فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 2431

أي: «اجعلنا ممن يثبت لحرب عدوك وقتالهم، ولا تجعلنا ممن ينهزم فيفر منهم، ولا يثبت قدمه في مكان واحد لحربهم» 71.

وفي سياق الحديث عن غزوة بدر ذكر سبحانه وتعالى نعمته على المؤمنين المجاهدين من إنزال الماء؛ ليثبت به الأرض وتتماسك به الرمال، حتى لا تزل الأقدام في مواقع القتال.

قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] .

عن مجاهد: {مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} أنزله عليهم قبل النعاس، طبق المطر الغبار، ولبد به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به الأقدام 72.

وأخبر سبحانه وتعالى أنه أمر ملائكته بتثبيت المؤمنين المجاهدين في بدر، فقال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12] .

قيل في تفسيرها: «قووا قلوبهم وبشروهم بالنصر، وقيل: احضروا معهم القتال، والقولان حق فإنهم حضروا معهم القتال وثبتوا قلوبهم» 73.

فالثبات «هو بدء الطريق إلى النصر. فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون، وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار، وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر؟ بينما عدوهم لا يريد إلا الحياة الدنيا، وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها؟!» 74.

وأخبر سبحانه وتعالى أن من نصر دينه ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم، يثبته على النصر وتكاليفه.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .

ومن تكاليف النصر: «عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون. وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء، وصلاح القلوب، وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر» 75.

ثامنًا: الأخذ بالحذر:

أمر سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم؛ لاتقاء خدع الأعداء المتربصين بهم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] .

أي: «خذوا جُنَّتكم وأسلحتكم التي تتقون بها من عدوكم لغزوهم وحربهم» 76.

وقرن سبحانه وتعالى بين الحذر والسلاح؛ ليبين أن الحذر يكون بالعدة التي تناسب حالة العدو، وتمكن المؤمنين من اتقاء خدعهم وصد هجمتهم وإفشال رغبتهم في القضاء عليهم.

وقال تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 102] .

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} أي: بما هداكم إليه من أسباب النصر، كإعداد كل ما يستطاع من القوة وأخذ الحذر، والظاهر أن العذاب ذا الإهانة هو عذاب الغلب وانتصار المسلمين عليهم، إذا قاموا بما أمرهم الله سبحانه وتعالى به من الأسباب النفسية والعملية.

ويؤيده قوله سبحانه وتعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 14] 77.

والمتأمل في الآية يلحظ أنها جمعت في النظم بين إقامة الصلاة وهي الزاد الروحي، وبين السلاح وهو من العدة المادية؛ ليعلم المسلمون أن الاشتغال بأمور الدين -والصلاة عموده- لا يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم وأعظمها الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، وليريهم أن صلاح الدين والدنيا صنوان.

«وأول ما يلفت النظر هو الحرص على الصلاة في ساحة المعركة! ولكن هذا طبيعي بل بديهي في الاعتبار الإيماني، إن هذه الصلاة سلاح من أسلحة المعركة، بل إنها السلاح! فلابد من تنظيم استخدام هذا السلاح بما يتناسب مع طبيعة المعركة وجو المعركة!

ولقد كان أولئك الرجال -الذين تربوا بالقرآن وفق المنهج الرباني- يلقون عدوهم بهذا السلاح -الذي يتفوقون فيه- قبل أي سلاح، لقد كانوا متفوقين في إيمانهم بإله واحد يعرفونه حق المعرفة، ويشعرون أنه معهم في المعركة، متفوقين كذلك في إيمانهم بهدف يقاتلون من أجله، ويشعرون أنه أرفع الأهداف جميعا، متفوقين أيضًا في تصورهم للكون والحياة ولغاية وجودهم الإنساني، تفوقهم في تنظيمهم الاجتماعي الناشئ من تفوق منهجهم الرباني ... وكانت الصلاة رمزًا لهذا كله، وتذكيرًا بهذا كله، ومن ثم كانت سلاحًا في المعركة، بل كانت هي السلاح!

والأمر الثاني الذي يلفت النظر في هذا النصِّ هو هذه التعبئة الروحية الكاملة تجاه العدو، وهذا الحذر الذي يوصى المؤمنون به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم؛ ليميل عليهم ميلة واحدة!

ومع هذا التحذير والتخويف التطمين والتثبيت؛ إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون قومًا كتب الله عليهم الهوان: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} .. وهذا التقابل بين التحذير والتطمين، وهذا التوازن بين استثارة حاسة الحذر وسكب فيض الثقة هو طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة والصف المسلم، في مواجهة العدو الماكر العنيد اللئيم» 78.

