أولًا: المعنى اللغوي:
الحرب: نقيض السلم، ورجل محرب، أي: شجاع، وفلانٌ حَرْبُ فلان، أي: يحاربه، وحرّبته تحريبًا، أي: حرّشته على إنسان فأولع به وبعداوته 1.
وقيل: يراد به القتال والترامي بالسّهام، ثم المطاعنة بالرماح، ثم المجالدة بالسيوف، ثم المعانقة، والمصارعة إذا تزاحموا 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الحرب: صراع بين مجموعتين، تسعى إحداهما لتدمر الأخرى، أو التغلب عليها 3.
وقد يقصد من الحرب تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو أيدلوجية أو لأغراضٍ توسعيّة، وهي عادة آخر الأوراق بيد السياسة.
فالمعنى الاصطلاحي متفق مع المعنى اللغوي، فكلاهما يدلان على نقيض السلم.
وردت مادة (حرب) في القرآن (6) مرات 4.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة:107]
الفعل المضارع ... 1 ... {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة:33]
المصدر ... 4 ... {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة:64]
وجاءت الحرب في القرآن على وجهين 5:
الأول: القتال، ومنه قوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} [الأنفال:57] ، أي: في القتال.
الثاني: المخالفة للشرع والإفساد في الأرض، ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة:33] ، يعني: إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادًا وإفسادًا.
القتال:
القتال لغةً:
من قاتل فلان فلانًا، وقاتله مقاتلة وقتالًا، وهو بمعنى المحاربة والمقاتلة، ولا يكون إلا بين اثنين 6.
القتال اصطلاحًا:
القتال صيغة مبالغة من القتل، والمقاتلة هي القتال ولا يكون إلا بين اثنين 7.
الصلة بين القتال و الحرب:
والقتال بهذا التعريف يكون صورة من صور الحرب، فالحرب أعم وأشمل وتتعدد صورها، بينما القتال ليس له إلا صورة واحدة، وكلاهما يكون مع الغير.
الغزو:
الغزو لغة:
القصد، والغزو: السير إلى قتال العدو، يقال: غزا يغزو غزوًا فهو غاز، وجمعه غزاة وغز 8.
الغزو اصطلاحًا:
عرفه الأصفهاني بقوله: «الغزو الخروج إلى محاربة العدو» 9.
الصلة بين الغزو والحرب: الحرب والغزو بينهما عموم وخصوص، فالحرب أعم وأشمل من الغزو، إذ الغزو فيه من التحرك و المسير لملاقاة العدو في عقر داره، وهو صورة من صور الحرب، بينما الحرب تشمل الغزو وغيره من أنواع الحروب، وكلاهما يكون مع الغير.
الجهاد:
الجهاد لغة:
الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب، أو اللّسان، أو ما أطاق من شيءٍ، والاجتهاد والتّجاهد: بذل الوسع والمجهود 10.
الجهاد اصطلاحًا:
الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو 11، وزاد بعضهم وغلب استعماله شرعًا في الدعوة إلى الدين الحق 12.
الصلة بين الحرب والجهاد:
الحرب والجهاد بينهما عموم وخصوص، فالجهاد أعم من الحرب، فكل مجاهد ناصرًا للدين، ورافعًا لكلمة الله، فهو محارب لأعداء الله ودينه، وليس كل محارب مجاهدًا، فقد يريد بحربه مطالب دنيوية.
والحرب صراع وخصومة بين طرفين، بينما الجهاد قد يكون مجاهدة الإنسان لنفسه، لتهذيبها، وإلزامها أمر الله.
وفي الحرب يحاول كل طرف أن يحقق غايته في خصمه، بينما الجهاد: استفراغ الجهد لمصلحة الدين، ويكون فيه تمني الصلاح للطرف الآخر، وليس بالضرورة قهره.
السلم:
السلم لغةً:
السّلم والسّلم والسّلم، وقد قرئ على ثلاثة أوجه، والسّلم: ضد الحرب 13.
السين واللام والميم معظم بابه من الصّحّة والعافية، والسّلام: المسالمة 14.
السلم اصطلاحًا:
الذي يهمنا في هذه الدراسة ما هو ضد الحرب، وهو حالة نفسية تسود أفراد المجتمع نتيجة وحدة الأهداف والغايات والتصورات، تجعلهم يشعرون بالأمان والسكينة في كل نواحي الحياة.
الصلة بين الحرب والسلم:
الحرب نتيجة للخلاف، والسلم نتيجة للود والوئام، فهما حالتان متضادتان، لا تجتمعان، ولا ترتفعان، فإذا ساد أحدهما رفع الآخر.
أذن الله لرسوله وللمؤمنين بالحرب على المشركين وأعوانهم، وتكفّل الله بالنصر لرسوله وللمؤمنين، وبيّنت الآيات أنً الكافرين كلما أوقدوا نارًا تكفّل الله لرسوله وللمؤمنين بإطفائها، وذلك حكمة من الله، سنتعرف على ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: حكمة إسناد الحرب لله تعالى ولرسوله:
إن من أشد وأقسى أنواع الحروب الحاسمة، ما كان بين قوتين غير متكافئتين، فإعلان الحرب من الله على العصاة، وإعلان المجاهرين بالفساد في الأرض الحرب على الله، تمثلان نوعًا من حرب غير متكافئة، تجعل من أعداء الله عبرة عبر الزمان، لذا سنجعل الحديث في مسألتين:
المسألة الأولى: إعلان الحرب من الله تبارك وتعالى على العصاة.
قال عز وجل: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) } [البقرة:279] .
تنشأ الحرب بين البشر من قديم الزمان، وكلما كان أحد أطراف الحرب ذا سطوة وقوة ومنعة، ويمتلك من الآلات والوسائل والجند ما لا يملكه الآخر، وكان لديه من العلم والخبرة والقدرة على التعمية على الخصم، والمكر به، وأخذه على حين غرة، كانت نتائج هذه الحرب محسومة لصالحه، وهذا لا يتنازع فيه خصمان.
والله عز وجل قد وصف نفسه في كتابه العزيز بكل صفات القوة والمنعة، والإحاطة بأسرار هذا الكون، وخضوع كل ما فيه لأمره، وإرادته، وتدبيره، لذلك فإن الله إذا أعلن حربًا على أحد، أذله وقهره، ويمكن بيان بعض هذه الصفات التي وصف الله بها نفسه، لبيان قهره وبطشه بكل من يخالف عن أمره من خلال القرآن الكريم، وهي كما يأتي:
-القوي المتين.
قال تعالى: (? ? ? ? ژ ژ) [الذاريات:58] .
فهذا «بيان لعظمته عز وجل، وأن شأنه مع عبيده لا يقاس» 15.
-العزيز الجبار.
قال تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر:23] .
-ذو البطش الشديد.
قال تعالى: (? ? ہ ہ ہ) [البروج:12] .
أي: «مضاعف عنفه؛ فإن البطش أخذ بعنف» 16.
-لا تحصى جنوده عددًا ولا عدة.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الفتح:7] .
وقال أيضًا: (ژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المدثر:31] .
أي: وما يعلم جنود ربك جموع خلقه على ما هم عليه إلا هو، ولا سبيل لأحد من خلقه حصر الممكنات، والاطلاع على حقائقها وصفاتها، وما يوجب اختصاص كل منها بما يخصه من كم وكيف واعتبار ونسبة إلا هو سبحانه 17.
-أخذه أليم شديد.
قال تعالى: (ڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ?) [هود:102] .
-يباغت عدوه بالعقاب.
قال تعالى: (? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چچ چ چ ? ? ? ? ? ?) [الأعراف:97 - 99] .
«والمقصود من الآية أن الله خوفهم بنزول العذاب وهم في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار؛ لأنه الوقت الذي يغلب على الإنسان التشاغل فيه بأمور الدنيا» 18.
