«وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفين في الخضم الفسيح. فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون نقطًا سابحة في ذلك الفضاء المرهوب. وإن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل، وهو ينظر إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم الدوارة، والكواكب السيارة، متناثرة في ذلك الفضاء، سابحة في ذلك الخضم، والفضاء من حولها فسيح، وأحجامها الضخمة تائهة في ذلك الفضاء الفسيح! والشمس تدور حول نفسها. وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها. ولكن عرف أخيرًا أنها ليست مستقرة في مكانها. إنما هي تجري. تجري في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلًا في الثانية! والله - ربها الخبير بها وبجريانها وبمصيرها- يقول: إنها تجري لمستقر لها. هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا هو سبحانه. ولا يعلم موعده سواه. وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه. وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء، لا يسندها شيء، ندرك طرفًا من صفة القدرة التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} 35.
وجريان الشمس حول محورها ودوران الأرض حولها واختلاف منازل الأرض من الشمس، يترتب عليه ظواهر عديدة منها، اختلاف الفصول وما في ذلك من المنافع، فلكل فصلٍ مزاياه وأهميته، والفصول الأربعة متتابعةٌ ومتكاملةٌ وتنوعها يعود بالمنفعة على الإنسان والحيوان والنبات.
ومن الحقائق العلمية التي توصل لها العلماء أن الشمس بمجموعتها التي تدور حولها، تجري جميعًا حول مركز مجرة «الطريق اللبني» بسرعة تبلغ 250 كم في كل ثانية، أو 000 900 كم في الساعة. وبالرغم من هذه السرعة الفائقة إلا أن النظام الشمسي يستغرق 240 مليون سنة للدوران حول مجرة الطريق اللبني.
وشمسنا هذه -وهي تدور حول نفسها- تدور بنا أيضًا على الحاشية الخارجية للمجرة، وهي تتباعد عن هذه الحاشية الخارجية بمقدار اثني عشر ميلًا كل ثانية وهكذا جميع السيارات تسير إلى جانب أو آخر مع دورانها الخاص طبقًا لنظامها، فمنها ما يسير بسرعة ثمانية أميال في الثانية، ومنها ما يسير بسرعة ثلاثة وثلاثين ميلًا في الثانية، ومنها ما يسير بسرعة أربعة وثمانين ميلًا في الثانية. وجميع النجوم على هذا النحو تبتعد في كل ثانية بسرعة فائقة عن مكانها. هذه الحركة المدهشة تحدث طبقا لنظام وقواعد محكمة بحيث لا يصطدم بعضها ببعض ولا يحدث اختلاف في سرعتها 36.
ثالثًا: الشمس وحساب السنين:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) } [يونس: 5] .
ولولا هذا التقدير الذي قدره الله سبحانه لحساب الشهور والأيام والساعات ونقصانها وزيادتها لم يعلم الناس بذلك، ولا عرفوا ما يتعلق به كثير من مصالحهم، فالسنة تتحصل من اثني عشر شهرًا، والشهر من ثلاثين يومًا إن كان كاملًا، ومن تسع وعشرين يومًا إن كان ناقصًا، واليوم من ساعات معلومة هي أربع وعشرون ساعة لليل والنهار، وقد يكون لكل واحد منهما اثنتا عشرة ساعة في أيام الاستواء، ويزيد أحدهما على الآخر في أيام الزيادة وأيام النقصان، والاختلاف بين السنة الشمسية والقمرية معروف 37.
وقال تعالى في سورة الإسراء: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) } [الإسراء: 12] .
قال الطبري: «ومن نعمته عليكم أيها الناس، مخالفته بين علامة الليل وعلامة النهار، بإظلامه علامة الليل، وإضاءته علامة النهار، لتسكنوا في هذا، وتتصرفوا في ابتغاء رزق الله الذي قدره لكم بفضله في هذا، ولتعلموا باختلافهما عدد السنين وانقضائها، وابتداء دخولها، وحساب ساعات النهار والليل وأوقاتها» 38.
فالمراد بالسنين هنا القمرية التي هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، وثماني ساعات، وثمان وأربعون دقيقة، ولا مانع من أن تشمل جملة آية السنين والحساب السنة الشمسية التي هي ثلاثمائة وخمس وستون يومًا، وخمس ساعات وتسع وأربعون دقيقة أيضا، والفرق بينهما عشرة أيام وإحدى عشرة ساعة ودقيقة واحدة 39.
فالقمر يدور حول الأرض في كل شهرٍ قمريٍ مرةً واحدةً، وحول نفسه في وقتٍ مساوٍ تمامًا لدورته حول الأرض، لذلك لا نرى من القمر إلا وجهًا واحدًا طوال الحياة، لأنه يدور حول الأرض، وحول نفسه في وقتٍ واحدٍ، ويستكمل دورته حول نفسه في تسعةٍ وعشرين يومًا، وثماني ساعات، ويستكمل دورته حول الأرض في تسعةٍ وعشرين يومًا وثماني ساعات. لكن الشيء الذي يلفت النظر أن القمر يقطع في كل يومٍ من دائرة سيره من فلكه حول الأرض ثلاث عشرة درجةً، ويتأخر في شروقه عن اليوم السابق تسعًا وأربعين دقيقةً كل يومٍ، ولولا هذا التأخر لبدا القمر بدرًا طوال الحياة، ولكن تأخره تسعًا وأربعين دقيقةً عن شروقه السابق كل يومٍ هو الذي يرينا القمر في مراتب، من هلالٍ، إلى ربع، إلى بدر، إلى عرجونٍ، إلى غيابٍ كاملٍ 40.
رابعًا: القسم بالشمس:
القرآن الكريم آية مبصرةٌ وحجةٌ ظاهرةٌ ومعجزة باقية وحاضرة، تتجلى في كل وقت وحين، تشهد للحق وتبينه وتبدد سحائب الباطل وغيوم الضلال.
والقسم من أساليب القرآن في إقامة الحجة وتقريرها، والتنويه على آيات الله في الكون، فتارة يقسم الله تعالى بهذه الآيات الكونية العجيبة على صدق الآيات التنزيلية العظيمة، وتارة يلوح بالقسم ويبين أن الأمر أوضح وآكد من أن يحتاج لقسمٍ.
ومن الأقسام في القرآن القسم بالشمس وما يتبعها ويتعلق بها أو يتزامن معها من ظواهر وأجرام، والقسم بالسماء والأرض وبالنفس البشرية.
قال تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [الشمس: 1 - 10] .
فأقسم تعالى بالشمس وقت تألقها، وساعة شروقها، فتبدو في أبهى حللها وفي أجمل أحوالها، ففي الشتاء تبعث أشعتها بالنور والدفء، وفي الصيف قبل أن ترتفع تكون الساعات المبكرة في النهار من ألطفها نداوة وطراوة، ومن أرقها نسيمًا.
وأقسم تعالى بالقمر حين يتبعها وينوب عنها في السماء، سيما في الليلة الظلماء حين يكتمل البدر فيجلي ظلام الليل، وبالنهار إذا طلع فأشرقت له الدنى، وبالليل إذا أرخى سدوله، والسماء وما أعظم بناءها، وبالأرض وكيف بسطها ومدها ووسعها بقدر ما يلائم الحياة عليها.
كما أقسم بالنفس البشرية كيف سواها وأبدعها ربنا خلقةً وجبلها على هذه الفطرة السوية، وألهمها رشدها، وخيرها بين طريق الحق والغواية.
بهذه الخلائق وتلك الحقائق التي لا يماري فيها أحد أقسم الله عز وجل على حقيقة مؤكدة قد تغيب عن الأذهان أو يماحل فيها أهل الجحود والنكران بأن الفلاح لمن زكى نفسه فطهرها وارتقى بها وحملها على طاعة الرحمن، والخيبة والخذلان على من ضيعها وأطلق لها العنان، وحملها على معصية الملك الديان، فدفنها في تربة المهلكات وغطها في أوحال الشهوات.
يقول صاحب الظلال: «يقسم الله سبحانه بهذه الخلائق والمشاهد الكونية، كما يقسم بالنفس وتسويتها وإلهامها. ومن شأن هذا القسم أن يخلع على هذه الخلائق قيمة كبرى وأن يوجه إليها القلوب تتملاها، وتتدبر ماذا لها من قيمة، وماذا بها من دلالة، حتى استحقت أن يقسم بها الجليل العظيم. وهنا نجد القسم الموحي بالشمس وضحاها. بالشمس عامة وحين تضحى وترتفع عن الأفق بصفة خاصة» 41.
خامسًا: الشمس والظل:
الظل نعمة من الله تعالى تستروح إليه النفوس، فتفيء من وهج الشمس وحرها. تشرق الشمس بأشعتها، فيبدأ الظل في الانحسار شيئًا فشيئًا كلما ارتفعت الشمس حتى تتوسط الشمس كبد السماء فترى الظل أقل ما يكون، فإذا مالت جهة الغرب تبدأ الظلال في الزيادة إلى أن تصل إلى أقصاها عند الغروب، وتلك هي حركة الظل بالامتداد والانقباض.
إنها آيةٌ عظيمة جديرةٌ بالنظر والتأمل.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) } [النحل: 48] .
فينتقل الظل من حال إلى حال، لكنه في جميع أحواله ساجدٌ لربه وقد جبل على طاعته.
قال الضحاك: إذا طلعت الشمس يسجد ظل كل شيء نحو المغرب، فإذا زالت الشمس سجد ظل كل شيء نحو المشرق حتى تغيب 42.
وقال ابن جزي: «معنى الآية: اعتبار بانتقال الظل، ويعني بقوله: {مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} الأجرام التي لها ظلال من الجبال والشجر والحيوان وغير ذلك، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال يكون ظلها إلى جهة، ومن الزوال إلى الليل إلى جهة أخرى، ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس، وقوله {يَتَفَيَّأُ} من الفيء، وهو الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة» 43.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) } [الفرقان: 45 - 46] .
في الآية السابقة وجه الرؤية إلى تلك الظاهرة، وفي هاتين الآيتين دعوة لاستحضار عظمة الله وتدبيره لهذا الكون، فالأثر يدل على المؤثر، والفعل يدل على الفاعل، والصنعة تدل على الصانع، وهذا المشهد جدير بأن تتملى منه العين وترقبه بإمعان، فهو مشهد حسي يقرر تلك المشاهد والمرئيات الغيبية التي وردت في السورة الكريمة.
قال ابن عاشور: «قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} أي: غير متزايد؛ لأنه لما كان مد الظل يشبه صورة التحرك أطلق على انتفاء الامتداد اسم السكون بأن يلازم مقدارًا واحدًا لا ينقص ولا يزيد، أي: لو شاء الله لجعل الأرض ثابتة في سمت واحد تجاه أشعة الشمس، فلا يختلف مقدار ظل الأجسام التي على الأرض وتلزم ظلالها حالة واحدة، فتنعدم فوائد عظيمة» 44.
«إن الباحثين يقولون بحسب ما يرى من الأسباب الظاهرة: إن وجود الشمس، وحركة الأرض حولها، هما السبب في حركة الظل. ولكن التعبير القرآني يقول لنا: إن إرادة الله هي التي حركت الظل ابتداءً، (ثم) جعلت الشمس دليلًا على الظل، فليست الأسباب الظاهرة هي الأصل، ولكنها تجيء تالية، بل تجيء على التراخي بلفظ (ثم) ، بعد تقرير الله للأمر بمشيئته، التي تقول للشيء: كن فيكون، ثم نتحرك مع السياق حركة جديدة {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) } [الفرقان: 46] .
إن التعبير يصور حركة الظل الوئيدة التي تراها العين فلا تلتفت إليها، أو لا تلتفت إليها بكليتها، ولكن الخيال هنا مع التعبير القرآني لا يملك أن يفلت من أسر الصورة التي تصورها تلك الكلمات القلائل في إبداع معجز! إن الظل هنا لا يتحرك راجعًا من تلقاء نفسه، ولا من أثر الأسباب الظاهرة التي نعرفها. إننا مع السبب الحقيقي، ولكنا نقف مبهورين ننظر إلى الظل وهو يقفل راجعًا بعد ما امتد. لماذا؟ لأن يدًا خفية هي التي تطويه في حركة وئيدة كحركة الظل. إنها يد الله!
وهكذا تجدنا مع الله مرة أخرى، نرقب ـ من حركة الظل ـ قدرته القادرة، ويده الخفية سبحانه التي لا تدركها الأبصار! على أن أروع ما في التعبير القرآني في الآية هو هذا اللفظ (إلينا) : {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) } [الفرقان: 46] .
أتدري ماذا فعلت هذه اللفظة المفردة في كيان الصورة كله؟! هل تغيرت (معلوماتك) عن الظل حين قرأت هذه الآيات؟ كلا!