وفي الآيات تعليم للمسلمين للأخذ بالأسباب، أي: إن أخذتم حذركم أمنتم من عدوكم بعد توكلكم على ربكم.

تاسعًا: إعداد القوة المادية:

أمر سبحانه وتعالى المؤمنين في سياق الحديث عن النصر بضرورة إعداد كل ما في الاستطاعة من قوة ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت.

قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] .

إلى قوله: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} أي: أعدوا لهم ما أطقتم أن تعدوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم عليهم من السلاح والخيل 79.

«فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شرُّ أعدائهم، وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير» 80.

وفي الآية دليل على ضرورة قيام أولى الأمر الذين هم وكلاء الأمة على مصالحها بإعداد جيوش المسلمين بكل أنواع الأسلحة التي تناسب كل عصر وتدخل في طاقتها، وتكون مرهبة للعدو، فالحق لا بد له من قوة تحميه.

ومن إعداد القوة المادية: عدد المقاتلين الصابرين، فإن للعدد تأثيرًا في النفوس للإقدام أو الإحجام.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:65 - 66] .

عن ابن عباسٍ رضي الله عنه: قال: «كان فرض على المؤمنين أن يقاتل الرجل منهم عشرةً من المشركين، قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} فشق ذلك عليهم، فأنزل الله التخفيف، فجعل على الرجل أن يقاتل الرجلين» 81.

فالإسلام دين واقعي لا يغفل عما في العوامل المادية من قوة، وهو يقرر ما للإيمان من قوة، فالله أخبر المؤمنين أن عشرين صابرين يغلبون مائتين من الكافرين، وهذا قبل التخفيف، ولم يقل سبحانه وتعالى أن العشرين من المؤمنين الصابرين يغلبون ألفين؛ لأن المؤمنين الصابرين وإن كان لإيمانهم قوة إلا أن هذه القوة الإيمانية لها حد محدود في غلبة قوة الكفر والكافرين 82.

وقال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال:43 - 44] .

عن عبد الله بن مسعود، قال: «لقد قللوا في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلت لرجلٍ إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائةً، قال: فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا» 83.

فكل من الطائفتين ترى الأخرى قليلة، لتقدم كل منهما على الأخرى؛ {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} «ولقد كان في هذا التدبير الإلهي ما أغرى الفريقين بخوض المعركة، والمؤمنون يرون أعداءهم قليلًا؛ لأنهم يرونهم بعين الحقيقة!، والمشركون يرونهم قليلًا، وهم يرونهم بعين الظاهر، ومن وراء الحقيقتين اللتين رأى كل فريق منهما صاحبه بها تحققت غاية التدبير الإلهي، ووقع الأمر الذي جرى به قضاؤه {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} ، فهو أمر من الأمور التي مرجعها لله وحده، يصرفها بسلطانه، ويوقعها بإرادته» 84.

فعلى أولي الأمر مراعاة عدد المقاتلين الصابرين عند مواجهة الأعداء وحساب ذلك بدقة.

وبالرغم من ضرورة إعداد القوة المادية من آلات ومقاتلين إلا أنها لا تكفل وحدها النصر إلا بعد توفر الأسباب المعنوية التي هي العدة الحقيقية للنصر.

وبعد الانتهاء من أسباب النصر.

أقول قد تتوفر أسباب النصر السابقة لكن يؤخر الله النصر لحكم يعلمها، قد تتبين للمجاهدين، وقد لا تتبين، وقد ذكر سيد قطب رحمه الله بعض ما فتح الله عليه من أسباب بطء النصر فقال: قد يبطؤ النصر؛ حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزًا ولا غاليًا، لا تبذله هينًا رخيصًا في سبيل الله.

وقد يبطؤ النصر؛ حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر.

وقد يبطؤ النصر؛ لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته.

كما قد يبطؤ النصر؛ لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصًا، ويذهب وحده هالكًا.

وقد يبطؤ النصر؛ لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريًا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية!

وقد يبطؤ النصر؛ لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة 85.

ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه عوائق النصر؛ لتعليم المؤمنين التخلص والتطهر منها قبل مقابلتهم لعدوهم؛ حتى يكون النصر حليفهم، ومن هذه العوائق:

أولًا: التنازع والاختلاف:

نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن التنازع، مبينًا أنه سبب الفشل وذهاب النصر، فقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] .

