أجمعين في مواضع متفرقة من كتابه:
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ} [آل عمران: 33] .
وقال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود: 50] .
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [هود: 61] .
وقال: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [هود: 84] .
{وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] .
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29] .
وهؤلاء الأنبياء والمرسلون المذكورون بأسمائهم في كتاب الله «علينا أن نؤمن بهم تفصيلًا كما أخبرنا الله عنهم.
وأما من عدا هؤلاء من الرسل والأنبياء فنؤمن بهم إجمالًا على معنى الاعتقاد بنبوتهم ورسالتهم، دون أن نكلف أنفسنا البحث عن عدتهم وأسمائهم، فإن ذلك مما اختص الله بعلمه؛ قال تعالى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164] » 16.
ثانيًا: من اختلف في نبوتهم:
الأنبياء السالف ذكرهم أثبت الله عز وجل لهم النبوة في كتابه، وهناك من اختلف العلماء في نبوتهم، هل هم من الأنبياء أم من الصالحين؟ ومنهم:
1.الخضر.
اختلف العلماء في الخضر هل هو نبي، أم ولي، أم ملك؟
قال القرطبي رحمه الله: «الخضر نبي عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبي. وقيل: كان ملكًا أمر الله موسى أن يأخذ عنه» 17.
ومَرَدُّ اختلاف العلماء إلى دلالات الآيات المذكورة في حديث موسى مع الخضر في سورة الكهف، كقوله تعالى: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا [الكهف: 65] .
وكقوله تعالى في شأنه: (ڑ ڑ قَالَ لَهُ مُوسَى? هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى? أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف: 66] .
وقوله تعالى حكاية عن الخضر: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ?) [الكهف: 82] .
والراجح قول الجمهور: أنه كان نبيًّا، والدليل عليه ما يلي:
أولًا: أن الآيات في سورة الكهف تشهد بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي من الله.
ثانيًا: أن موسى عليه السلام تبعه ليتعلم منه، والإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه، وليس ولا يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي.
ثالثًا: يفهم من قوله تعالى: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: 65] .
أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة، وأن هذا العلم اللدني علم وحي 18.
2.ذو القرنين.
اختلف العلماء في ذي القرنين: منهم من قال: كان عبدًا صالحًا. ومنهم من قال: كان نبيًّا. ومنهم من قال: كان ملكًا من الملائكة.
قال تعالى: (? قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) [الكهف: 86] .
«يستدل بهذا من يزعم أنه كان نبيًا، فإن الله خاطبه بالوحي، ومن قال: إنه لم يكن نبيًّا أوله بالإلهام، ويحتمل أن يكون الخطاب على لسان نبي غيره» 19.
وفي هذه الآية اختلف العلماء: هل هذا الخطاب كان خطابًا من الله له أم كان بواسطة نبي معه؟
فمن قال: كان خطابًا من الله له أثبت له النبوة، ومن قال: كان بواسطة نبي معه نفى عنه النبوة.
3.تبع.
ورد ذكر تبع في القرآن الكريم.
قال تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? أَهْلَكْنَاهُمْ ? إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [الدخان: 37] .
وقال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ?12?وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ?13?وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ? كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ?14?) [ق: 12 - 14] .
فهل كان نبيًّا مرسلًا إلى قومه فكذبوه فأهلكهم الله؟ الله أعلم بذلك 20.
4.الأسباط.
فالأسباط: جمع سبط؛ قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف. وقيل: هم الأنبياء الذين بعثوا في أسباط بني إسرائيل الذين لم يذكروا بأسمائهم، وقيل غير ذلك.
قال ابن حجر: «اختلف في نبوتهم، فقيل: كانوا أنبياء. وقيل: لم يكن فيهم نبي، وإنما المراد بالأسباط قبائل من بني إسرائيل، فقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير» 21.
وممن صرح بنفي نبوتهم القاضي عياض حيث قال: «وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تعقب، وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم، فيلزم الكلام على أفعالهم، وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء قال المفسرون: «يريد من نُبِّئَ من أبناء الأسباط» 22.
وقد قال تعالى في شأنهم: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [البقرة: 136] .
وقال: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 140] .
ثالثًا: عدد الأنبياء والمرسلين وحكم من فرق بينهم:
اقتضت حكمة الله تعالى ألا يعذب أمة إلا بعد إرسال الرسول لها مبلغًا ومنذرًا.
قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] .
وهذا يدلنا على كثرة الأنبياء والمرسلين إلى الأمم، فكل أمة لها رسول من لدن آدم عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
والله تعالى قال: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى وَكَانَ} [النساء: 163 - 164] .
1.عدد الأنبياء.
«عدد الأنبياء لا يحصى؛ إذ يزيد عددهم على ما جاء في بعض الآثار مائة وعشرين ألفًا، أما الرسل فهم قلة، والذين ذكروا في القرآن الكريم يجب الإيمان بهم تفصيلًا، وهم خمسة وعشرون، وهم من الرسل، وهم كالآتي:
آدم، نوح، إبراهيم، إسماعيل، إسحق، يعقوب، داود، سليمان، أيوب، يوسف، موسى، هارون، زكريا، يحيي، إدريس، يونس، هود، شعيب، صالح، لوط، إلياس، اليسع، ذو الكفل، عيسى، محمد -صلوات الله عليهم أجمعين-» 23.
فهؤلاء هم المذكورون في القرآن الكريم بأسمائهم.
وهناك أنبياء ومرسلون لا نعرف أسماءهم، ولم يقص الله علينا من أخبارهم، كما في قوله تعالى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164] .
وقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] .
فليس في القرآن حصر لعدد الأنبياء والمرسلين، لكن الواضح من القرآن أنهم كانوا أعدادًا كبيرة، يدلنا على هذا قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] .
وقوله جل جلاله: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء: 208] .
حيث تبين هاتان الآيتان أن كل الأمم وكل القرى التي أخذها الله تعالى كان لها منذرون من قبل الله جل جلاله، وهذا إن دل فإنما يدل على أن عدد الأنبياء والمرسلين كان غفيرًا.
ويؤيد هذا بعض الآثار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي المعجم الكبير أن أبا ذر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قلت: يا نبي الله كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: (مائة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمائةٍ وخمسة عشر جمًّا غفيرًا) 24.
وأيًا ما كان الأمر فإننا نقول: إن الواجب على المسلم -كما مر معنا- أن يؤمن إجمالًا بكل الأنبياء والمرسلين دون أن يفرق بين أحد منهم، وأن يؤمن تفصيلًا بمن ذكر الله منهم، ونص عليهم بأسمائهم في كتابه الكريم.
2.حكم من فرق بينهم.
دين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع، وأنبياء الله إخوة، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والأنبياء إخوةٌ لعلاتٍ، أمهاتهم شتى، ودينهم واحدٌ) 25.
فالواجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء؛ لأن جميعهم جاء بالإيمان بالله، ولا نفرق بين أحد منهم، فلا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150 - 151] .
فهذه الآيات تدلنا على أن «من كفر بنبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه به» 26.
«وأن الكفر برسل الله هو كفر بالله» 27.
وما ذلك إلا لأن الإيمان بالله «يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم، وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم، ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم» 28.
وقد أكد الله كفرهم فقال: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151] .
فتعريف جزأي الجملة، والإتيان بضمير الفصل يفيد «قصر صفة الكفر عليهم» 29.
وهذا يظهر شدة كفرهم؛ لئلا «يتوهم أن مرتبتهم متوسطة بين الإيمان والكفر» 30.
ومما يؤكد كفر من فرق بين الرسل قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) } [البقرة: 136] .
فهاهنا تبين الآية أن المؤمنين ديدنهم هو عدم التفريق بين الرسل أبدًا، وبالتالي فهي تقطع بأن «من آمن برسول من رسل الله ولم يؤمن بجميع الرسل فليس من المؤمنين، ومن تمسَّكَ بكتاب وكفر بما سواه من كتب الله فهو من الكافرين» 31.
وكذا جاء نفس الأمر في قوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .
وهكذا يظهر لنا أن من فرق بين رسل الله عز وجل فآمن ببعضهم، وكفر بالبعض الآخر فهو كافر قطعًا «وهذا لا يمنع المفاضلة بينهم؛ إذ المقصود عدم التفرقة بين الأنبياء في الإيمان ببعضهم» 32. أو إذا كان ذلك على سبيل العصبية والاستنقاص.
رابعًا: التفاضل بين الأنبياء:
لله تعالى أن يصطفي من يشاء من عباده، والرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام هم ممن اصطفاهم الله لحمل الرسالة، وإبلاغ الهداية إلى الناس، فجعلهم سفراءه إلى خلقه بالرحمة والهدى، وهؤلاء الرسل-على علو مقامهم وشريف منزلتهم- درجات عند الله في الفضل، بعضهم أفضل من بعض.
يقول تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55] .
وكذا قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253] .
ففي هذه الآية يخبر المولى جل جلاله أنه «فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة، والأفعال السديدة، والنفع العام» 33.
خامسًا: أولو العزم من الرسل هم أفضل الرسل:
إذا كان الرب جل وعلا فضل بعض الرسل على بعض، فإن أفضل الرسل هم أولو العزم.
قال تعالى لنبيه: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] .
فـ «أولو العزم من المرسلين سادات الخلق أولو العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم، والقفو لآثارهم، والاهتداء بمنارهم» 34.
وقد اختلف العلماء في تعداد أولي العزم على أقوال «وأشهرها، أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء كلهم محمد صلى الله عليه وسلم» 35.
وقد ذكرهم الله في كتابه في أكثر من موضع، فقال جل جلاله: {شَرَعَ لَكُمْ وَعِيسَى مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] .
وقال أيضًا: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: 7] .