-لا يخشى المحاسبة، فهو لا يعبأ بخصمه ولا يحسب له حسابًا.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء:23] .
-لا يعجزه شيء في ملكه.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام:18] .
وقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [فاطر:44] .
-محيط بكل شيء علمًا وخبرة.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الطلاق:12] .
-يتحكم في إرادة خصمه وقوته.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:64] .
فكلما أوقدوا نارًا، أي: أهاجوا شرًّا، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحد غيره بغير حق لمخالفتهم أمر الله، (أطفأها الله) وقهرهم، ووهن أمرهم، فذكر النار مستعار، فالله يرد كيدهم ويتحكم في قدرهم كيف يشاء 19.
إن طرفًا محاربًا يمتلك هذا القدر من القوة والمنعة والقهر لخصمه، لا قبل لأحد بحربه، فردًا كان أو جماعة أو دولة عظيمة مدى الزمان.
قال تعالى مخبرًا عن سطوته بالظلمة العتاة: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام:6] .
هذا بعض ما أخبر به الله عز وجل من قوته وتنوع جنده، وما خفي أجل وأعظم، قال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [المدثر:31] .
فقوة الله لا تقارن بقوة المخلوقات، ولا طاقة لعقل الإنسان أن يتخيلها.
والله عز وجل ولي أنبيائه ورسله، وناصرهم ومؤيدهم، قال تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [غافر:51] .
فكل من يحيد عن أمر الله، أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنما يعرض نفسه لحرب أعلنها الله عز وجل باسمه واسم رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو حتمًا منهزم مقهور.
ففي إسناد الحرب لله تبارك وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:278 - 279] .
من الحكم العظيمة، والتهديد والوعيد، والزجر والردع، ما يجعل كل عاقل يفكر مرات عديدة في جملة من الأمور يمكن بيانها في النقاط التالية:
1.قبح جريمة الربا.
فقد ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن جرائم عديدة، يرتكبها العصاة من الناس، فما توعد أحدًا منهم كما توعد آكل الربا، المقيم المصر عليه، فهي تدمر المجتمعات البشرية، وتغرس الحقد والجشع في نفوس الناس، وتمنع التراحم بينهم، وتؤسس لهيمنة الأغنياء وأصحاب رؤوس المال على عموم الناس والبسطاء، وتجعل منهم عبيدًا لهم، وتؤسس لحالة من التنازع والصراع التي تفضي لإشعال الحروب والدمار بين المجتمعات البشرية والدول، لا لأجل إحقاق العدل وبسط الأمن والسلم بين الناس، وإنما لأجل دوام حالة الاستعباد والذل التي يرغب أصحاب المال في فرضها على الضعفاء والمقهورين؛ لذا فقد أعلنها الله حربًا على المصرين على جريمة الربا دون غيرها من الجرائم، لأنها تؤسس لكل الجرائم بعدها 20.
2.هزيمة المعاندين.
إن إعلان الحرب من الله على العصاة من المرابين وغيرهم، فيه دلالة على هزيمتهم المؤكدة، وأن وبطشه واقع بهم، وأن عاقبتهم إلى زوال، وذلك جليٌّ من عظيم قوته، وشدة بطشه بالمعاندين، وضعفهم الشديد أمام وجبروته.
3.وجوب محاربة المقيمين على المعاصي وإقامة الحدود عليهم.
قال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ?) فيه من الدلالة على وجوب مقاتلة الرسول صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر للمرابين المصرين على عدم الانتهاء من هذه المعاملة المالية الخبيثة، فالحرب من الله بالنار يوم القيامة، وزلزلة نفوسهم، والحرب من الرسول وولاة الأمر بالسيف في الدنيا، حيث نزل سياق الآية في بني عمرو بن عمير من ثقيف وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، وكانوا قد أمنوا، ودخلوا فيه، فطلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فرفضوا ذلك، فرفع عتاب بن أسيد-نائب مكة - الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه آيات الربا إلى قوله عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ?) فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الربا فتركوه كله.
فمن كان مقيمًا على الربا، لا ينزع عنه، كان حقًّا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.
وقال قتادة: أو عدهم الله بالقتل كما يسمعون وجعلهم بهرجًا، أي: دماؤهم مهدورة 21.
رابعًا: تنكير الحرب في سياق الآية:
إن جعل الحرب نكرة بهذا الأسلوب القرآني العظيم يلقي بظلال الرهبة والعظمة في قلوب السامعين، إنها حرب لا طاقة لكم بها، ولا معرفة لكم بكنهها، فهي حرب لن تكون بالسيف وحسب، بل تتعداها خارج نطاق ما تتوقعون، حرب على الأعصاب والقلوب، وحرب على بركة السعة في الأرزاق، تذهب متعة اليسر في الحياة والرخاء، وحرب على السعادة والطمأنينة تجعل المرابي يعيش حالة من البؤس والاضطراب، حرب من الله تقذف في قلوب أعدائه الرعب، ألا ترى قوله عز وجل: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?) [البقرة:275] .
إنها حالة تلقي بظلال الكآبة والشدة وفقد الطمأنينة والراحة لدى المرابين 22، فإن قالوا: هلا قيل بحرب اللّه ورسوله؟ فالرد القاطع بأن هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند اللّه ورسوله 23.
المسألة الثانية: إعلان الحرب من العصاة على الله ورسوله.
قال تعالى: (چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں) [المائدة:33] .
ففي ظلال هذه الآية الكريمة، وفي ضوء ما تم بيانه في المسألة الأولى من قوة الله عز وجل، فإن المتأمل في أحوال العصاة والمخالفين لأمر الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يخرج ببعض من الدلالات، يمكن بيانها في النقاط التالية:
1.جهل المحاربين لله ورسوله بعظمة الخالق.
جاءت آيات القرآن الكريم لتصف العتاة من الكفار والعصاة بالجهل وعدم العلم تارة، والسفاهة ونفي التعقل تارة أخرى.
قال تعالى: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:13] .
وصفهم بالسفاهة وعدم العلم.
وقال أيضًا: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ?) [المنافقون:8] .
وصفهم بالجهل فيما يتعلق بصفة العزة لله ولرسوله والمؤمنين، فكيف يستشعرون هذه العزة وهم لا يتذوقونها، وهم منقطعون عن مصدرها الأصيل 24.
2.وجوب معاقبة من حارب الله ورسوله.
أمر الله بمحاربة المفسدين في الأرض من المسلمين، والغلظ عليهم، وأخذهم بما يستحقون من العقوبة الرادعة التي تجعلهم عبرة لمن خلفهم، ففي قوله: (? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ) ، أمر بملاحقة قطاع المسلمين؛ لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها، أما من دخل صف المسلمين، ثم خرج لإشاعة الفساد ومحاربة أولياء الله، فلا بد من أخذه بما يستحق، وتوبته لا تسقط حدًّا 25.
وقد جعل الله محاربة هذا الصنف من المفسدين من أعظم ما يتقرب به إلى الله.
قال تعالى معقبًا على هذه الآية: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:35] .
أي: «وجاهدوا في سبيله بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة، لعلّكم تفلحون بالوصول إلى الله سبحانه وتعالى والفوز بكرامته» 26.
3.الخزي والذل في الدنيا لمن حارب الله ورسوله.
وكما توعد المولى عز وجل المحاربين لله ورسوله بالعقوبة والقصاص في الدنيا توعدهم أيضًا بالذلة والصغار، والفضح على رؤوس الأشهاد.
قال تعالى: (? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ?) أي: «شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة» 27.
4.الوعيد بعذاب الآخرة.
لم يتوقف وعيد الله تعالى للمحاربين لله ورسوله في الدنيا، رغم قسوة العذاب وخزيه، بل توعدهم بالعذاب المؤلم يوم القيامة.
قال تعالى: (? ? ? ? ں) [المائدة:33] .
وذلك نكاية فيهم ولبيان عظم جرمهم في حق الله عز وجل وحق رسوله وأوليائه.
فكل من حارب الله ورسوله، وتمرد على شرعه، وأفسد في الأرض، وقطع الطريق، وقتل أنبياء الله وأولياءه، كان مع من غضب الله عليهم فحاربهم، وأمر رسله وأولياءه بمحاربتهم.
ثانيًا: حكمة إسناد إطفاء نار الحرب لله تعالى:
الناس في أصل نار الحرب على قولين:
-فريق يرى بأنها نار للحرب على الحقيقة، فقد كان العرب والمسلمون في قديم الزمان يتخذون العيون يكمنون في المغارات ليلًا، يرصدون الجيوش، فإذا مر جيش يريد ديار المسلمين أوقد العين نارًا، يراها غيره من مكان بعيد، فيشعل نارًا، وهكذا حتى يصل الأمر إلى المسلمين، فيعدوا للقائهم، ولا يؤخذوا غفلة، وقيل بل كانوا إذا اجتمعوا للحرب، ودخل الليل أشعلوا نيرانًا مخافة البيات والنوم، وهذا هو أصل النار 28.
-وفريق -وهم الجمهور- يرى أن إيقاد نار الحرب استعارة لما يؤجج قلوب المفسدين من الغيظ والحقد على المؤمنين، ومنه قولهم: الآن حمي الوطيس للجد في الحرب، وفلان مسعر حرب، فكلما تداعوا لقتال المسلمين والمكر بهم، صرف الله قلوبهم وشتتهم، وباعد بين كلمتهم، وألقى الرعب والوهن في قلوبهم، فلا تقوم لهم قائمة 29.
والذي تميل إليه النفس هو رأي الجمهور لأنه أعم، وله أثره في هزيمة المحاربين وفت عضدهم، وبيان حقد قلوبهم على المؤمنين، مع كون أصل اصطلاح نار الحرب أقرب لأصحاب الرأي الأول، لأن فيه بيان أصل المصطلح.
وسياق قوله عز وجل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) } [المائدة:64] .
يبين بجلاء أن الذين يشعلون الحروب بين الأمم، هم في قبضة الله، إن شاء أبقى نارهم، وسلطها على رقاب من يشاء من الظالمين، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) } [الأنعام:129] .
وإن شاء أخمدها، ورد كيدهم إلى رقابهم، فهو المتصرف في كل شيء، فالله سبحانه وتعالى وحده المتصرف في شؤون الكون، وجعل أفعال خلقة سترًا لقدره، فعن عمران قال: قيل: يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم) ، قال: قيل: ففيم يعمل العاملون؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (كل ميسر لما خلق له) 30، فلا يكون في الكون إلا ما يشاء، وفق إرادته وحكمته، فمن الناس من خلقوا دعاة هداية للناس، ومنهم من خلق ليكون مصدر فتن وإشعالٍ للحروب، والكل في قبضة الله.
وفي إسناد إطفاء نار حرب الكفار لله عز وجل من الحكم ما يمكن ذكر بعضه في النقاط التالية:
1.تولي الله عز وجل بذاته محاربة المفسدين.
سياق الآية الكريمة يبين أن الله تعالى هو من يتولى بنفسه محاربة المفسدين، وإفشال مخططهم في محاربة المؤمنين، ولا يكل ذلك لأحد من خلقه، وهذا يلقي بظلال الرهبة لكل صاحب بصيرة.
قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) } [الأنفال:30] .
وقال: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) } [النمل:50 - 52] .
2.قوة الله تعالى وهيمنته على قلوب خلقه.
قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} بيان لقدرته سبحانه تعالى وهيمنته على قلوب خلقه، مؤمنهم وكافرهم، أما المؤمنون فيرد عنهم وساوس الشيطان ويحفظهم من كيده ومكره.
قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) } [الحجر:42] .