عن مجاهد رحمه الله قوله تعالى: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} قال: نصركم 86.

وبين سبحانه وتعالى أن نتيجة الفشل والتنازع هو ذهاب النصر والغنيمة، كما حدث للمسلمين في غزوة أحد، فإن النصر كان حليفهم لما التزموا أمر الرسول الكريم، ولما تنازعوا فيما بينهم وتركوا أمر الرسول أصابتهم الهزيمة، وذهب عنهم ما كانوا يحبون من النصر والغنيمة.

قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152] .

عن البراء رضي الله عنه قال: (لقينا المشركين يومئذٍ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله، وقال:(لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا) فلما لقينا هربوا، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا، وأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمدٌ؟ فقال: (لا تجيبوه) فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: (لا تجيبوه) فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا: الله أعلى وأجل) ، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا الله مولانا، ولا مولى لكم) قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدرٍ، والحرب سجالٌ) 87.

«والنهي عن التنازع يقتضي الأمر بتحصيل أسباب ذلك: بالتفاهم، والتشاور، ومراجعة بعضهم بعضًا، حتى يصدروا عن رأي واحد، فإن تنازعوا في شيء رجعوا إلى أمرائهم لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} [النساء: 83] .

وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] .

والنهي عن التنازع أعم من الأمر بالطاعة لولاة الأمور؛ لأنهم إذا نهوا عن التنازع بينهم فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي. ثم حذرهم أمرين معلومًا سوء مغبتهما وهما الفشل وذهاب الريح.

والفشل: انحطاط القوة، وهو هنا مراد به حقيقة الفشل في خصوص القتال ومدافعة العدو، ويصح أن يكون تمثيلا لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت قوته وفشلت أعضاؤه، في انعدام إقدامه على العمل. وإنما كان التنازع مفضيا إلى الفشل؛ لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربص بعضهم ببعضٍ الدوائرَ، فيحدث في نفوسهم الاشتغال باتقاء بعضهم بعضًا، وتوقع عدم إلقاء النصير عند مآزق القتال، فيصرف الأمة عن التوجه إلى شغل واحد فيما فيه نفع جميعهم، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم فيتمكن منهم العدو، كما قال: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} [آل عمران: 152] 88.

وما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار، فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم، مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة، فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! 89.

«إن التنازع واختلاف الرأي حول أمر من الأمور قد يكون مطلوبا إذا صحبته نية حسنة، وكان الغرض منه إظهار الحق بالبرهان والحجة، وهو حينئذ أقرب إلى التشاور منه إلى الجدال والخصام.

إن اختلاف الأفهام واشتجار الآراء ليس بمستغرب في الحياة ولكن شريطة ألا يؤدي ذلك للتقاطع والشقاق، ولو تجردت النيات للبحث عن الحقيقة، وأقبل روادها وهم بعداء عن طلب الغلب والسمعة والرئاسة والثراء لصفيت المنازعات التي ملأت التاريخ بالأكدار والمآسي، إن الناس إذا لم يجمعهم الحق شَعَبَهُمُ الباطل، وإذا لم يستهوهم نعيم الآخرة تخاصموا على متاع الدنيا، ولهذا كان التنازع والتطاحن المر من خصائص الجاهلية المظلمة وديدن من لا إيمان لهم» 90.

فالنزاع جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها وصار كل منهم وحده كسرها كلها 91.

ثانيًا: الإعجاب بالكثرة:

هزم المؤمنون يوم حنين بقول أحدهم: «لن نغلب اليوم من قلةٍ» ، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم، كما قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] .

وفي ذكر هذه الغزوة وما حدث فيها: قال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابرٍ عن أبيه جابر بن عبد الله قال: (خرج مالك بن عوفٍ بمن معه إلى حنينٍ فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فأعدوا وتهيَّؤوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحدٌ على أحدٍ، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول:(أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله) ، فلا شيء وركبت الإبل بعضها بعضًا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس قال: (يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة) فأجابوه: لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائةٌ، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرًا بالخزرج وكانوا صبراء عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه، فنظر إلى مجتلد القوم فقال: (الآن حمي الوطيس) قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله ملقون، فقتل الله منهم من قتل وانهزم منهم ما انهزم، وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم) 92.

وروى البخاري بسنده عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنهما أن رجلا قال له: (يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنينٍ؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن كانوا قومًا رماةً، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول:(أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب) 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت