فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 2431

قال مكي: «أي: ولمن صبر على إساءة من أساء إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه فلم ينتصر منه وهو قادر على ذلك؛ ابتغاء وجه الله عز وجل وجزيل ثوابه، إن ذلك الفعل منه لمن عزم الأمور، لمن أعالي الأمور التي ندب الله إلى فعلها عبادة ومن أجلها، وذلك فعل الوارعين» 42.

ويحكى أن رجلًا سب رجلًا في مجلس الحسن، فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام وتلا هذه الآية: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] فقال الحسن: «عقلها والله وفهمها لما ضيعها الجاهلون» 43.

من صفات الأخلاق أنها تؤثر في بعضها بعضًا، فتحصيل خُلُقٍ منها ينعكس إيجابًا على تكوين غيره من الأخلاق، ويظهر هذا القانون بوضوحٍ في خلق العزم، إذ يلزم لصاحبه أن يكون صابرًا مصابرًا قادرًا على كبح شهوات نفسه، وتركيز عزمه، فإذا بلغ تلك الرتبة السامقة كان من أقدر الناس على إتيان البر في المكره والمنشط، وفي العسر واليسر، كالعفو مع القدرة، وتقوى الله فيمن لا يتقي الله فيه.

ولتحليل أخلاق العازمين التي نوه بها القرآن الكريم تقابلنا عبارة (عزم الأمور) ثلاث مراتٍ في ثلاث آيات من كتاب الله عز وجل هي: قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

وقوله تعالى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .

وقوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .

وبتدبر الآيات المذكورة تتضح أخلاق أولي العزم، فأولها: الصبر، وهو المشترك بين الآيات الثلاث، وثانيها: التقوى، وثالثها: العفو عن المسيء. ثم إن هناك أخلاقًا أخرى من أخلاق أهل العزم نوه بها القرآن الكريم، وهي الصدق والإخلاص والمسارعة في الخيرات، والثبات.

أولًا: الصبر:

الصبر من أهم أخلاق أهل العزم، والعازم محتاجٌ إلى استيفاء أنواع الصبر بقدر عزيمته وشرف معزومه، فهو محتاجٌ إلى الصبر في الطاعة لنيل التوفيق في حصول مسعاه. وهو محتاج إلى الصبر عن تثبيط المثبطين، ونقد المنتقدين الذين لا هَمَّ لهم إلا الهدم، ومحتاجٌ إلى الصبر عن المعاصي التي توهن العزم، وتطمس نور البصيرة، وتورث الكسل، وتقتل الطموح وتفقد زمام المبادرة. ومحتاج إلى الصبر عن رد الأذى، ولا شك أن أعداء أهل العزم كثيرون من أعداء أهل الحق في كل زمان ومكانٍ. فلا عجب أن يعرف أهل العزائم بالصبر، ويشتهرون به. ولما أمر الله عز وجل نبيه بالصبر اقتداءً بصفوة الرسل - عليهم السلام - وصفهم بأولي العزم، فقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] .

وأولو العزم هم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها 44، فعلم أن الصبر والمصابرة من أخص أخلاق أولى العزم. قال ابن عاشور: «والوصف بالعزم مشعرٌ بمدح الموصوف؛ لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرًا على النفوس؛ لأنها تعاكس الشهوات، ومن ثم وصف أفضل الرسل بأولي العزم» 45.

فها هم يقارعون أقوامهم مقسمين مظهرين كمال العزيمة: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] .

وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

والبلاء في الأنفس: القتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب، وهلاك الأقرباء والعشائر من أهل النصرة والملة. وفي الأموال: ما يبذله المسلم من مالٍ في سبيل الله، وما يقع في تلك الأموال من أنواع الآفات والتلف، وما يسمعون من أهل الكتاب والمشركين من المطاعن في الدين الحنيف، وصد من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن، وسب الله عز وجل، كقولهم: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، وقولهم: يد الله مغلولة- تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- وكهجاء رسوله صلى الله عليه وسلم وافترائهم وكذبهم عليه، ومعاداة أصحابه رضي الله عنهم 46.

قال النسفي: «خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها؛ حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتةً، فينكرها وتشمئز منها نفسه» 47.

