أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (بيع) تدل على بيع الشيء، وربما سمي الشراء بيعًا، والمعنى واحد 1.
والبيعة: بفتح الباء، مصدر من بايع يبايع بيعةً ومبايعةً، يقال: بايعه مبايعةً، وبياعًا: عقد معه البيع. وبايع فلانًا على كذا: عاهده وعاقده عليه، وبذل العهد على الطاعة والنصرة، وكأنّ كل واحد من المتبايعين باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، ودخيلة أمره 2، وتبايعا: عقدًا بيعًا أو بيعةً 3.
والمقصود أن البيعة في مفهومها اللغوي: إعطاء شيء مقابل ثمن معين، أو إعطاء العهد بقبول ولاية أو خلافة 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرّف العلماء البيعة قديمًا وحديثًا بتعاريف عدة، فعرّفها المناوي بقوله: «البيعة -بالفتح- بذل الطاعة للإمام» 5.
وعرّفها ابن الأثير بقوله: «البيعة: المعاقدة على الإسلام والإمامة والإمارة، والمعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق» 6.
ومن التعاريف الجامعة تعريف ابن خلدون، حيث قال: «البيعة: العهد على الطاعة لولي الأمر» ، ثم شرح هذا التعريف قائلًا: «كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير، وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدًا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في اللغة ومعهود الشرع» 7.
وردت مادة (بايع) في القرآن الكريم (7) مرات 8.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة:111]
الفعل المضارع ... 4 ... {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح:10]
فعل الأمر ... 1 ... {فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ} [الممتحنة:12]
المصدر ... 1 ... {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة:111]
وجاءت البيعة في الاستعمال القرآني بمعناها في اللغة وهو: اسم مرَّة من بَايَعَ السلطان: إذا تضمن بذل الطاعة له 9.
الشراء:
الشراء لغةً:
الشين والراء والحرف المعتل، له أصولٌ ثلاثة: أحدها يدلّ على تعارضٍ من الاثنين في أمرين أخذًا وإعطاءً مماثلةً، تقول: شريت الشيء واشتريته: إذا أخذته من صاحبه بثمنه، وربما قالوا: شريت: إذا بعت 10.
الشراء اصطلاحًا:
هو إعطاء الثمن، وأخذ المثمّن 11.
الصلة بين البيعة والشراء:
الشراء والبيع متلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن، وآخذ الثّمن، والعلاقة بينهما عكسية، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده؛ جعلوا أيديهم في يده تأكيدًا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي.
العهد:
العهد لغةً:
هو الموثق الذي يعطيه الإنسان لغيره، ويقال: عهد إليه، أي: أوصاه. فهو: التزام بين اثنين، أو أكثر على شيء يعامل كل واحد من الجانبين الآخر به، وسمي عهدًا لأنهما يتحالفان بعهد الله، أي: بأن يكون الله رقيبًا عليهما في ذلك 12.
العهد اصطلاحًا:
قال الراغب: «العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال» 13.
الصلة بين البيعة والعهد:
البيعة هي عهدٌ على الالتزام بطاعة ولي الأمر، كما ذكر في التعريف الاصطلاحي.
العقد:
العقد لغةً:
يقال: عقد الحبل والبيع والعهد يعقده: شدّه، وعاقدته عقدًا، مثل عاهدته عهدًا، وتعاقدوا: تعاهدوا، من العقد وهو العهد 14،
العقد اصطلاحًا:
قال الجرجاني: «العقد: ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعًا» 15، ومنه سمي عقد البيع، أو عقد الزواج عقدًا؛ لأنه يعقد ويربط بين طرفين 16.
الصلة بين البيعة والعقد:
البيعة هي عقدٌ بين الإمام والرعية يتم بموجبه نصرة الإمام على من يخرج عليه؛ حفاظًا على وحدة الأمة، وتماسك بنيانها أمام الأعداء في داخل الدولة الإسلامية وخارجها مقابل التزام الإمام بتنفيذ شرع الله تعالى، ويدل عليه كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة مبايعته، وفيها: أطيعوني ما أطعت الله فيكم.