إن (المعلومات) في ذاتها ليست جديدة. لقد كانت معلومة من قبل، ولكنه ذلك العلم الميت الساكن الذي لا يتحرك، ولكن القرآن يحيي هذه المعلومات حين يعرضها في جوه الوجداني بطريقته المعجزة، فتنتقض حية كأنها ليست هي التي كنا نعرفها من قبل وما تغيرت هي! إنما نحن الذين تغيرنا! حين زال عن حسنا التبلد للتجربة المكرورة والنظر المكرور 45.
والظل نعمة من نعم الله تعالى الذي قال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) } [النحل: 81] .
ولا يمكن أن يتساوى الظل مع الحرور، فالظل تستروح إليه النفس وتفيء إليه من حر الهاجرة طلبًا لنسمة باردة.
قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) } [فاطر: 19 - 21] .
فكما لا يستوي الأعمى والبصير لا تستوي الظلمات والنور ولا الظل ولا الحرور، فالظلال الوارفة التي يفيء الناس إليها من حر الرمضاء فيستروحون روحها اللطيفة ويتنسمون نسيمها البارد لا تستوي أبدًا مع شدة الحرارة بالليل ووهجها بالنهار.
وقد أجادت الشاعرة الأندلسية في التعبير عن ذلك بقولها 46:
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ
وقاه تضاعف النبت العميم
نزلنا دوحه فحنا علينا
حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأٍ زلالًا
ألذ من المدامة للنديم
يروع حصاه حالية العذارى
فتلمس جانب العقد النظيم
يصد الشمس أنى واجهتنا
فيحجبها ويأذن للنسيم
ذكر الله تعالى للشمس ثلاثة أوصاف:
أولًا: الشمس سراج وهاج:
قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) } [الفرقان: 61] .
«والمتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية تدل على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة، فلذلك سماها سراجًا، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه؛ وهو أيضًا معنى صحيح تدل عليه الآية دلالة لغوية واضحة. أما الباحث المتخصص في شئون الفلك فيفهم من الآية إثبات أن القمر جرم مظلم، وإنما يضيء بما ينعكس عليه من ضياء الشمس التي شبهها بالسراج بالنسبة له؛ وهو أيضًا معنى صحيح تدل الآية عليه بلغتها وصياغتها، فأنت تقول: غرفة منيرة إذا انعكس عليها الضوء من سراج في وسطها، ولا تقول: قبس منير، إذ ينبعث النور من حقيقته وداخله، بل تقول قبس مضيء 47.
وآيات الكون من الآيات الجلية والبراهين الساطعة التي استشهد بها أنبياء الله في دعواتهم لأقوامهم هذا أول المرسلين نوح عليه السلام، يخاطب قومه مبيًنا لهم قدر الله تعالى وعظيم إنعامه وجميل ألطافه والذي يرون مظاهره وآثاره بأعينهم وكأنها لم تره من فرط الغفلة {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) } [نوح: 15 - 16] .
«وجعل الله الشمس سراجًا يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ قوة ضياء الشمس 48.
وفي سياق إقامة الأدلة الحسية على إمكان البعث يقول تعالى في سورة النبأ {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) } [النبأ: 13] .
فالشمس جرم متوهج يبعث بالحرارة والضياء وفق نظام دقيق من الأدلة الباهرة على قدرة الله تعالى وعنايته بخلقه، وبما يقرر أمر البعث الذي يشكك فيه الكفرة.
قال الراغب: السراج: الزاهر بفتيلة ودهن، ويعبر به عن كل مضيء» 49.
ذلك أن المصباح يضيء بزيته، كذلك الشمس تضيء بما فيها من طاقات كامنة متجددة، وتفجيرات هائلة.
قال مقاتلٌ: والوهج يجمع النور والحرارة 50.
وقال الزجاج: الوهاج: الوقاد 51، وهو الذي وهج 52.
وقال الفيروزآبادي: «الوهج: حصول الضوء، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} أي: مضيئًا متوقدًا، وقد وهجت النار توهج، وتوهج الجوهر: تلألأ 53.
قرأ حمزة والكسائي: (سُرُجًا) على الجمع. وقرأ الباقون {سِرَاجًا} على التوحيد 54.
وهذا معنى آخر يستفاد من تعدد القراءات في الآية الكريمة، يدل على كثرة الشموس التي تضيء السماء، فالشمس نجم مضيء بذاته، حيث لمعان الشمس يعادل ضوء القمر وهو بدر 400 ألف مرة، ويصل ضوء الشمس إلى الأرض بعد 499 ثانية، وهي كرة ضخمة من الغازات المتوهجة ذات الكثافة الكبيرة، ويصل قطرها إلى حوالي 1.393.000 كم، أو ما يعدلها 109 مرة طول قطر الأرض، ولهذا فإن حجم الكرة الشمسية يزيد على حجم الكرة الأرضية بأكثر من مليون مرة 55.
وهذه الشمس التي نعدها اليوم وسيلة حياتنا تبلغ حرارة سطحها عشرة آلاف درجة فهرنهيت؛ والمسافة بينها وبين الأرض تبلغ ما يقرب من 150 مليون كيلومتر، وهذا البون الهائل دائم لا يتغير أبدًا لزيادة أو نقص، وفي ذلك عبرة عظيمة لنا؛ لأنه لو نقص واقتربت الشمس من الأرض بمقدار النصف مثلًا من الفاصل الحالي فسوف يحترق الورق على الفور من حرارتها، ولو بعد هذا الفاصل فصار ضعف ما هو عليه الآن فإن البرودة الشديدة التي تنجم عن هذا البعد سوف تقضى على الحياة في الأرض، ولو أنه حل محل الشمس سيار آخر غير عادى يحمل حرارة تزيد على حرارة الشمس عشرة آلاف مرة فسوف يجعل من الأرض تنورًا رهيبًا.
ولقد جاءت سراجًا مفردة مرتين في سورة الفرقان وسورة نوح، وجاءت موصوفة بكونها وهاجًا في سورة النبأ، فالشمس في ذاتها سراج توقد وتضيء بذاتها، ووصفها بكونها وهاجًا لشدة ضوئها وحرارتها.
فحرارة سطح الشمس تبلغ ستة آلاف درجة مئوية، وحرارة جوفها تصل إلى 20 مليون درجة مئوية. وألسنة اللهب ترتفع عن سطحها إلى نصف مليون كيلومتر ناثرة في الفضاء طاقة تساوي 400، 167 حصان من كل متر مربع، لا يصل منها للأرض سوى جزء من مليون جزء 56.
«إن هذه الشمس التي يصلنا منها ضوء ينير حياتنا ويدفئنا بلطف هي عبارة عن بئر سحيقة تملؤها سحب غازية حمراء اللون. وتتكون الشمس من ألسنة اللهب التي تكون على شكل خراطيم عملاقة قادمة من أعماق سحيقة مندفعة نحو الخارج بملايين الكيلومترات. لا شك في أن هذه الخراطيم النارية العملاقة خطيرة على حياة الإنسان، ولكن جميع أنواع الأشعة الخطيرة القادمة من الشمس يتم امتصاصها من قبل الغلاف الجوي للأرض ومجالها المغناطيسي قبل أن تصل إلينا، وهذا هو النظام المتقن لمجموعتنا الشمسية» 57.
يقول أحد الباحثين في الإعجاز العلمي: تبين للعلماء أن الشمس هي نجم من نجوم هذا الكون، وهي عبارة عن مصباح تعمل بالوقود النووي، حيث يتفاعل الهيدروجين وتندمج ذراته مع بعضها ثم تنتج ذرات الهليوم وتبث الطاقة والحرارة. ويقول العلماء، إن الشمس تصدر ألسنة من اللهب يبلغ طولها مئات الآلاف من الكيلو مترات، وتصدر كميات كبيرة من الطاقة والحرارة، وتحرق الشمس في كل ثانية أكثر من 4 مليون طن من المادة، جميعها يتحول إلى حرارة وطاقة وإشعاعات بمختلف أنواعها.
ثانيًا: الشمس ضياء.
ذكر الله من أوصاف الشمس كونها ضياء، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) } [يونس: 5] .
بينما الشمس تضيء بذاتها، بما يكمن فيها من طاقة متجددة نجد القمر جسمًا معتمًا مظلمًا يعكس ضياء الشمس ويبعث به نورًا يبدد ظلام الليالي الحالكة، وضوء الشمس مصحوبٌ بالحرارة والدفء، بينما ضوء القمر بلا حرارة.
قال العسكري: «الضوء: ما كان من ذات الشيء المضيء، والنور: ما كان مستفادًا من غيره» 58.