وفيه إيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحق وأنصار الرسل من البلوى، وتنبيه لهم على أنهم إن كانوا ممن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحق، وأكد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة؛ لإفادة تحقيق الابتلاء 48.

ففيه تحضيضٌ لهم على الصبر على أنواع البلاء والأذى المذكورة، وتحذيرٌ لهم من ترك التقوى فيمن لا يتقي الله فيهم، ولا يرقب فيهم إلًا ولا ذمةً، فلا ينبغي للمسلم أن يفتري على عدوه كذبًا، أو يفحش في القول والفعل، وإن كان عدوه هذا من أفحش الناس وأكذبهم. فالصبر المراد: صبر على المصائب، وصبرٌ عن المعاصي.

وقوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .

فيه -زيادةً على الصبر- تحضيضٌ على المغفرة للمسيء مع القدرة على رد الإساءة، وهذه سمة الداعية الحريص على وصول الخير والهداية لكل الناس، وهؤلاء هم من يألفون ويؤلفون.

وقال لقمان لابنه وهو يعظه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .

يعني: «إن ذلك الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حق الأمور التي أمر الله عز وجل بها وعزم عليها» 49.

وفي الآية إشارةٌ إلى الصبر على الطاعة بالأمر بالمحافظة على الصلاة، بالإضافة للأمر بالصبر على الأذى.

ثانيًا: التقوى:

التقوى سبيلها مراقبة الخطرات والحركات، ومراقبة الخطرات سبيل تصحيح العزم، فالعزم مبدؤه خطرةٌ، ومهما أيقن العبد بعلم الله عز وجل السر والنجوى جاهد نفسه في مراقبة عزمه وإخلاصه: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] قيل: السر: العزيمة، وما هو أخفى: هو الهم الذي دون العزيمة 50.

وعن ابن عباس قال: «السر: ما أسر ابن آدم في نفسه. «وأخفى» : ما أخفى ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله، فالله يعلم ذلك، فعلمه فيما مضى من ذلك، وما بقي علم واحد» 51.

وعن قتادة قال: «أخفى من السر: ما حدثت به نفسك، وما لم تحدث به نفسك أيضًا مما هو كائن» 52.

قال الرازي: «ويحتمل أن يكون المراد بالسر وبالأخفى: ما ليس بقول، وهذا أظهر، فكأنه تعالى بين أنه يعلم السر الذي لا يسمع، وما هو أخفى منه، فكيف لا يعلم الجهر؟! والمقصود منه زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة، والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة، فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر والأخفى على ما فيه ثواب أو عقاب، والسر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها، والأخفى هو الذي لم يبلغ حد العزيمة، ويحتمل أن يفسر الأخفى بما عزم عليه وما وقع في وهمه الذي لم يعزم عليه، ويحتمل ما لم يقع في سره بعد، فيكون أخفى من السر» 53.

قال مسروق: «من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه» 54.

وعن أبي حفص عمرو بن سلمة النيسابوري قال: «من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال» 55.

وقال أبو تراب النخشبي: «احفظ همك فإنه مقدمة الأشياء، فمن صح له همه صح له ما بعد ذلك من أفعاله وأحواله» 56.

وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

فعد الصبر والتقوى من عزم الأمور، وأمرهم بتقوى الله فيمن يؤذيهم، وإنما يكون ذلك بطاعة الله فيمن يعصي الله في المؤمنين؛ فلا يبرر فحشه الإفحاش له في القول والفعل، ولا يبرر ارتكابه الخيانة والدسيسة والظلم وهتك الأعراض ونحو ذلك، كل ذلك لا يبرر أن يرتكب المؤمنون مثل ذلك. فالمؤمن صاحب رسالةٍ ومبدإٍ وعزيمةٍ، ليس إمعةً، ولا يقلد في دينه من لا خلاق له.

ثالثًا: العفو والصفح عن المسيء:

العفو والصفح صورتا الحلم ومخرجاه إلى الوجود، والعفو هو ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: ترك التثريب، واشتقاقه من تجاوز الصفحة التي أثبت فيها ذنوب المذنب، أو من الإعراض بصفحة الوجه عن التلفت إلى ما كان منه من إساءة، وهو محمودٌ إذا كان على الوجه الذي يجب.

وقد ندب الله عز وجل إلى ذلك بقوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .

فأمر بالحلم والعفو، وقال: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] .

وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] 57.