أولًا: منزلة البيعة:
البيعة مصطلح شرعي ذكره القرآن في أكثر من موضع، وجاء في السنة كثيرٌ من الأحاديث في شأن البيعة، وأفردت كتب الحديث بابًا خاصًّا للبيعة، فقد بوّب البخاري باب: البيعة على إقام الصلاة، وباب: البيعة على إيتاء الزكاة، وباب: البيعة في الحرب أن لا يفروا، وفي مسلم باب: البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع.
وبوّب ابن ماجه باب: البيعة، وفي موطأ مالك باب: البيعة على الجهاد، وبوّب النسائي باب: البيعة على أن لا ننازع الأمر أهله، وباب: البيعة على القول بالحق، وباب: البيعة على الصلوات الخمس، وهكذا. مما يدل على أهميتها في النظام السياسي والاجتماعي في الإسلام.
وبالنظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن البيعة قد تمت في المجتمع الإسلامي قبل أن يتحول إلى دولة في المدينة بين الرسول صلى الله عليه وسلم ونفر من الأنصار، كما حصل في بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، وكان موضوع البيعة الأولى هو إقناع طائفة من الأنصار بالإسلام، ودخولهم فيه، وكان موضوع البيعة الثانية هو مناصرة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأييدهم لدعوته، ومنع أي اعتداء يقع عليه؛ ثم حصلت البيعة بعد أن قامت دولة الإسلام في المدينة، مما يدل على أهمية البيعة في الإسلام في بناء الدولة، ومناصرة الإسلام، واجتماع الكلمة.
ثم بعد ذلك صار عقد البيعة الأساس الضروري لشرعية الحكم الإسلامي، حيث يختار أهل الحل والعقد من يرونه صالحًا من المسلمين لتولي أمورهم، ثم يبايعونه على الإمارة، وبعد ذلك يقوم المسلمون جميعًا بالمبايعة؛ لذلك كان كل الحكّام في تاريخ الدولة الإسلامية يحرصون على الحصول على البيعة حتى لو كانت إمارتهم قد تمت بالاستيلاء والمغالبة، فقد اعتبرت البيعة السند الشرعي لأي حاكم يختار من المسلمين لحكم الدولة الإسلامية.
ولأهمية أمر البيعة في المنظور الحضاري الإسلامي نجد أن القرآن الكريم يشير إليها في أكثر من موضع، حيث يقول تعالى في سورة الفتح: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] .
وفي السورة ذاتها يقول: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .
كما أشار القرآن الكريم إلى بيعة النساء، فقال تعالى: {فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 12] .
وفي ذلك دلالة على أهمية دورهن الفاعل في بناء الحضارة الإسلامية، وخدمة الإسلام ومناصرته.
ومما يدل على أهمية البيعة: أن البيعة بدأت منذ فجر الحضارة الإسلامية؛ حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم صحابته أكثر من بيعة: كبيعتي العقبة الأولى والثانية، وكذلك بيعة الرضوان.
وكانت طوائف المسلمين كلها تبايعه صلى الله عليه وسلم، فمن الرجال الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد لا يمكن حصره، ومن النساء العدد الجمّ، وقد أحصى الإمام ابن الجوزي عدد من بايع النبي صلى الله عليه وسلم من النساء، فبلغن (457) امرأة 17، وبايعهن كلهن بالكلام، كما سيأتي.
بل وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الأطفال، حيث بايع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وهو ابن سبع سنين. فقد أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أنهما بايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ابنا سبع سنين، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسّم، وبسط يده، فبايعهما 18.
وخرّج البيهقي في دلائل النبوة عن محمد بن الأسود بن خلف أخبره أن أباه الأسود حضر النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح، قال: جلس عند قرن مسفلة 19، قال: وقرن مسفلة الذي إليه بيوت ابن أبي ثمامة، وهو دار ابن سمرة وما حولها، قال الأسود: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم جلس إليه فجاءه الناس الصغار والكبار، والرجال والنساء، فبايعوه على الإسلام والشهادة 20.
وهذا يدل على أن الحضارة الإسلامية حضارةٌ بنّاءة، فهي تعي قيمة أفرادها، وضرورة مشاركتهم في الأحداث المحيطة بهم، ومن ثمّ وجدنا أسوة المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسي مبدأ البيعة منذ اليوم الأول لقيام الدولة الإسلامية.
ولمكانة البيعة في الإسلام فقد عظّم الله شأنها، وحذّر من نكثها، يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز مخاطبًا نبيه عليه الصلاة والسلام: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10] .
وذلك لما في البيعة من معاني القوة والجماعة والتآلف، وقد فرض الشرع المطهر على المسلم الوفاء بالعهد، سواء كان ذلك بين المسلمين بعضهم البعض، أم مع غير المسلمين، فقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
وقال: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] .
وقال: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] .
والبيعة بما أنها عقد وعهد بين المسلمين وخليفتهم فإنها داخلة في هذه الآيات، وحكم من نكث البيعة على النصرة أو الجهاد أو السمع والطاعة دون أن يصدر عنه ما ينافي أصل الإيمان فهو عاص مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر؛ لأنها نقض للعهد، وقد وردت فيها أحاديث كثيرة تحرّم نكثها، أشهرها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع) 21.
ومما يدل على مكانة البيعة: أن قضية الإمامة في الإسلام من القضايا الكبرى العظيمة؛ وقد صنف فيها العلماء مصنفاتٍ مستقلة، بيّنوا فيها شروط الإمامة، وواجبات الإمام، وكان هذا التفصيل العظيم منهم بيانًا لأهمية هذا الأمر في حياة المسلمين؛ ولأن إقامة السلطان وولي الأمر من الواجبات الدينية، ومما لا تتم مصالح الناس الدينية والدنيوية إلا به، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لابد للناس من أمير برٍّ أو فاجر، يعمل فيه المؤمن، ويستمتع فيه الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل» 22. وقال الحسن البصري رحمه الله: «والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغبطة، وأنّ فرقتهم لكفر» 23 يعني: أنه كفر للنعمة، وهو كفر أصغر، وهذا يدل على أن وجود الإمام أمر ضروري في الدين.
وقد أجمع العلماء على وجوب نصب إمام للأمة، يقيم لهم أحكام شرع الله، قال الماوردي: «وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم» 24.
وقال ابن خلدون: «نصب الإمام واجب، وقد عرف وجوبه بالشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذلك في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا دالًّا على وجوب نصب الإمام» 25.
وممن نقل الإجماع على ذلك ابن حزم 26 والقرطبي 27.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها ... ؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبيّن ذلك ... ، فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال» 28.
وقال ابن رجب رحمه الله: «وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم» 29.
وقد ورد في القرآن الإشارة إلى إقامة الأئمة للمسلمين، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] .
قال القرطبي رحمه الله: «هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة» 30.
ولقد تواتر أن الصفوة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين بايعوا الصّدّيق رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يدفنوه صلى الله عليه وسلم؛ ولما أحس الصديق بدنوّ أجله استخلف الفاروق رضي الله عنه؛ ولما طعن الفاروق رضي الله عنه جعل الأمر شورى في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، واتفقوا على أن يخلف الفاروق عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ ولما استشهد عثمان رضي الله عنه بايعوا أبا الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهذه طريقتهم في الخلافة، فنجد أنهم حرصوا كل الحرص على تنصيب الإمام، ولم يتهاونوا في ذلك، وهذا مما يجب على المسلمين أن يقتدوا بهم فيه، فالبيعة إذن من الأمور المهمة للحاجة الماسة إلى نصب الإمام الشرعي في الأمة.
ومما يدل على منزلة البيعة للخليفة أن فقهاء المسلمين عقدوا لها خمسة شروط لازمة التحقق، وهي:
أن يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة، المذكورة في باب شروط الخلافة في كتب الفقه.
أن يكون المتولّي لعقد البيعة أهل الحلّ والعقد من العلماء والرؤساء، وسائر وجوه الناس.
أن يجيب المبايع إلى البيعة، فلو امتنع لم تنعقد إمامته ولم يجبر عليها.
الإشهاد على المبايعة فيما إذا كان العاقد واحدًا، أما إذا كان العاقد للبيعة جمعًا، فإنه لا يشترط الإشهاد.