وقد عد الله عز وجل العفو والصفح عن المسيء من عزم الأمور، فقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .

قال مقاتل: «ولمن صبر ولم يقتص، وغفر وتجاوز فإن ذلك الصبر والتجاوز لمن عزم الأمور، أي: من حق الأمور التي أمر الله عز وجل بها» 58.

قال الفضيل بن عياض: «إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلًا فقل: يا أخي، اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر؛ وإلا فارجع إلى باب العفو فإنه باب واسعٌ، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور» 59.

وبالجملة فإن العفو مندوبٌ إليه، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى 60.

وقد أكد الله عز وجل هذه الآية بما لم تؤكد به آيتا آل عمران ولقمان فقال هنا: {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .

وقال في سورة آل عمران: {فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

وفي سورة لقمان: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] لأن فيها زيادة العفو والصفح على الصبر الذي حثت عليه آيتا آل عمران ولقمان، فإن كان الصبر على الأذى وعن الانتصار للنفس شاقًا فإن إضافة الصفح إلى ذلك أشقٌ.

قال السعدي: «فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل من أشق شيءٍ عليها، والصبر على الأذى والصفح عنه ومغفرته ومقابلته بالإحسان أشق وأشق، ولكنه يسير على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه» 61.

رابعًا: الصدق والإخلاص:

الصدق والكذب أصلهما في القول، ويدخلان في الإرادة والعزم والفعل، فلفظ الصدق يستعمل في ستة معانٍ: صدق القول، وصدق النية والإرادة، وصدق العزم، وصدق الوفاء بالعزم، وصدق العمل، والصدق في تحقيق مقامات الدين كلها، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صِدِّيقٌ مبالغة في الصدق. والعزم قد يكون صادقًا جازمًا، وقد يكون فيه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة، فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة، والصادق والصديق هو الذي تصادف عزيمته في الخيرات كلها قوةً تامةً ليس فيها ميل ولا ضعفٌ ولا تردد، بل تسخو نفسه أبدًا بالعزم المصمم الجازم على الخيرات. ومن كان عزمه صادقًا تم فعله 62.

وفرق بين الصدق والإخلاص أن للعبد مطلوبًا وطلبًا، فالإخلاص توحيد مطلوبه، والصدق توحيد طلبه. فالإخلاص: أن لا يكون المطلوب منقسمًا، والصدق: أن لا يكون الطلب منقسمًا، فالصدق بذل الجهد، والإخلاص إفراد المطلوب 63.

ومقام الصدق جامعٌ للإخلاص والعزم، فباجتماعهما يصح له مقام الصدق 64.

وأول درجات الصدق صدق القصد، وهو كمال العزم، وقوة الإرادة، بأن يكون في القلب داعيةٌ صادقة إلى السلوك، وميلٌ شديد يقهر السر على صحة التوجه. فهو طلب لا يمازجه رياء ولا فتور، ولا يكون فيه قسمةٌ بحالٍ، ولا يصح الدخول في شأن السفر إلى الله عز وجل، والاستعداد للقائه إلا به. ومن كان صادقًا في طلبه مستجمع القوة لم يقعد به عزمه عن الجد في جميع أحواله. فلا تراه إلا جادًا، وأمره كله جد 65.

قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .

أي: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضراء وحين البأس، فمنهم من قضى نحبه، وفرغ من العمل الذي كان نذره لله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعضٌ يوم بدر وبعضٌ يوم أحد وبعضٌ في غير ذلك من المواطن، ومنهم من ينتظر قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم على الوفاء لله بعهده 66.

وعن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن رجلًا كان يقال له: «حممة» من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خرج إلى أصبهان غازيًا في خلافة عمر رضي الله عنه فقال: «اللهم إن حممة يزعم أنه يحب لقاءك، فإن كان حممة صادقًا فاعزم له بصدقه، وإن كان كاذبًا فاعزم عليه وإن كره، اللهم لا ترد حممة من سفره هذا» . قال: فأخذه الموت، وقال عفان مرة: البطن، فمات بأصبهان. قال: فقام أبو موسى رضي الله عنه فقال: «يا أيها الناس إنا والله ما سمعنا فيما سمعنا من نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما بلغ علمنا إلا أن حممة شهيدٌ» 67.