أن يتّحد المعقود له، بأن لا تعقد البيعة لأكثر من واحد 31.
وهذه الشروط التي أقرّها فقهاء الإسلام لاشك أنها تعدّ من المعالم الحضارية البارزة في مؤسسة الحكم الإسلامية؛ لأن غرض هذه الضوابط جلب كل المصالح التي يحتاجها المجتمع الإسلامي.
ومما يشير إلى ما تحتله البيعة من أهمية: أن بيعة ولي الأمر مما يسبّب استقرار المجتمع المسلم؛ لأنهم إذا اجتمعوا على رجلٍ واحد، وعلى خليفةٍ واحد، وعلى إمامٍ واحد استقام كثيرٌ من أمورهم، ولاشك أن التفرّق عن هذه البيعة يسبّب الخصومة والافتراق، والحرب بين المسلمين؛ لأن كلًّا منهم يريد أن ينصب إمامًا تكون له الهيمنة والسيطرة، والنتيجة إراقة الدماء، ووقوع الحروب بينهم؛ ولذلك كان وجود الإمام الذي يجمع هؤلاء جميعًا من أعظم المصالح الشرعية، وقد حكى الفقهاء الإجماع على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وقد قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «الأمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلّب على بلدٍ أو بلدان له حكم الإمام» 32. وذلك ما أقام فيهم شرع الله، وأقام الصلاة، فلا يجوز الخروج عليه بحال، فنكث البيعة مع الإمام الذي يقيم شرع الله حرامٌ، ومن فعل ذلك فمات فميتته جاهلية، وقد سبق قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) 33.
ثانيًا: مجالات البيعة:
تتنوع البيعة في الشرع بحسب الأمر المبايع عليه، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من المسلمين على أمور مختلفة، وبحسب الواقع واللحظة الراهنة، وبحسب قدرة الفرد واستعداده، فقد ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب البيعة من أصحابه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، كما وردت بذلك الأحاديث، والذي يعنينا هنا هو البيعة في القرآن الكريم، فلفظ (البيعة) والمبايعة في القرآن ورد بمعنى جامع، وهو (أخذ المواثيق والعهود) ، وبالنظر إلى ما جاء في القرآن بإمكاننا أن نذكر بعض مجالات البيعة، ومن أهمها:
وهي البيعة المشهورة، وهي أوجب وآكد أنواع البيعة، ولا شيء من أنواع البيعة نكثه كفر إلا هذه البيعة؛ لأنها الحد الأدنى من الإسلام الذي يلزم على كل مسلم ومسلمة في الأمة؛ ولأنها أصل البيعات كلها، وأكثر ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع عامة الناس عليه هو الإسلام؛ وذلك بأن يأتي الرجل الذي يريد الدخول في الإسلام فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ويضع يده في يده، ويتشهد الشهادتين، ويتعهد بالتزام الإسلام كله، فيصير بذلك مسلمًا مبايعًا للرسول صلى الله عليه وسلم.
والبيعة على الإسلام قد أشار إليها القرآن في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] .
يقول ابن جرير الطبري بعد أن ذكر معنى الآية: «وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف بينهم فيمن عني بهذه الآية، وفيما أنزلت، فقال بعضهم: عني بها الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وفيهم أنزلت ... ، وذكر بسنده إلى بريدة، في قول الله عز وجل: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] .
قال: أنزلت هذه الآية في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، كان من أسلم بايع على الإسلام، فقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] .
هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام، {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91] .
البيعة، فلا يحملكم قلة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان فيهم قلة، والمشركين فيهم كثرة» 34. كذا قال ابن جرير، بل قدّم هذا القول على غيره، ونقله عنه ابن كثير، ولم يعلّق عليه بشيء 35.
وقال الشوكاني: «وظاهره العموم في كل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة وغيره، وخص هذا العهد المذكور في هذه الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وهو خلاف ما يفيده العهد المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود الله، ولو فرض أن السبب خاص بعهد من العهود لم يكن ذلك موجبًا لقصره على السبب، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» 36.
ومن البيعة على الإسلام: بيعة النساء المشهورة المذكورة في القرآن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة: 12] ) 37.