وقال تعالى: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21] ؛ قال الزجاج: «المعنى: فإذا جد الأمر ولزم فرض القتال، فلو صدقوا الله فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وعملوا بما نزل عليه وما أمروا به من فرض القتال؛ لكان خيرًا لهم، أي: لكان صدقهم الله بإيمانهم خيرًا لهم» 68. فهاتان الآيتان تبينان فرق ما بين المؤمن والمنافق.

خامسًا: المسارعة في الخيرات:

المبادرة إلى الأعمال الصالحة صفة أولي العزم من البشر، وقد ذكر الله عز وجل جملة من الأنبياء والرسل عليهم السلام، ثم قال في وصفهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] .

قال بعض المفسرين: {إِنَّهُمْ} يعني: الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة 69 يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب إليه. والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به؛ لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة 70.

وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} تعليلٌ لما فصل من فنون إحسانه تعالى المتعلقة بالأنبياء المذكورين أي: كانوا يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير، وهو السر في إيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات متوجهين إليها 71.

وأفاد فعل الكون أن ذلك كان دأبهم وهجيراهم. والمسارعة: مستعارة للحرص وصرف الهمة والجد 72.

وحقيقة المسارعة في الخير: أن يترقى الإنسان فيما يتحراه منزلة فمنزلة، فيتعوده فيتقوى به على المنزلة الثانية؛ لأن الخير حاصلٌ بعضه عن بعض، وحاملٌ بعضه بعضًا 73.

ووصف الله عز وجل المؤمنين بذلك فقال: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57 - 61] .

أي: يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها، ويسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها 74.

وما كانوا كذلك إلا لعلو هممهم وصدق عزائمهم في ميدان التسارع في أفعال الخير، همهم ما يقربهم إلى الله، وإرادتهم مصروفة فيما ينجي من عذابه، فكل خير سمعوا به، أو سنحت لهم الفرصة إليه انتهزوه وبادروه. ولما كان السابق لغيره المسارع قد يسبق لجده وتشميره، وقد لا يسبق لتقصيره أخبر تعالى أن هؤلاء من القسم السابقين فقال: {وَهُمْ لَهَا} أي: للخيرات {سَابِقُونَ} قد بلغوا ذروتها، وتباروا هم والرعيل الأول، ومع هذا، قد سبقت لهم من الله سابقة السعادة، أنهم سابقون 75.

والآيات الداعية إلى المسابقة والمسارعة في الخيرات كثيرة منها قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148، والمائدة: 48] .

وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] .

وقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد:21] .

سادسًا: الثبات:

من أخلاق صاحب العزم الصادق أنه لا ينصرف عن بغيته حتى يبلغها أو يقطع به دونها لعذرٍ قاهرٍ، أو لحينٍ باهرٍ، وقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستمر في عقد قلبه على طاعة مولاه مواظبًا على العبادة حتى يأتيه الموت، فقال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] .

ووجه كون أهل العزم أكثر الناس ثباتًا، وأبعدهم عن الانتكاس والفتور أنهم تمرسوا بمراقبة خطراتهم، وتجريد قصدهم. وتجريد القصد وجزم النية والجد في الطلب هو عين كمال العبد، وهو متضمن للصدق والإخلاص والقيام بالعبودية. والاجتهاد في تجريد القصد وتخليصه من كل شائبة نفسانية أو طبيعية، وتجريده لمراد المحبوب وحده، والجد في طلبه وطلب مرضاته، وجزم النية -وهو أن لا يعتريها وقفة ولا تأخير- هو غاية منازل الصديقين، وصديقية العبد بحسب رسوخه في هذا المقام، وكلما ازداد قربه وعلا مقامه قوي عزمه وتجرد صدقه، فالصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور لقصده، بل قصده أتم وطلبه أكمل.

قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] .

واليقين هنا الموت باتفاق أهل الإسلام، فجاء صلى الله عليه وسلم إذ جاءه وإرادته وقصده ونيته في الذروة العليا ونهاية كمالها وتمامها 76.

وصاحب العزم الصادق لا يفتأ يستعين على هواه بالتجرد من الحول والقوة، والتضرع إلى الله بالدعاء بالثبات، فهو أبعد الناس عن الخذلان، هجيراه في السلم: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 8 - 9] .

وعند عزم الأمر: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت